في الشرق الأوسط، لا تُكتب الكتب دائماً لتوثيق الماضي، ولا تصدر جميعها بدافع البحث الأكاديمي الخالص. فكثير منها يُكتب لاستشراف المستقبل، والتأثير في دوائر القرار، وتهيئة الرأي العام لتحولات لم تتبلور بعد. لذلك، فإن صدور كتاب إسرائيلي جديد بعنوان «الثورة في سوريا.. الحرب الأهلية وسقوط عائلة الأسد» لا يمكن التعامل معه بوصفه إصداراً فكرياً عابراً، بل باعتباره وثيقة سياسية تستحق أن تُقرأ بين السطور، خصوصاً أنه يأتي في لحظة إقليمية تُعاد فيها صياغة خرائط النفوذ، وتُطرح أسئلة جديدة حول موقع سوريا في الشرق الأوسط بعد انتهاء حقبة حكم عائلة الأسد. وتتضاعف أهمية الكتاب عندما تقع العين على غلافه قبل صفحاته. فصورة الرئيس أحمد الشرع تتصدر المشهد، فيما تبدو صورة بشار الأسد ممزقة في الخلفية، في مشهد بصري لا يبدو بريئاً أو اعتباطياً. ففي الأدبيات السياسية الإسرائيلية، لا يُعدّ الغلاف مجرد عنصر فني، بل جزءاً من الرسالة ذاتها. وكأن الناشر والمؤلفين يريدان القول إن إسرائيل لم تعد تنظر إلى سوريا بوصفها دولة يحكمها الأسد، بل بوصفها دولة جديدة ينبغي فهمها والتعامل مع قيادتها الجديدة. إنها ليست محاولة لتوثيق نهاية رجل، بقدر ما هي إعلان عن بداية مرحلة، وإعادة تعريف لسوريا في الوعي الاستراتيجي الإسرائيلي. من داخل التجربة ولا يقل اسم المؤلفين أهمية عن مضمون الكتاب. فالبروفيسور إيتمار رابينوفيتش ليس مجرد مؤرخ أو أستاذ جامعي، بل أحد أبرز مهندسي السياسة الإسرائيلية تجاه سوريا، ورئيس الوفد الإسرائيلي الذي خاض مفاوضات السلام مع دمشق خلال تسعينيات القرن الماضي. وهو رجل لا يكتب من خارج التجربة، بل من قلبها، بعدما كان شاهداً ومشاركاً في واحدة من أكثر مراحل الصراع العربي الإسرائيلي حساسية. أما كرميت فالنسي، فهي من أبرز الباحثين في معهد دراسات الأمن القومي (INSS)، أحد أهم مراكز التفكير الاستراتيجي في إسرائيل، والذي يُنظر إليه باعتباره خزاناً للأفكار التي تجد طريقها لاحقاً إلى المؤسسة الأمنية والسياسية. ومن هنا، فإن الكتاب لا يمثّل مجرد اجتهاد فكري، بل يعكس بدرجة كبيرة اتجاهاً داخل النخبة الإسرائيلية يسعى إلى إعادة تعريف سوريا بعد التحول الكبير الذي شهدته. skip render: ucaddon_material_block_quote وإذا كان عنوان الكتاب يربط بين الحرب الأهلية وسقوط عائلة الأسد، فإن الرسالة الأعمق تكمن في أن المؤلفين يعتبران أن الحدث التاريخي الحقيقي لم يكن سنوات الحرب نفسها، بل انتهاء النظام الذي حكم سوريا لأكثر من نصف قرن. فالحرب، وفق هذه القراءة، ليست سوى مقدمة، أما الفصل الأهم فيبدأ بعد سقوط النظام، حين تصبح الأسئلة مرتبطة بطبيعة الدولة الجديدة، وهوية قيادتها، واتجاهاتها الإقليمية، وحدود براغماتيتها، وكيف ينبغي لإسرائيل أن تتعامل معها. أسئلة استراتيجية ومن هنا، يبدو واضحاً أن النقاش داخل النخبة الإسرائيلية انتقل من سؤال هيمن على سنوات الصراع: هل يسقط النظام؟ إلى سؤال أكثر عمقاً: كيف ستكون سوريا بعد الأسد؟ وهذا التحول في طبيعة الأسئلة يعكس انتقالاً في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي من إدارة الفوضى إلى التفكير في الدولة التي قد تنهض من تحت أنقاض الحرب، بعدما كانت الأولوية طوال سنوات الصراع منع انتصار أي طرف بصورة حاسمة، وإبقاء سوريا في حالة إنهاك استراتيجي. ويمنح تاريخ رابينوفيتش هذا الكتاب بُعداً إضافياً. فقد سبق له أن أثار جدلاً واسعاً عندما اعتبر أن الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد فوّت فرصة تاريخية لاستعادة الجولان، عندما رفض، بحسب روايته، التجاوب مع المبادرة التي طُرحت خلال قمة جنيف السورية الإسرائيلية عام 2000، بحضور الرئيس الأميركي بيل كلينتون، وبمشاركة رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك إيهود باراك. ورغم أن هذه الرواية بقيت موضع خلاف بين الباحثين والمؤرخين، الذين يشيرون إلى أن الخلافات حول حدود الانسحاب والترتيبات الأمنية كانت سبباً رئيسياً في انهيار المفاوضات، فإن استعادتها اليوم تحمل دلالة سياسية؛ إذ توحي بأن المؤلف يرى في القيادة السورية الجديدة نهجاً مختلفاً عن المدرسة التي حكمت دمشق لعقود، وربما أكثر استعداداً لاعتماد مقاربات سياسية أقل أيديولوجية وأكثر ارتباطاً بحسابات الدولة. كتاب لا يؤرّخ الماضي بل يمهّد للمستقبل أما كرميت فالنسي، فقد كرّست خلال السنوات الأخيرة معظم أبحاثها لمتابعة التحولات السورية واللبنانية، وكانت من أكثر الأصوات الإسرائيلية انتقاداً لسياسة حكومة بنيامين نتنياهو في سوريا. فهي ترى أن الإفراط في الضربات العسكرية قد يدفع دمشق إلى تجاوز ما تصفه بـ«نقطة اللاعودة»، بما يحول دون الاستفادة من أي توجهات براغماتية لدى القيادة السورية الجديدة. وفي أكثر من دراسة، دعت إلى قراءة سوريا بعقل استراتيجي لا بعقلية أمنية صرفة، معتبرة أن إسرائيل قد تفوّت فرصة تاريخية إذا بقيت أسيرة سياسة إدارة التهديدات بدل إدارة التحولات. تحديات الداخل ولا تعني هذه القراءات بالضرورة أن دمشق تتبنى الرؤية ذاتها. فالقيادة السورية الجديدة تواجه أولويات داخلية هائلة تتمثل في إعادة بناء مؤسسات الدولة، وإنعاش الاقتصاد، وإعادة اللاجئين، وترميم البنية التحتية، واستعادة وحدة الأراضي السورية. كما أن قضية الجولان المحتل تبقى جزءاً من الثوابت الوطنية السورية، بغض النظر عن تغير الأشخاص أو تبدل الخطاب السياسي. ولذلك، فإن الحديث الإسرائيلي عن «براغماتية دمشق» لا ينبغي تفسيره بوصفه استعداداً سورياً لتقديم تنازلات استراتيجية، بقدر ما يعكس قراءة إسرائيلية لترتيب مختلف للأولويات في مرحلة إعادة بناء الدولة. لكن اللافت في هذا الكتاب أنه يقول عن إسرائيل بقدر ما يقول عن سوريا. فهو يكشف أن المؤسسة الفكرية الإسرائيلية بدأت تتعامل مع سوريا باعتبارها مشروع دولة يُعاد بناؤه، لا مجرد ساحة حرب أو مساحة نفوذ إيراني أو روسي. وهذا التحول في الإدراك قد يكون أكثر أهمية من مضمون الكتاب نفسه، لأنه يعكس بداية مراجعة داخلية لطريقة النظر إلى الجار السوري، بعد سنوات من الاكتفاء بإدارة الصراع ومنع تشكّل واقع إقليمي جديد. ولعل الرسالة الأبرز التي يحملها الكتاب أن إسرائيل لم تعد تناقش مستقبل الحرب السورية، بل مستقبل الدولة السورية، وأنها تحاول استباق هذا المستقبل عبر إنتاج سردية جديدة تفسّر التحول وتحدد كيفية التعامل معه. فالكتب، في البيئة الإسرائيلية، كثيراً ما تسبق القرارات السياسية، وتبدأ الأفكار في مراكز الدراسات قبل أن تجد طريقها إلى مكاتب الوزراء وقاعات المجلس الوزاري الأمني المصغر. لهذا، فإن السؤال الحقيقي الذي يفرضه هذا الإصدار لا يتعلق فقط بمحتواه، بل بما إذا كان يمثّل مقدمة لتحول أوسع داخل العقل الاستراتيجي الإسرائيلي. فهل بدأت تل أبيب تقتنع بأن سوريا الجديدة تستدعي أدوات سياسية مختلفة عن تلك التي حكمت العلاقة مع نظام الأسد؟ وهل تمهّد النخبة الأكاديمية والأمنية لنقاشات قد تفضي، في مرحلة لاحقة، إلى مقاربة جديدة تجاه دمشق؟ skip render: ucaddon_box_testimonial
لم تكن الدراما السورية يومًا مجرد صناعة ترفيهية. كانت، على امتداد عقود، أحد أهم أدوات تشكيل الوعي العام في الداخل والخارج، ومرآة مدروسة تعكس ما يُسمح بعكسه. وبينما عرف السوريون شاشاتهم عبر الحارات الدمشقية، والأبطال التاريخيين، والحكايات الاجتماعية المشغولة بعناية، كانت هناك سردية أخرى تُدار في الخلفية: سردية السلطة اليوم، بعد الثورة وما أعقبها من تحولات انتهت بسقوط النظام في ديسمبر 2024، تقف الدراما السورية أمام منعطف وجودي. لم يعد السؤال: ماذا ننتج؟ بل: أي حكاية نروي؟ ولمن؟ زمن الدراما المسموح بها خلال عقود حكم حافظ الأسد ثم بشار الأسد، ازدهرت الدراما السورية إقليميًا. نجحت في اقتحام الشاشات العربية، وتفوّقت في الأداء التمثيلي والنصوص الاجتماعية، وخلقت هوية بصرية مميزة. غير أن هذا الازدهار لم يكن حرًا بالكامل. لم تكن الرقابة دائمًا مباشرة أو معلنة، لكنها كانت حاضرة في الوعي المهني لكل كاتب ومنتج. الاقتراب من الفساد الإداري ممكن، لكن المساس بالبنية السياسية للنظام خط أحمر. كان يُسمح بالنقد، شرط ألا يتحول إلى مساءلة. مسلسلات مثل يوميات مدير عام قدّمت صورة ساخرة عن البيروقراطية، لكنها أبقت المسؤولية في إطار “خلل مجتمعي” أو فساد فردي، لا في سياق نظام سياسي مركزي. الحارة بوصفها ملاذًا في المقابل، شهدت الدراما الشامية طفرة إنتاجية. أعمال مثل باب الحارة لم تكن مجرد حنين إلى الماضي، بل إعادة إنتاج نموذج مجتمع تقليدي منضبط، تُدار