أوكل المرشد الأعلى في إيران علي خامنئي إلى السياسي المخضرم علي لاريجاني مهمة حسّاسة تتجاوز الأمن التقليدي، وتتمحور حول ضمان بقاء النظام في مواجهة سيناريوات الحرب والاغتيال والانهيار الداخلي ففي مطلع يناير، وبينما كانت إيران تواجه احتجاجات واسعة النطاق وتهديدات أميركية متصاعدة بتوجيه ضربات عسكرية، لجأ خامنئي إلى أحد أكثر رجاله خبرة وولاءً لإدارة المرحلة الحرجة. ومنذ ذلك الحين، برز لاريجاني — البالغ 67 عامًا — بوصفه الرجل الأقوى فعليًا في الدولة، متقدّمًا على المؤسسات الرسمية، بما فيها الرئاسة. سياسي مخضرم وقائد سابق في الحرس الثوري، يشغل حاليًا موقعًا محوريًا في منظومة الأمن القومي، ويقود عمليًا إدارة الدولة في ظل تراجع واضح لدور الرئيس مسعود بزشكيان، جرّاح القلب الذي دخل المعترك السياسي حديثًا. وقد أمضى بزشكيان عامًا صعبًا في منصبه، مكرّرًا علنًا عبارة لافتة: «أنا طبيب، لست سياسيًا»، في إشارة إلى محدودية قدرته على معالجة الأزمات المتشابكة التي تواجهها البلاد. تستند هذه الصورة عن صعود لاريجاني إلى شهادات عدد من المسؤولين الإيرانيين الحاليين والسابقين، بينهم شخص مرتبط بمكتب المرشد، وأعضاء في الحرس الثوري، ودبلوماسيون سابقون، إضافة إلى تقارير إعلامية داخلية. خطة طهران لا تفترض النجاة… بل الاستمرار مهما كان الثمن. طهران تستعد للحرب ولليوم الذي قد يغيب فيه المرشد دولة تُدار من خلف الستار خلال الأشهر الأخيرة، توسّعت صلاحيات لاريجاني بشكل غير مسبوق. فقد أشرف على قمع الاحتجاجات المطالبة بإنهاء الحكم الإسلامي، باستخدام القوة المميتة، ويتولى حاليًا ضبط الإيقاع الداخلي، والتنسيق مع الحلفاء الدوليين — ولا سيما روسيا — إلى جانب إدارة قنوات التواصل مع قوى إقليمية مثل قطر وسلطنة عُمان. كما يشرف على ملف المفاوضات النووية مع واشنطن، ويضع خطط الطوارئ لإدارة الدولة في حال اندلاع حرب محتملة، في وقت تعزّز فيه الولايات المتحدة حضورها العسكري في المنطقة. تشير مصادر مطّلعة إلى أن خامنئي أصدر تعليمات مباشرة إلى لاريجاني ودائرة ضيقة من القادة السياسيين والعسكريين لضمان استمرار النظام تحت أي ظرف، بما في ذلك احتمال اغتيال القيادة العليا أو المرشد نفسه. العلاقة بين الرجلين قديمة ومتينة، ويُنظر إلى لاريجاني بوصفه أحد أكثر الشخصيات التي يثق بها خامنئي. وتؤكد مصادر مطلعة أن المرشد يعتمد عليه في تقديم تقارير واقعية ونصائح براغماتية، ويراه الأنسب لقيادة المرحلة في ظل تصاعد المخاطر. ينحدر لاريجاني من عائلة دينية وسياسية بارزة، وتولى رئاسة البرلمان لمدة 12 عامًا، كما قاد عام 2021 مفاوضات اتفاق استراتيجي طويل الأمد مع الصين يمتد 25 عامًا. هندسة الخلافة… والدولة البديلة ضمن إجراءات الطوارئ، وجّه خامنئي بوضع ما يشبه «خطة خلافة متعددة الطبقات» للمناصب الحساسة، بحيث يُعيَّن أربعة بدلاء محتملين لكل موقع قيادي، عسكري أو حكومي. كما فوّض مجموعة محدودة باتخاذ القرار في حال انقطاع الاتصال به أو مقتله. وخلال اختفائه في يونيو الماضي أثناء حرب استمرت 12 