مع ترقّب توقيع الاتفاق المرتقب بين إيران والولايات المتحدة، عاد سؤال التوقيع الإلكتروني من هامش النقاش التقني إلى قلب القانون الدولي والسياسة العالمية. فحين يكون الاتفاق بين دولتين بحجم واشنطن وطهران، وحين تتصل بنوده بملفات كبرى كالعقوبات، والأصول المالية، والممرات البحرية، والقيود النووية، لا يعود التوقيع الإلكتروني مجرد وسيلة حديثة لتبادل المستندات، بل يتحول إلى اختبار قانوني وسيادي كامل: هل تكفي النقرة الرقمية لإنتاج التزام دولي؟ وهل يمكن لتوقيع عن بُعد أن يحمل الوزن نفسه الذي حملته تاريخياً المصافحات الرسمية والأقلام الموضوعة على طاولات التفاوض؟ تزداد أهمية هذا السؤال مع تقارير تحدّثت عن إمكان توقيع الاتفاق إلكترونياً أو عن بُعد، في وقت لا تزال فيه بعض التفاصيل السياسية موضع أخذ ورد بين الطرفين. من هنا، لا تبدو المسألة شكلية. فالتوقيع الإلكتروني في الاتفاقات الدولية لم يعد سؤالاً عن التكنولوجيا وحدها، بل عن الإرادة القانونية، وحجية الإثبات، وصلاحية الموقّع، وسلامة المستند، وقبول الأطراف والدول المعنية بالوسيلة المستخدمة. وإذا كانت التجارة العالمية قد سبقت السياسة في الاعتراف الواسع بالتوقيعات الرقمية، فإن الاتفاقات ذات الطابع السيادي تضعنا أمام معادلة أكثر تعقيداً: العالم يوقّع بسرعة العصر الرقمي، لكن القانون ما زال يسأل عن الضمانات قبل أن يعترف بالالتزام. في زمنٍ لم تعد فيه الحدود الجغرافية عائقاً أمام التجارة، ولا المسافة سبباً لتأخير التعاقد، بات السؤال الحقوقي أكثر إلحاحاً: هل يكفي أن يوقّع طرفان اتفاقاً دولياً عبر الوسائل الإلكترونية ليصبح ملزماً قانوناً؟ وهل يملك التوقيع الإلكتروني القوة نفسها التي يملكها التوقيع الخطي التقليدي؟ الإجابة المختصرة: نعم، يمكن أن يكون التوقيع الإلكتروني قانونياً وملزماً في الاتفاقات الدولية، لكن بشروط تتعلق بهوية الموقّع، وموثوقية الوسيلة، وقابلية التحقق، وقبول القوانين الوطنية أو الاتفاقية الحاكمة لهذا النوع من التوقيع. skip render: ucaddon_material_block_quote من الورق إلى الدليل الرقمي لم يعد القانون الحديث ينظر إلى الورقة والحبر بوصفهما الشكل الوحيد للإرادة القانونية. فجوهر التوقيع، في الفقه والقانون، ليس الحبر بحد ذاته، بل الدلالة التي يحملها: إثبات هوية الموقّع، والتعبير عن رضاه، وربط الشخص بمضمون المستند. من هنا، جاء تطور التشريعات الدولية ليعترف بأن الإرادة يمكن أن تُعبَّر عنها إلكترونياً متى توافرت الضمانات الكافية. وقد كرّست لجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي، المعروفة بـ”الأونسيترال” UNCITRAL، هذا الاتجاه من خلال قانونها النموذجي بشأن التوقيعات الإلكترونية لعام 2001، الذي وضع معايير للموثوقية التقنية تسمح بمعادلة التوقيع الإلكتروني بالتوقيع الخطي، متى استوفى الشروط المطلوبة. كما أن اتفاقية الأمم المتحدة بشأن استخدام الخطابات الإلكترونية في العقود الدولية لعام 2005، والتي دخلت حيز التنفيذ في 1 آذار 2013، هدفت إلى إزالة العوائق الشكلية أمام العقود الدولية المبرمة إلكترونياً، والتأكيد أن المراسلات والعقود الإلكترونية يمكن أن تكون صحيحة وقابلة للتنفيذ مثل نظيراتها الورقية. الاتفاقات التجارية والمعاهدات الدولية من المهم التمييز بين الاتفاقات الدولية التجارية أو المدنية، وبين المعاهدات الرسمية بين الدول. في الاتفاقات التجارية العابرة للحدود، مثل عقود البيع، والتوريد، والخدمات، والاستثمار، والاستشارات، والتكنولوجيا، أو الشراكات بين شركات من دول مختلفة، أصبح التوقيع الإلكتروني مقبولاً على نطاق واسع، متى استوفى الشروط القانونية والفنية المطلوبة. أما في المعاهدات الدولية بين الدول، فالأمر أكثر حساسية. فهذه لا تخضع فقط لقواعد التجارة الإلكترونية، بل لقواعد القانون الدولي العام، والإجراءات الدستورية الداخلية، وصلاحيات التوقيع والتصديق والإيداع والنشر. لذلك، قد يُستخدم التوقيع الإلكتروني في بعض المراسلات أو الترتيبات الفنية، لكن المعاهدات السيادية الكبرى غالباً ما تبقى مرتبطة بإجراءات رسمية تقليدية، أو ببروتوكولات خاصة متفق عليها بين الدول. skip render: ucaddon_box_testimonial