توازناته عبر سلطة ذكورية وأخلاقية واضحة. يرى نقاد أن هذه الأعمال أدّت وظيفة مزدوجة: توفير مادة جماهيرية جذابة، وفي الوقت نفسه تكريس خيال جمعي محافظ ومنزوع السياسة. الحارة هنا ليست فقط مكانًا، بل استعارة لوطن مضبوط الإيقاع. التاريخ كقناع الدراما التاريخية أيضًا شكّلت مساحة آمنة. عبر العودة إلى عصور بعيدة، طُرحت أسئلة السلطة والخيانة والعدالة ضمن سياق قبلي أو إمبراطوري، ما أتاح إسقاطات رمزية دون مواجهة مباشرة مع الواقع. بهذه المعادلة، أنتجت سوريا دراما قوية تقنيًا، لكنها محكومة بسقف سياسي منخفض. من قبضة الرقابة إلى فوضى الذاكرة… هذه هي معركة الدراما اليوم 2011: لحظة الانقسام مع اندلاع الثورة السورية، دخلت الصناعة مرحلة ارتباك عميق. انقسم الوسط الفني بين مؤيد ومعارض، وهاجر كثير من الممثلين والمخرجين. توقّف بعض الإنتاج، وتحول بعضه الآخر إلى أدوات تعبئة. لم يعد بالإمكان الفصل بين الموقف السياسي والهوية المهنية. الفنان نفسه أصبح موضوعًا للجدل. لكن التحول الأعمق لم يكن آنذاك في الشكل، بل في التراكم. مع استمرار الحرب، تراكمت قصص لم يكن بالإمكان تجاهلها: المعتقلات، القصف، المنفى، النزوح، الاختفاء القسري. ما بعد 2024: كسر المحظور سقوط النظام لم يُعد فقط تشكيل المشهد السياسي، بل أعاد ترتيب وظيفة الدراما نفسها. بدأت مشاريع درامية تتناول مباشرة حقبة حكم آل الأسد، بما فيها ملفات الاعتقال والتعذيب والفساد البنيوي. لم يعد السجن رمزًا، بل واقعًا موثقًا. ولم يعد الفساد ظاهرة هامشية، بل منظومة. أعمال قيد التحضير تتناول مجزرة حماة، وسنوات الثورة، وحكايات المعتقلين، اعتمادًا على شهادات حية وذاكرة شعبية. هنا، تتحول الدراما إلى مساحة استعادة سردية وطنية حاول النظام طمسها. تحوّل البطل اختفى “القبضاي” الذي يحل النزاعات بالعصا، ليحلّ مكانه إنسان ممزق بين فقدان البيت والبحث عن معنى. لم تعد البطولة أخلاقية تقليدية، بل وجودية. لم تعد دمشق وحدها مركز الإنتاج. انتقلت الصناعة جزئيًا إلى بيروت وإسطنبول وأوروبا، وتعددت مصادر التمويل. هذا التشتت يعكس واقع سوريا نفسها: لا مركز واحد، بل روايات متعددة. في سياق المجتمعات الخارجة من النزاعات، تلعب الثقافة دورًا مكملًا لمسارات العدالة الانتقالية. الدراما، بما تمتلكه من قوة سردية وانتشار جماهيري، يمكن أن تصبح وسيلة كشف وتوثيق. إعادة تمثيل الألم ليست مجرد فعل فني، بل مساهمة في بناء ذاكرة جماعية. غير أن هذا الدور يحمل مخاطر أيضًا: خطر التسييس الجديد، أو تحويل المعاناة إلى مادة استهلاكية. سوريا على الشاشة… من سردية الدولة إلى صوت الضحايا تحديات المرحلة الجديدة رغم اتساع هامش الحرية، تواجه الدراما السورية تحديات واضحة، ضعف البنية الإنتاجية بعد سنوات الحرب. اعتماد متزايد على تمويل خارجي قد يفرض أجندات. سوق إقليمي متردد