بعيدًا عن «حليب السباع» الذي بدا أن رئيس بلدية صيدا، مصطفى حجازي، قد تجرّعه فجأة وتجلى في بيان مقتضب على فايسبوك، «حيث لا يجرؤ الآخرون» دفاعًا عن مصلحة المدينة. وبعيدًا عن العراضات البصرية التي حاول أحد رؤساء البلديات الآخرين قطف ثمارها من الشارع، وعن آخرين سارعوا إلى حجز مواقعهم في المشهد، هناك، في مكان بعيد عن الضوء والضجيج، يقبع “رجل خفيّ” خلف حلّ هذه الأزمة، ولو مرحليًا. رجل لا يحبّ الكاميرات، ولا يهوى البيانات. يحضر في كل محطة مفصلية، ليؤكد أن صيدا بالنسبة إليه ليست موسمًا سياسيًا، ولا لافتة انتخابية عابرة، بل مدينة أحبّها وبقي إلى جانبها، رغم كل ما تعرّض له من طعنات وتجريحات ومحاولات نكران. وحده، ربما حتى ولو لم يحب ذلك، يملك الحق في أن يقول “صيدا دومًا في القلب”، لا قلب أولئك الذين يمنّون على المدينة بما هو حق لها. ففيما كانت المدينة تحتاج إلى حلّ، كان كثيرون يبحثون عن دور. أمّا هو، فهندس الحلّ العملي، كعادته.
الحرب الإقليمية تطيح بالقدرة الشرائية في لبنان، والأجور تتآكل أمام موجة الغلاء. في نيسان 2026، وجد اللبنانيون أنفسهم أمام أزمة معيشية خانقة، إذ تداخلت تداعيات الحرب الإقليمية مع ترهّل الاقتصاد المحلي، لتنتج انفجارًا في الأسعار وتراجعًا غير مسبوق في القدرة الشرائية فبينما كان معدّل التضخّم في شباط عند حدود 12.3%، قفز في آذار إلى 17.3%، وهو الأعلى منذ نهاية 2024. ومع ارتفاع أسعار الوقود والخبز والغاز، أصبح الحدّ الأدنى للأجور، البالغ 28 مليون ليرة شهريًا، ما يعادل نحو 312 دولارًا وفق سعر السوق، عاجزًا عن تغطية أبسط الحاجات الأساسية، ليصبح عمليًا مجرّد رقم بلا قيمة واقعية. قبل اندلاع الحرب، كان الاقتصاد اللبناني يعيش على حافة الانكماش، لكن مع بعض الاستقرار النسبي في أسعار الغذاء والطاقة. ومع بداية العمليات العسكرية في الخليج والإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز، ارتفعت أسعار النفط العالمية فوق 100 دولار للبرميل، ما انعكس مباشرة على لبنان، المستورد بالكامل لمشتقاته النفطية. ربطة الخبز التي كانت بـ65,000 ليرة أصبحت بـ75,000، فيما يعكس ارتفاع أسعار المحروقات خلال أسابيع قليلة هشاشة الاقتصاد اللبناني أمام الصدمات الخارجية، ويؤكد أن أي اضطراب إقليمي يتحوّل سريعًا إلى أزمة معيشية محلية. والأرقام تعكس ارتفاعًا إضافيًا مقارنة بما كان عليه الوضع في آذار، حيث تجاوزت الزيادة في أسعار المشتقات النفطية ما يقارب 50%، ما يتحوّل مباشرة إلى تراجع في القدرة الشرائية للحدّ الأدنى للأجور يقترب من النصف خلال شهر واحد فقط بعد الحرب. skip render: ucaddon_material_block_quote بذلك، أصبح الأجر الشهري لا يغطي سوى 50 إلى 55% من الحاجات الأساسية، وهو ما يعادل خفضًا غير مباشر للحدّ الأدنى للأجور، إذ لم يعد يحقق الغاية التي وُضع من أجلها. فالأزمة الحالية ليست مجرّد أرقام في تقارير اقتصادية، بل واقع يومي يعيشه