يومًا مع إسرائيل، سمّى المرشد ثلاثة مرشحين محتملين لخلافته، لم تُكشف أسماؤهم. ويُرجّح أن لاريجاني ليس بينهم، لعدم كونه رجل دين شيعيًا بارزًا، وهو شرط أساسي لتولي منصب المرشد. ومع ذلك، يظل لاريجاني جزءًا من الحلقة الضيقة المحيطة بخامنئي، إلى جانب شخصيات نافذة مثل اللواء يحيى رحيم صفوي، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، ومدير مكتب المرشد علي أصغر حجازي. دروس الحرب… وإعادة تشكيل القيادة جاءت هذه الترتيبات بعد صدمة هجوم إسرائيلي مفاجئ في يونيو، أدّى إلى القضاء على عدد من كبار القادة العسكريين في الساعات الأولى. وبعد وقف إطلاق النار، عيّن خامنئي لاريجاني أمينًا للمجلس الأعلى للأمن القومي، وأنشأ مجلسًا وطنيًا للدفاع برئاسة الأدميرال علي شمخاني لإدارة الشؤون العسكرية في زمن الحرب. ويقول الخبير في الشأن الإيراني ولي نصر إن المرشد «يتعامل مع واقع يتوقع فيه احتمال استشهاده، ويسعى لضمان بقاء النظام حتى في أسوأ السيناريوات». الدولة تُعيد هندسة نفسها تحسبًا للحظة فقدان رأسها تأهّب عسكري شامل بحسب المصادر، تتعامل طهران مع فرضية الضربة الأميركية باعتبارها احتمالًا قريبًا، رغم استمرار المسار الدبلوماسي. وقد رفعت مستوى التأهب العسكري إلى الحد الأقصى، ونشرت منصات صواريخ باليستية على حدودها الغربية وسواحل الخليج، ضمن مدى استهداف القواعد الأميركية. كما أجرت مناورات بحرية، واختبارات صاروخية، وأغلقت مجالها الجوي مرارًا، وقيّدت الملاحة في مضيق هرمز لفترات محدودة. وفي حال اندلاع الحرب، ستنتشر وحدات من الشرطة والاستخبارات وقوات الباسيج في المدن الكبرى لإقامة نقاط تفتيش ومنع اضطرابات داخلية، إضافة إلى تعقّب شبكات يُشتبه بارتباطها بجهات أجنبية. من يحكم إذا سقط المرشد؟ لا تقتصر التحضيرات على الجانب العسكري، بل تشمل مستقبل السلطة السياسية. فقد ناقشت القيادة سيناريو إدارة الدولة في حال مقتل خامنئي وكبار المسؤولين، ومن يمكن أن يتولى الحكم الانتقالي. يتصدر لاريجاني هذه القائمة، يليه قاليباف، مع تداول اسم الرئيس السابق حسن روحاني، رغم تراجعه السياسي. غير أن قبول أي من هؤلاء شعبيًا يبقى محل شك بسبب اتهامات الفساد أو الارتباط بالقمع. تراجع الرئاسة… وصعود الرجل القوي في الأسابيع الأخيرة، ازداد الحضور الإعلامي والسياسي للاريجاني، فيما تراجع ظهور الرئيس بزشكيان. فقد زار موسكو للقاء فلاديمير بوتين، وأجرى اتصالات إقليمية مكثفة، وظهر في مقابلات مطولة. أما الرئيس، فيبدو أنه سلّم عمليًا بانتقال مركز القرار. ففي اجتماع حكومي، كشف أنه اقترح على لاريجاني رفع قيود الإنترنت لدعم التجارة الإلكترونية، في إشارة واضحة إلى أن القرار النهائي لم يعد بيده. وفي حادثة أخرى، حاول المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف التواصل مع وزير الخارجية عباس عراقجي، عقب تهديدات أميركية، فطلب الأخير موافقة الرئيس، الذي أحاله بدوره إلى لاريجاني للحصول على التفويض. تُظهر هذه التطورات أن إيران دخلت مرحلة «إدارة الطوارئ» غير المعلنة، حيث تُدار الدولة من قبل دائرة أمنية ضيقة تحسبًا لأسوأ السيناريوات. وفي قلب هذه الدائرة يقف علي لاريجاني — لا بوصفه مسؤولًا عاديًا، بل باعتباره رجل المرحلة الذي كُلِّف بمهمة واحدة: إبقاء النظام قائمًا… مهما كان الثمن.