في تبنّي سرديات سياسية حادة. الحرية متاحة أكثر من السابق، لكنها ليست بلا شروط. إذا كانت دراما ما قبل 2011 تعكس استقرارًا مُدارًا بعناية، فإن دراما ما بعد الثورة تعبّر عن قلق مفتوح. تعدد الأصوات حلّ محل الرواية الواحدة. التحول هنا ليس في الموضوعات فقط، بل في الفلسفة: من صناعة وطن متخيّل مستقر، إلى تفكيك وطن جريح يبحث عن تعريف جديد لنفسه. الشاشة كساحة صراع في الحالة السورية، لا يمكن النظر إلى الدراما بوصفها ترفًا. إنها إحدى ساحات الصراع على المعنى. من يروي القصة؟ ومن يُعرّف الضحية والجلاد؟ ومن يملك الذاكرة؟ بين “حارة” مُسيّجة بخطاب أخلاقي، و”معتقل” مفتوح على شهادات الألم، تختصر المسافة الدرامية مسار بلد بأكمله. التحول الذي تشهده الدراما السورية اليوم ليس مجرد تطور فني، بل إعادة تموضع ثقافي. من صناعة تحت سقف السلطة، إلى معركة على الذاكرة والهوية. والسؤال المفتوح: هل ستنجح الدراما في لعب دورها كمساحة نقد ومصالحة، أم ستدخل في دورة سردية جديدة محكومة بتوازنات أخرى؟ الإجابة لم تُكتب بعد. لكن المؤكد أن الشاشة السورية لم تعد كما كانت.
ستكشف حيثيّات مقتل السوري غسّان نعسان السخني، المعروف بـ«الطرماح»، قائد مجموعة «الطراميح» التي عملت ضمن الفرقة 25 في جيش نظام بشّار الأسد البائد، ما إذا كان لبنان، أمس، أمام نقطة تحوّل في تعاطي دمشق الجديدة مع بلاد الأرز. فإن صحّت التأويلات بأن مقتل المجرم «الطرماح» ليس جريمة عاديّة على خلفيّة خلافٍ مالي، كما ذكرت الرواية الرسميّة اللبنانيّة، فإنّنا نكون أمام أوّل اغتيال سياسي «واضح» تنفّذه المخابرات السوريّة الجديدة في الحقبة الجديدة، ما يُنذر بسلسلة تداعيات وأحداث سيكشفها القادم من الأيّام. فالمؤشّرات والتحليلات الأمنيّة تشير إلى احتماليّة وجود أبعاد سياسيّة وأمنيّة أعمق لهذه العمليّة، تعكس الصراعات المستمرّة في المنطقة، واحتمال تحوّل لبنان إلى ساحة لتصفية حسابات مرتبطة بسقوط النظام السوري. ملابسات الاغتيال عثرت الأجهزة الأمنيّة اللبنانيّة على جثّة غسّان نعسان السخني في منطقة كسروان، شمالي بيروت، بعد ساعات من اختفائه، ليل الأحد 22 ديسمبر 2025. ووفقًا للمعلومات الأمنيّة الأوّليّة، استقلّ السخني سيارة من طراز «هيونداي» بيضاء اللون، كان يقودها شخص مجهول، قبل أن تنقطع أخباره. وعند العثور على جثّته، تبيّن أنّه أُطلق عليه الرصاص برصاصة في الرأس، كما عُثر على آثار طعنة سكين في رجله. أعلن بيان صادر عن الجيش اللبناني توقيف المشتبه به، السوري (و.