في شرم الشيخ أمس، حيث اجتمعت الوفود لتوقيع اتفاق وقف إطلاق النار في غزّة، كان المشهد واضحًا بقدر ما كان صادمًا: الجميع يلعب دورًا ما، إلّا محمود عبّاس.رئيس السلطة الفلسطينيّة حضر القمّة، لكنّه لم يكن جزءًا منها. جسدٌ حاضر، وصوتٌ غائب.لم يُلقِ كلمة، ولم يوقّع على الاتفاق، ولم يقف على المنصّة الرئيسيّة. لم يُذكر اسمه في أيّ خطاب، ولم تلاحقه عدسات المصوّرين كما اعتاد في مؤتمرات “الصورة التذكاريّة”.كأنّما اجتمع العالم حول قضيّة فلسطين، وقرّر أن يتحدّث عنها من دون الفلسطيني الرسمي. إلى الهامش حين جاءت لحظة التقاط الصورة الجماعيّة، كان المشهد أبلغ من أيّ تصريح:عبّاس في الصفّ الثاني، أقصى اليسار، في موقع أقرب إلى “الظلّ الدبلوماسي” منه إلى رأس كيانٍ يُفترض أنّه يمثّل فلسطين.ابتسامة باهتة، نظرات مشتّتة، ووقفة توحي بأنّ الرجل نفسه يُدرك أنّه بات جزءًا من ديكور القمم، لا من مضمونها.لم يكن الغياب عن الخطابات أقلّ قسوة؛ لم يُوجّه أحد من القادة الكبار شكرًا له، لا تصريحًا ولا تلميحًا. بدا وكأنّه حاضرٌ في حدثٍ لا يعترف بوجوده.بل حتّى التغطية الإعلاميّة تجاهلته؛ لم تظهر صورٌ قريبة له، ولم يُذكر اسمه في نشرات الأخبار الأولى، وكأنّ الصحافة الدوليّة تبنّت الموقف السياسي ذاته: “عبّاس… خارج اللعبة”. قمّة بلا دور في الوقت الذي كان يُنتظر فيه أن يظهر “رئيس فلسطين” في موقع القيادة، ليُعلن موقفًا أو يفاوض أو يعترض على الأقل، اكتفى الرجل بالصمت المطبق، تمامًا كما اعتاد في اللحظات المفصليّة.صمتٌ مريب في لحظةٍ تتكلّم فيها كلّ الأطراف، بما في ذلك الأطراف التي لا علاقة مباشرة لها بالحرب.في الكواليس، تساءل كثيرون: ما الهدف من حضوره؟ هل جاء ليسجّل “وجودًا شكليًا”؟أم ليؤكّد للعالم أنّ قرار فلسطين لم يعد في يده؟ ومهما كان السبب، النتيجة واحدة: عبّاس لم يكن سوى ضيف مجاملة في مسرح الأحداث الكبرى، لا أكثر. الغياب الحقيقي الأغرب أنّ بعض الحاضرين أكّدوا أنّ عبّاس غاب عن بعض الفقرات الخاصّة والاجتماعات الجانبيّة، ما جعل تساؤلات الدبلوماسيّين تتضاعف: هل انسحب احتجاجًا؟ أم اكتشف أنّ وجوده لا يغيّر شيئًا ففضّل الانسحاب بصمت؟ الأرجح أنّه لم يُدعَ إليها أساسًا.صورة عبّاس في شرم الشيخ تختصر حال السلطة الفلسطينيّة اليوم: كيان رسمي فقد أدوات التأثير، يكتفي بالمشاركة في الصور الجماعيّة، ويغيب عن القرارات التي تخصّ مصير شعبه.لقد تحوّل الرجل إلى ما يُشبه “شاهد ما شافش حاجة” في السياسة الإقليميّة، لا يُستشار، ولا يُنتظر منه موقف، ولا يُحسب حسابه في أيّ معادلة.حتّى المقارنة الساخرة أصبحت مؤلمة: عبّاس بدا في القمّة كأنّه رئيس أرمينيا أو رئيس الاتّحاد الدولي لكرة القدم جياني إنفانتينو — وجوه تُشاهد في اللقطات الجماعيّة فقط، لا علاقة لها بالحدث نفسه. “شو بدّك بهالروحة؟” يبقى السؤال الشعبي البسيط، الأكثر اختصارًا ودقّة:شو بدّك بهالروحة يا أبو مازن؟ زعلت لتروح… وها هي النتيجة: كأنّك ما كنت.ربّما كانت هذه المشاركة آخر فصلٍ في رواية “الحضور الرمزي”، حيث يتحوّل من يُفترض أنّه صاحب القضيّة إلى تفصيل بروتوكولي، ينتظر ذكر اسمه لا أكثر.لكنّ الرسالة التي خرجت من شرم الشيخ كانت أقوى من كلّ الكلمات: فلسطين حاضرة… وعبّاس غائب. بل لعلّ الغياب هذه المرّة كان أبلغ من الحضور. لقد تحوّل الرجل إلى ما يُشبه “شاهد ما شافش حاجة” في السياسة الإقليميّة، لا يُستشار، ولا يُنتظر منه موقف، ولا يُحسب حسابه في أيّ معادلة. حتّى المقارنة الساخرة أصبحت مؤلمة