لا نملكُ في أذهانِنا عن إيرانَ سوى مشاهدَ لبلادٍ أُفرِغت من ألوانِها، فلم يبقَ في شوارعِها سوى القِبابِ المُذهَّبةِ للحُسينيّات، وراياتٍ سودٍ وحمراءَ، وعمائمَ سلطةٍ دينيّة، وقمصانٍ بياقاتٍ مُقفلةٍ كالعقول، وفتياتٍ يُغطّينَ شعورَهنّ بشالاتٍ مفروضة، ولَطْمٍ مُنظَّم، ونَدبيّاتٍ تُدار كطقوسِ طاعةٍ جماعيّة. تلك ليست صورةً ثقافيّة، بل خلاصةُ نظامٍ قرّر أن يُعيد تعريف وطن على قياس العقيدة، وأن يستبدل المجتمع بساحة تعبئة دائمة. تلك هي إيرانُ التي يعرفُها أكثرُنا، لأنّها إيرانُ التي أرادها النظام أن تُصدَّر، وتُفرَض. قد يحتفظُ بعضُنا بصورٍ عابرةٍ عن حقبةِ مَلِكٍ مُترَف، وزوجةٍ باذخة، لا بوصفها نموذجًا، بل كنقيضٍ تاريخيٍّ انتهى فجأة، ليهبطَ على المشهدِ الإيرانيّ الخمينيُّ ومشروعُه، وهو ينزلُ سلّمَ الطائرة لا كزعيمٍ عائد، بل كإعلانِ انقلابٍ شامل، حتى على الزمن نفسه.في تلك اللحظة، فُتِحت صفحةٌ سوداء في منطقتِنا، عنوانُها تصديرُ الأيديولوجيا، وتغذيةُ الحروب، وإحياءُ الغرائزِ الطائفيّة، واستدعاءُ أحقادِ الماضي بوصفها وقودَ الحاضر وأداةَ السيطرة للمستقبل. منذ أن دخل سعدُ بنُ أبي وقّاص المدائن، ولبس سراقةُ بنُ مالك سواريَ كسرى، دخلت فارسُ الإسلام طوعًا، لا قهرًا، وتديّنت بدولةٍ لا بمذهب. كان ذلك إسلام عمر بنِ الخطّاب، الخليفةِ الذي فتحها، ففتح معها بابًا طويلًا من الاندماج الحضاري، لا من الإلغاء. بقيت فارسُ قرونًا على المذهبين الشافعي والحنفي، دون اقتلاعٍ أو تطهير، وقدّمت للإسلام جمهرةً من أعظم علمائه ومفكّريه ومحدّثيه في الفقه واللغة والفلسفة والطب والفلك، وأقامت حواضرَ كبرى تنضح علمًا وفكرًا وأدبًا، من نيسابور إلى أصفهان وبغداد. كانت بلادًا مسلمةً، مزدهرة، ومتصالحة مع ذاتها ومع محيطها. هكذا كانت فارسُ عظيمة… إلى أن جاء عام 1501. في ذلك العام، دخل تبريزَ إسماعيلُ الأوّل الصفوي، قادمًا من أردبيل في أذربيجان، لا بوصفه وريثَ دولة، بل قائدَ مشروعٍ مذهبيٍّ دمويّ، على رأس جماعاتٍ من غلاة الشيعة، مستغلًّا التمزّق السياسي وانهيار السلطة المركزية، ليُزيح الإمارات التركمانية بالدم والنار، ويؤسّس دولةً شيعيةً إماميةً قائمة على الحقد المذهبي، لا على فكرة الدولة. لم يكن ما فعله الصفوي “تحوّلًا دينيًا”، بل عملية اقتلاع قسري شامل. فُرض المذهب بالسيف، وسُحقت الأكثريّة السنّية بوصفها عدوًّا داخليًا. قُتل العلماء، وهُجّرت المجتمعات، ودُمّرت المساجد، وسالت الدماء على نطاقٍ واسع، حتى قُدِّر عدد الضحايا بأكثر من مليون قتيل، في واحدةٍ من أبشع عمليات الهندسة المذهبية في تاريخ الإسلام، ولم ينجُ منها حتى أمُّ إسماعيل نفسه. يقول المؤرّخ قطب الدين النهروالي، موثّقًا تلك المرحلة «لإجبار الناس على تغيير مذهبهم، قتل الصفوي إسماعيل علماءَ السنّة، وعمد