المواطن اللبناني. من منظور قانوني، يفترض بالحدّ الأدنى للأجور أن يضمن للعامل حياة كريمة وفق المعايير الدولية. لكن في لبنان، أصبح هذا الحدّ مجرّد رقم لا يعكس الواقع المعيشي. فغياب آلية لربط الأجور بمؤشر الأسعار يجعل أي زيادة شكلية عاجزة عن مواجهة التضخّم. أما سياسيًا، فالأزمة تكشف هشاشة الدولة أمام الضغوط الخارجية، إذ إن الحرب الإقليمية انعكست مباشرة على الداخل اللبناني، من دون وجود سياسات وقائية أو خطط دعم فعّالة. وهذا يطرح أسئلة حول دور الدولة في حماية مواطنيها، وحول مدى التزامها بالمعايير الدولية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية. الأزمة اللبنانية لا يمكن فصلها عن السياق الدولي. فالحرب في الخليج أثّرت على أسعار النفط العالمية، وأغلقت طرق الإمداد الحيوية. ولبنان، كاقتصاد هزيل يعتمد على الاستيراد، وجد نفسه في قلب العاصفة. في المقابل، استطاعت دول أخرى، ذات بنية اقتصادية أقوى، امتصاص الصدمة عبر سياسات دعم أو احتياطات استراتيجية. أما لبنان، فدخل مباشرة في أزمة ثلاثية: وقود، خبز، وكهرباء، ما جعل المواطن يواجه معركة يومية لتأمين أبسط مقوّمات الحياة. الحل لا يكمن في رفع الأجور بشكل اسمي، بل في ربطها بمؤشر الأسعار، وتبنّي سياسات دعم موجّهة للفئات الأكثر وهنًا، إضافة إلى إصلاحات اقتصادية جذرية تعيد بناء الثقة، وتوفّر الحدّ الأدنى من العدالة الاجتماعية. skip render: ucaddon_box_testimonial
تُعاني مدينةُ صيدا، عاصمةُ الجنوبِ اللبناني، من أزمةِ مياهٍ خانقةٍ تتفاقم يومًا بعد يوم، لتُلقي بظلالها الثقيلةِ على حياةِ المواطنين، وتزيد من معاناتِهم في ظلِّ الأوضاعِ الاقتصاديةِ والمعيشيةِ الصعبةِ التي يمرُّ بها لبنان لم تَعُد مشكلةُ انقطاعِ المياهِ في المدينةِ مجردَ حدثٍ عابرٍ، بل أصبحت واقعًا مريرًا يُهدِّدُ الصحةَ العامةَ والاستقرارَ الاجتماعي، ويدفع الأهالي للبحثِ عن حلولٍ فرديةٍ مكلفةٍ وغيرِ مستدامة. فما هي الأسبابُ الحقيقيةُ وراءَ هذهِ الأزمة؟ وما هي سُبُلُ العلاجِ المقترَحةُ لضمانِ حقِّ المواطنين في الحصولِ على المياهِ الصالحةِ للشربِ والاستخدام؟ تتعدَّدُ الأسبابُ التي أدَّت إلى تفاقمِ أزمةِ المياهِ في صيدا، لتشكِّلَ شبكةً معقَّدةً من التحدياتِ التي تواجهُ المدينةَ وسكَّانَها. يمكنُ إجمالُ هذهِ الأسبابِ في عدَّةِ محاورَ رئيسية: انقطاعُ الكهرباء وشُحُّ المازوتيُعدُّ انقطاعُ التيارِ الكهربائي المزمنِ في لبنان، وصيدا ليست استثناءً، أحدَ أبرزِ الأسبابِ المباشرةِ لأزمةِ المياه. تعتمدُ محطَّاتُ ضخِّ المياهِ بشكلٍ كبيرٍ على الكهرباءِ لتشغيلِ مضخَّاتِها، ومعَ الانقطاعِ المستمرِّ للتيارِ الكهربائي، تتوقَّفُ هذهِ المضخَّاتُ عن العمل، ممَّا يَحرِمُ آلافَ المنازلِ من المياه.