د)، الذي استدرج السخني إلى بلدة كفرياسين في قضاء كسروان، حيث أطلق النار عليه بمسدّس حربي. وقد تمكّن الموقوف من الفرار بعد الجريمة، لكن الأجهزة الأمنيّة ألقت القبض عليه لاحقًا في بلدة تلبيرة الحدوديّة في عكّار، هو يحاول الفرار إلى الأراضي السورية. في اللغة العربية، تعني كلمة «طرماح» الرجل الطويل القامة، الضخم الجسم، القويّ البنية، وقد يُقصد بها أيضًا الشخص الشجاع والمقدام في القتال الرواية الرسمية قدّمت السلطات اللبنانيّة تفسيرًا رسميًا للجريمة، يقوم على وجود «خلاف مالي» بين القاتل والضحيّة. وبحسب البيان الرسمي للجيش اللبناني، تمّ توقيف الموقوف «على أثر خلاف مالي بينهما»، وتحويل الملف إلى القضاء المختصّ برئاسة النائب العام الاستئنافي في جنوب لبنان، القاضي سامي صادر. غير أنّ هذا التفسير اعتبر تبسيطًا مفرطًا لجريمة تحمل دلالات أعمق، في سياق التطوّرات الأمنيّة والسياسيّة الراهنة في المنطقة. من هو غسّان النعسان؟ ينحدر غسّان نعسان السخني من بلدة قمحانة في ريف حماة الشمالي، وهي منطقة عُرفت تاريخيًا بكونها خزانًا بشريًا للتشكيلات العسكريّة الموالية لنظام الأسد. برز اسمه كأحد القادة الميدانيّين في ما عُرف بـ**«فوج الطرماح»**، وهو تشكيل قتالي من قوات النخبة، عمل ضمن «قوات النمر»، التي تحوّلت لاحقًا إلى الفرقة 25 مهام خاصّة في جيش نظام الأسد. تولّى السخني رئاسة مجموعة «الطراميح» في بلدته قمحانة، وشارك في عدد من المعارك البارزة التي خاضها النظام خلال سنوات الحرب السوريّة. وكان معروفًا بلقب «الطرماح»، وارتبط اسمه بعمليّات عسكريّة دامية في عدّة مناطق سوريّة، من بينها دير الزور، وحلب، والغوطة الشرقيّة، وريف إدلب الجنوبي. كان السخني يرتبط بعلاقات وثيقة مع العميد سهيل الحسن، الملقّب بـ**«النمر»**، أحد أبرز قادة المخابرات الجويّة السوريّة، والمقرّبين من الرئيس المخلوع بشّار الأسد. وكانت الفرقة 25 التي قادها الحسن تُعدّ من أكثر التشكيلات العسكريّة قسوة وفتكًا في جيش النظام. السقوط والفرار مع سقوط نظام بشّار الأسد، بدأ عدد من الضبّاط والعناصر العسكريّة والأمنيّة السابقين بالفرار من سوريا. اتّجه البعض إلى روسيا، حيث استقبلت موسكو عددًا من كبار القادة العسكريّين والأمنيّين السابقين، فيما اختار آخرون، ومن بينهم غسّان النعسان، الإقامة في لبنان. استقرّ السخني في البداية في منطقة طبرجا شمالي بيروت، حيث أقام في شاليه على الساحل، قبل أن ينتقل لاحقًا إلى شقّة سكنيّة في المنطقة نفسها. وكان اختيار طبرجا وكسروان غير تقليدي، مقارنة بالمناطق التي يلجأ إليها عادة رموز النظام السابق، كالبقاع أو الضاحية الجنوبيّة لبيروت، ما أثار تساؤلات حول طبيعة إقامته وأنشطته. عاش السخني حياة منخفضة الظهور الإعلامي في لبنان، ولم تُعرف تفاصيل كثيرة عن تحرّكاته أو علاقاته، غير أنّ معلومات أمنيّة تشير إلى احتفاظه بعلاقات مع عناصر أخرى من النظام السابق المتواجدين في لبنان. عثرت الأجهزة الأمنيّة اللبنانيّة على جثّة السخني في منطقة كسروان بعد ساعات من اختفائه زيارة الوفد الأمني السوري في 19 ديسمبر 2025، أي قبل ثلاثة أيّام من مقتل السخني، زار