شهد السحور الرمضاني السنوي لإحدى الجمعيات الأهلية الرئيسة في صيدا مشاهدَ متنافرةً في الشكل والمضمون، لا سيّما على الطاولتين الرئيسيتين للحدث. إذ سعى منظّمو الحفل، بحسب ما علمت جريدة “البوست”، إلى تجنّب أي اشتباك سياسي أو شخصي بين المدعوين الأساسيين، عبر فصل طاولة ضيوف الشرف إلى طاولتين لمنع أي نفور أو امتعاض بين النائب السابق بهية الحريري والرئيس فؤاد السنيورة، وكذلك بين النائب أسامة سعد والرئيس السابق للبلدية محمد السعودي، فضلًا عن تفادي احتكاك بين إحدى الشخصيات المالية ورئيس سلطة تنفيذية سابق. وهكذا تتحوّل المناسبات الرمضانية، التي ينبغي أن تكون مبعثًا للزهد والتراحم والتسامح، إلى ميدانٍ للصراعات السياسية والشخصية المكتومة، التي لا يدفع أصحابها ثمنها بقدر ما تدفعه المدينة التي تحتضنهم.
لم يعد محمد السعودي مجرّد رئيس بلدية سابق لصيدا، ككثيرين غيره ممن مرّوا على هذا المنصب. تحوّل الرجل، بخصاله الشخصية وحضوره الاجتماعي والتنموي، إلى لاعبٍ صامتٍ حاضرٍ في المشهد العام، يسعى مع مرور السنين إلى ترسيخ أثرٍ إيجابي في المدينة وفقاً لقناعاته ومفاهيمه الخاصة في الأشهر الماضية، خرج إلى العلن احتدام الخلاف بين السعودي والنائب أسامة سعد على خلفية الإخبار الذي تقدّم به سعد بحقّ معمل معالجة النفايات في صيدا خلال فترة رئاسة السعودي للبلدية، وهو ما اعتبره الأخير استهدافًا مباشرًا لشخصه بصيغةٍ ملتوية. اليوم، ومع تصاعد الحديث عن احتمال قيام تحالف انتخابي بين النائب السابق بهية الحريري وسعد ضمن لائحة واحدة تضم شخصيات وازنة، بما يشبه «ميني محدلة» في مواجهة الخصوم، يبرز اسم السعودي مجددًا كعاملٍ قد يُعقّد هذا المسار أو يحدّ منه. السعودي، في أحاديثه الخاصة والعلنية، لا يخفي رفضه لهذا التحالف. فهو يؤكد استعداده لدعم بهية الحريري إذا قرّرت خوض الانتخابات بوضوح، لكنه في المقابل لا يرى في التحالف مع سعد خيارًا مقبولًا أو منطقيًا بعد سنوات طويلة من الخصومة السياسية والمواجهة المباشرة بين الطرفين، معتبراً أن سعد لا يجيد إلا الاعتراض دون أن يقدم شيء ملموس أو فعلي لصيدا وأهلها. في صيدا، التحالفات لا تُبنى على البرامج… بل على قدرة كل طرفٍ على ابتلاع ذاكرةٍ مليئة بالخصومات هذا الواقع يفتح الباب أمام تساؤلات صيداوية متزايدة حول جدوى التحالف إن تمّ: هل يشكّل فرصةً لتعزيز الحضور السياسي للمدينة، أم إعادة إنتاج لتفاهم ظرفي لا يصمد طويلًا أمام تناقضات الماضي؟ خيارات محدودة تشير مصادر سياسية متابعة لجريدة “البوست” إلى أن بهية الحريري، وبمباركة نجلها أحمد، تميل إلى خيار التحالف مع سعد، معتبرةً أنه يملك حيثية شعبية لا يُستهان بها، وقد أسهمت في الدورة السابقة في وصوله إلى المجلس النيابي. في المقابل، تبدو خيارات سعد محدودة نسبيًا. فخسارته جزءًا من الرافعة التقليدية للصوت الشيعي في صيدا، نتيجة مواقفه الأخيرة من حزب الله، إلى جانب تعذّر التحالف مع «القوات اللبنانية» في جزين، يضيقان هامش المناورة أمامه، فلا يبقى عمليًا سوى خيار التقاطع مع النائب إبراهيم عازار أو التيار الوطني الحر. وتشير المعلومات إلى حصول تواصل انتخابي فعلي مع ممثلين عن “التيار”، وُصف حتى الآن بأنه «إيجابي». فهل يقدم سعد على تجاوز هذه العقدة بفض الاشتباك مع السعودي، لنيل الرضى الحريري؟ أمر يستبعده العارفون بشخصية “الدكتور”، لكنه يبقى متاحا، لا مستحيلا.. غير أن مسار التحالف لا يحظى بإجماع داخل “البيئة الناصرية” نفسها، إذ لا يبدو بعض صقور «الحرس القديم» مستسيغًا لتحالف مع خصمٍ طالما وُجّهت إليه انتقادات حادة في خطاب التنظيم، من «الحريرية السياسية» وفسادها إلى اتهامات «الدولة العميقة» بالهيمنة على مفاصل القرار المحلي. أما في حسابات الحريري، فيُنظر إلى التحالف المحتمل من زاوية مختلفة: شريك معروف يمكن تقدير حجمه السياسي ونقاط ضعفة وقوته، بدل من خصمٍ جديد قد يحمل مفاجآت غير محسوبة في معركة دقيقة. وبين هذه الحسابات المتشابكة، يبرز سؤال أساسي: هل تغامر بهية الحريري بتحالفٍ قد يثير اعتراض قاعدة لا يستهان بها داخل بيئتها؟ وهل يمكن تجاوز وزن شخصيات مؤثرة مثل محمد السعودي في حسابات الحواصل والصوت التفضيلي؟ بعد سنوات من العمل المشترك والتحالف بينهما على أكثر من ملف، ودعم ومساندات مشتركة؟ في النهاية، تبدو معركة التحالفات في صيدا أكثر تعقيدًا من مجرد جمع أسماء على لائحة واحدة؛ فهي اختبار لذاكرة سياسية مثقلة بالخصومات، ولموازين قوى اجتماعية لا تزال قادرة على قلب النتائج. وربما يكون التحالف، إن وُلد، هشًّا إلى درجة أنه لا يصمد أبعد من لحظة إعلان النتائج.
توقّفت مصادر محليّة مخضرمة عند الحركة «الزئبقيّة» التي يقوم بها أحد «الطامحين المستجدّين» لمنصبٍ لم يُعرف بعد بلدياً هو أم نيابيًّا في صيدا، مستغربةً قدرته على التنقّل بين مختلف القوى والأطراف السياسيّة، رغم تناقضاتها الصارخة. فتراه في قاعة التحشيد الحريريّة لذكرى 14 شباط، ثمّ يجالِس أسامة سعد في «عشاء التنظيم» في اليوم التالي، أو يتقبّل التعازي في مجلس عزاء لحزب الله في حارة صيدا. واعتبرت المصادر أنّ هذه الحركة، وإن بدت في ظاهرها محاولةً لتكريس صفة الانفتاح على جميع أقطاب المدينة على طريقة «أبو ملحم»، إلّا أنّها في جوهرها لا تبني تموضعًا سياسيًا واضحًا يحتاجه الناس اليوم أكثر من أيّ وقتٍ مضى، لا سيّما مع اشتداد الاصطفافات قبيل المعارك الانتخابيّة المفصليّة. وترى أوساط متابعة أنّ «المرشّح الزئبقي» يراهن على ضبابيّة المشهد الصيداوي وتعب الناخبين من الاستقطاب الحادّ، محاولًا الظهور بصورة «مرشّح الجميع» القادر على مخاطبة البيئات المتباعدة من دون أن يصطدم بأيٍّ منها. غير أنّ هذا الأسلوب، وإن وفّر حضورًا سريعًا على الساحة، يطرح في المقابل تساؤلات جدّية حول القدرة على اتخاذ مواقف حاسمة عند لحظة القرار، وحول طبيعة الخيارات الفعليّة التي سيلتزم بها إذا ما وصل إلى موقع المسؤولية. وبين من يرى في هذه المقاربة ذكاءً انتخابيًا يسبق الاصطفافات، ومن يعتبرها افتقارًا إلى الهوية السياسيّة الواضحة، يبقى السؤال: هل ينجح المرشّح الزئبقي في تحويل حضوره المتنقّل إلى رصيدٍ انتخابي فعلي، أم أنّ الضباب الذي يتلطى به سيتبدّد مع أول اختبار جدّي؟