وفي ظلِّ هذا الواقع، تلجأُ مؤسَّساتُ المياهِ إلى تشغيلِ المولِّداتِ البديلةِ التي تعملُ على مادةِ المازوت. إلَّا أنَّ شُحَّ هذهِ المادةِ وارتفاعَ أسعارِها بشكلٍ جنونيٍّ، يجعلُ من تشغيلِ المولِّداتِ أمرًا مكلفًا وغيرَ مستدامٍ، ممَّا يُؤدِّي إلى توقُّفِها المتكرِّرِ وانقطاعِ المياهِ لساعاتٍ طويلةٍ أو حتى أيام. الأزمةُ الاقتصاديةُ والمعيشيةتُلقي الأزمةُ الاقتصاديةُ التي يمرُّ بها لبنان بظلالِها على كافةِ القطاعات، بما في ذلك قطاعُ المياه. فمعَ تدهورِ قيمةِ الليرةِ اللبنانية، وارتفاعِ أسعارِ المحروقاتِ وقطعِ الغيار، باتت مؤسَّساتُ المياهِ عاجزةً عن صيانةِ وتطويرِ بُنيتِها التحتية، وتأمينِ المستلزماتِ الضروريةِ لتشغيلِ المحطَّات. هذا الوضعُ يدفعُ المواطنينَ إلى البحثِ عن بدائلَ مكلفةٍ، مثلَ شراءِ المياهِ من الصهاريجِ الخاصة، ممَّا يزيدُ من الأعباءِ الماليةِ عليهم في ظلِّ تآكلِ قدرتِهم الشرائية. ضغطٌ غيرُ مسبوقشهدت مدينةُ صيدا، خلالَ الفترةِ الماضية، نزوحًا كبيرًا لأعدادٍ هائلةٍ من السكَّانِ من بلداتِ الجنوبِ اللبناني، خاصَّةً تلكَ المتضرِّرةِ من العدوانِ الإسرائيلي. هذا النزوحُ المفاجئُ أدَّى إلى زيادةٍ غيرِ مسبوقةٍ في عددِ السكانِ داخلَ المدينة، وبالتالي ارتفاعٍ هائلٍ في استهلاكِ المياه. فاقمَ هذا التزايدُ في الطلب، في ظلِّ مواردَ مائيةٍ محدودةٍ وبنيةٍ تحتيةٍ متهالكةٍ، من مشكلةِ شُحِّ المياهِ، وجعلَ الكمياتِ المتوفرةَ غيرَ كافيةٍ لتلبيةِ احتياجاتِ الجميع. تلوُّثُ المياهلا تقتصرُ مشكلةُ المياهِ في صيدا على شُحِّها فحسب، بل تمتدُّ لتشملَ تلوُّثَ بعضِ مصادرِ المياه. تُشيرُ بعضُ التقاريرِ إلى أنَّ تلوُّثَ المياهِ يُمثِّلُ تحدِّيًا إضافيًّا، حيثُ يُقلِّلُ من مصادرِ المياهِ الصالحةِ للاستخدامِ البشري، ويزيدُ من الضغطِ على المصادرِ النقيَّةِ المتاحة. هذا التلوُّثُ يُهدِّدُ الصحةَ العامةَ للمواطنين، ويزيدُ من مخاطرِ انتشارِ الأمراض، ممَّا يستدعي تدخُّلًا عاجلًا لمعالجةِ هذهِ المشكلة. شهدت صيدا نزوحًا كبيرًا لأعدادٍ هائلةٍ من أهالي الجنوبِ بسبب العدوانِ الإسرائيلي ما أدَّى إلى زيادةٍ غيرِ مسبوقةٍ في عددِ السكانِ داخلَ المدينة وبالتالي ارتفاعٍ هائلٍ في استهلاكِ المياه سُبُلُ العلاج تتطلَّبُ معالجةُ أزمةِ المياهِ في صيدا مقاربةً شاملةً ومتكاملةً تبحثُ في الأسبابِ الجذريةِ للمشكلة، وتضمنُ توفيرَ المياهِ بشكلٍ مستدامٍ لجميعِ المواطنين. يمكنُ تلخيصُ سُبُلِ العلاجِ المقترحةِ في النقاطِ التالية: شمسُ صيدا تروي عطشَهايُعدُّ التحوُّلُ نحوَ الطاقةِ البديلة، وخاصَّةً الطاقةِ الشمسية، حلًّا استراتيجيًّا لمشكلةِ انقطاعِ الكهرباءِ التي تُؤثِّرُ على تشغيلِ مضخَّاتِ المياه. فتركيبُ أنظمةِ طاقةٍ شمسيةٍ كافيةٍ لتشغيلِ محطَّاتِ ضخِّ المياهِ ومرافقِ مصلحةِ المياه، سيُقلِّلُ بشكلٍ كبيرٍ من الاعتمادِ على الكهرباءِ الحكوميةِ المتقطِّعة، ويضمنُ استمراريةَ ضخِّ المياهِ حتى في أوقاتِ انقطاعِ التيار. وقد بدأت بعضُ الجهاتِ في التفكيرِ في هذا الحلّ، وهو ما يجبُ أن يتمَّ تسريعُه وتعميمُه. تأمينُ المازوتِ وتخزينُهفي المدى القصير، وحتى يتمَّ التحوُّلُ الكاملُ نحو الطاقةِ البديلة، يجبُ تأمينُ مخزونٍ احتياطيٍّ كافٍ من مادةِ المازوتِ للمدينة. هذا المخزونُ يمكنُ استخدامُه لتشغيلِ المولِّداتِ الاحتياطيةِ في محطَّاتِ الضخِّ خلالَ أوقاتِ الأزماتِ وانقطاعِ الكهرباء، ممَّا يضمنُ استمراريةَ توفيرِ المياهِ للمواطنين. يجب أن تكون هناك خطةٌ واضحةٌ لتأمينِ هذهِ المادةِ وتخزينِها بشكلٍ آمنٍ وفعّال. تحسينُ البنيةِ التحتيةِ وصيانةُ الشبكاتتُعاني شبكاتُ المياهِ في صيدا من قدمٍ وتلفٍ يُؤدِّي إلى تسربِ كمياتٍ كبيرةٍ من المياه، ممَّا يزيدُ من مشكلةِ الشُّحّ. لذا، يجبُ البدءُ في مشروعٍ شاملٍ لصيانةِ وتحديثِ البنيةِ التحتيةِ للمياه، وإصلاحِ التسرباتِ، وتوسيعِ خطوطِ الخدماتِ لتشملَ جميعَ المناطق. كما يجبُ معالجةُ مشكلةِ تلوُّثِ المياهِ من خلالِ مشاريعِ تنقيةٍ ومعالجةٍ تضمنُ جودةَ المياهِ وصلاحيتَها للاستخدامِ البشري. معالجةُ تداعياتِ النزوحفي ظلِّ وجودِ أعدادٍ كبيرةٍ من النازحينَ في صيدا، يجبُ وضعُ خططٍ عاجلةٍ لتأمينِ احتياجاتِهم من المياه، خاصَّةً في مراكزِ الإيواء. يمكنُ ذلكَ من خلالِ الاستعانةِ بالمنظَّماتِ الإنسانيةِ والدفاعِ المدني لتوفيرِ المياهِ بشكلٍ منتظم، وتوزيعِ غالوناتِ مياهِ الشرب، وتحسينِ البنيةِ التحتيةِ داخلَ مراكزِ الإيواء لتشملَ حمَّاماتٍ وغسَّالاتٍ كافية. خطةُ عملٍ شاملةٌ ومستدامةتتطلَّبُ أزمةُ المياهِ في صيدا وضعَ خطةِ عملٍ شاملةٍ وطويلةِ الأمد، لا تقتصرُ على الحلولِ المؤقَّتة. هذهِ الخطةُ يجبُ أن تتضمَّنَ رؤيةً واضحةً لتطويرِ قطاعِ المياهِ في المدينة، مع تحديدِ المسؤولياتِ والجهاتِ المعنيَّة، وتأمينِ التمويلِ اللازمِ لتنفيذِ المشاريعِ الحيوية. يجبُ أن تكونَ هذهِ الخطةُ نتاجَ تعاونٍ وتضامنٍ بينَ جميعِ الأطرافِ المعنيَّة: الحكومة، البلديات، مؤسَّسات المياه، المجتمع المدني، والقطاع الخاص. الشفافيةُ ومحاربةُ الفساديجبُ على مؤسَّسةِ مياهِ لبنانَ الجنوبي والجهاتِ المعنيَّةِ أن تعملَ بشفافيةٍ كاملةٍ في إدارةِ ملفِّ المياه، وأن تتخذَ إجراءاتٍ صارمةً لمحاربةِ أيِّ شكلٍ من أشكالِ الفسادِ أو التلاعبِ بشبكاتِ المياه. فمنعُ السماسرةِ وتُجّارِ المياهِ من العبثِ بالشبكاتِ وقبضِ الرشاوى، سيساهمُ في ضمانِ عدالةِ التوزيعِ واستعادةِ ثقةِ المواطنينَ في المؤسَّساتِ الرسمية. ليست أزمةُ المياهِ في صيدا مجردَ مشكلةٍ فنيَّةٍ أو لوجستية، بل هي أزمةٌ إنسانيةٌ واجتماعيةٌ واقتصاديةٌ تتطلبُ تضافرَ جهودِ الجميع. فالمياهُ حقٌّ لكلِّ إنسان، ولا يمكنُ المساومةُ عليه. إن معالجةَ هذهِ الأزمةِ تتطلبُ إرادةً سياسيةً حقيقية، وخططًا استراتيجيةً واضحة، ومشاركةً فعالةً من المجتمعِ المدني والقطاعِ الخاص. إن صيدا، التي تعومُ على مخزونٍ مائيٍّ كبير، تستحقُّ أن ينعمَ أهلُها بالمياهِ النظيفةِ والوفيرة، وأن تتحوَّلَ صرخةُ العطشِ إلى نغمةِ أملٍ بمستقبلٍ أفضل.