وفد أمني سوري لبنان، ضمّ العميد عبد الرحمن دبّاغ، مساعد مدير المخابرات في الحكومة السوريّة الجديدة. وعقد الوفد سلسلة لقاءات مع مدير المخابرات في الجيش اللبناني، العميد طوني قهوجي، إضافة إلى مسؤولين أمنيّين لبنانيّين آخرين. قُدّمت الزيارة رسميًا في إطار التعاون الأمني بين البلدين، وتمحورت حول مكافحة تنظيم داعش، وضبط الحدود، والملفّات الأمنيّة المشتركة. غير أنّ معلومات أمنيّة وتقارير إخباريّة أشارت إلى أنّ الهدف الحقيقي كان مختلفًا. بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، تمحورت الاجتماعات حول ملف وجود ضبّاط وعناصر من جيش وأجهزة أمن النظام السابق داخل الأراضي اللبنانيّة، وسعي دمشق إلى إقناع السلطات اللبنانيّة بتسليم عدد منهم. وذكرت معلومات أنّ الوفد السوري سلّم لائحة بأسماء ضبّاط محسوبين على نظام الأسد المخلوع، وطالب بتسليمهم. كما تحدّثت تقارير عن سعي دمشق لفتح «مكتب تسوية أوضاع» لمؤيّدي النظام السابق الموجودين في لبنان. غير أنّ السلطات اللبنانيّة قابلت هذه الطلبات برفض واضح، مؤكّدة أنّه لم يُقدَّم أي طلب رسمي، بل محاولات غير رسميّة، وهو ما يتقاطع مع رفض لبناني سابق لطلبات مماثلة في مراحل سابقة. جريمة ماليّة أم تصفية سياسيّة؟ رغم الرواية الرسميّة التي تحدّثت عن خلاف مالي، يرى محلّلون أمنيّون أنّ الجريمة تحمل أبعادًا أعمق، مستندين إلى عدّة عوامل: التوقيت المريب: وقوع الجريمة بعد ثلاثة أيّام من زيارة الوفد السوري. المكان غير التقليدي: كسروان ليست بيئة مألوفة لرموز النظام السابق. الطريقة الدموية: استخدام الرصاص والسكين معًا. السياق الأوسع: صراعات ما بعد سقوط النظام، وخشية تحويل لبنان إلى ساحة تصفية. تصفية مخطّط لها وفقًا لتحليلات أمنيّة، فإن فشل المسار السياسي – الأمني دفع دمشق إلى خيارات أكثر خطورة، تشمل عمليات تصفية واغتيال، عبر فصائل موالية، بهدف فرض وقائع بالقوّة وترهيب خصوم النظام السابق. ويشير المرصد السوري إلى أنّ هذه العمليّات لا تقتصر على الاغتيالات، بل تشمل الاستدراج والابتزاز، في إطار حملة أوسع لتصفية الحسابات. ليست رصاصة كسروان تفصيلاً أمنيًا، ولا سكين «الخلاف المالي» سوى كذبة باردة واهنة أمام مشهد أكبر وأخطر. اغتيال غسّان النعسان لم يكن حادثًا عابرًا، بل رسالة دم مكتوبة بوضوح: من نجا من سقوط النظام، قد لا ينجو من ذيله. حين يُقتل ضابط نظام سابق بهذه الطريقة، وفي هذا التوقيت، وبعد زيارة وفد أمني سوري، فالمسألة لم تعد جنائيّة، بل سياديّة بامتياز. السؤال من قرّر أن يكون لبنان ساحة تصفية مفتوحة؟ الأخطر ليس عودة المخابرات السوريّة إلى لبنان، بل عودة لبنان إلى زمن الاغتيال كلغة تفاوض، وأن الرصاص بات أسرع من أي مذكرة دبلوماسية. اغتيال «الطرماح» قد يكون الأوّل… وما لم يُكسر هذا المسار الآن، فلن يكون الأخير.