إلى ملء الفراغ عبر استحضار علماء الشيعة من جبل عامل في لبنان». من هناك، لم تبدأ “إيران الشيعية” فحسب، بل وُلد النموذج الذي سيُعاد إنتاجه لاحقًا، دولة تُبنى على العداء الداخلي، وتستمدّ شرعيتها من القمع، وتحوّل المذهب من خيارٍ فقهي إلى سلاح سلطة. لم تقتصر جرائمُ إسماعيل الصفوي على إيران وحدها، بل خرجت منها كعدوى منظَّمة. هاجم العراق، واحتلّ بغداد، وارتكب مجازر واسعة بحقّ أهلها السنّة. وفي الوقت نفسه، فتح جبهة عداء مع الدولة العثمانية، فأربك جهادها في أوروبا، وفتح خاصرتها الشرقية، وتآمر مع القوى الصليبية الأوروبية ضدّ العثمانيين، في واحدةٍ من أوضح حالات التحالف المذهبي مع الخارج في تاريخ المنطقة. لم يتوقّف الأمر عند ذلك. تمدّد شرقًا نحو خراسان، وقاتل الأوزبك السنّة في ما وراء النهر، فأنهك تلك البلاد، ودمّر توازنها السياسي والعسكري، فاتحًا الطريق لاحقًا أمام التمدّد الروسي. لم يكن مشروع إسماعيل بناء دولة، بل تفكيك محيطٍ كامل، وتحويل الصراع المذهبي إلى أداة استراتيجية تُضعِف الجميع باستثناء السلطة الصفوية نفسها. وعندما سقطت الدولة الصفوية رسميًا عام 1736، لم يسقط إرثها. ورثت الدولة القاجارية مجتمعًا أُعيد تشكيله قسرًا على العداء المذهبي، مجتمعًا شيعيًا مُسيَّسًا، معاديًا للمسلمين السنّة، ومهيّأً لإعادة إنتاج الصراع كلما توفّرت الظروف. ظلّ هذا الإرث كامناً حتى عام 1979، حين انبعثت الصفوية من جديد، لا باسمها القديم، بل بثوب “الثورة”، في صيغة شيعية إمامية ممزوجة بقومية فارسية. قامت جمهورية إيران الخمينية لا بوصفها دولة وطنية حديثة، بل كمشروع استعادة استدعاء الإمبراطورية الفارسية القديمة، وتصدير الصراع إلى الإقليم تحت عناوين دينية، فيما الجوهر واحد: سلطة تقوم على التوسّع، والهيمنة، وتفجير المجتمعات من الداخل. لكن هذا المشروع، الذي عاش عقودًا على سوء تقدير الآخرين، اصطدم بلحظة إعادة حسابات كبرى. لم يعد العالم يتعامل مع إيران بوصفها “خصوصية ثقافية”، بل كمصدر اضطرابٍ بنيويّ. من هنا، لم يكن التحوّل في سياسة دونالد ترامب تفصيلًا عابرًا، بل إعلان نهاية مرحلة من التساهل الاستراتيجي. فهل ينجح ستيف ويتكوف في إبقاء الصفويين الجدد خنجرًا مغروسًا في خاصرة هذه المنطقة، والعالم بأسره؟لا يبدو ذلك. فالمشروع الذي يقوم على تفجير الداخل، لا يعيش طويلًا حين يُحاصَر خارجيًا، ويُستنزَف داخليًا، ويُعرَّى سياسيًا. للأتراكِ والفرسِ علاقةٌ خاصّةٌ مع فكرةِ «البازار»، أي السوق؛ علاقةٌ تتجاوز الاقتصاد إلى الذهنيّة، وقد لا نفهمها جيّدًا نحن العرب.إنّها علاقةٌ تعكس تعلّقًا كثيفًا بماديّة الأشياء والموجودات، حيث تُقاس القيم بميزان المنفعة والربح، بينما للعرب جنوحٌ أقوى نحو الروحانيّات، لا بوصفها هروبًا من الواقع، بل باعتبارها عقلانيّةً أخلاقيّةً تُجيب عن سؤالٍ قديم، لماذا كان مهبطُ الوحي عربيًّا، في صحراءَ رمالٍ وقبائل؟ لأنّها بيئةٌ لم تُدنَّس بالسوق، ولم تُختزل القيم فيها بالثمن. تاريخيًّا، لم يُسجِّل الفرسُ حضورًا في معارك الحسم الكبرى بوصفهم أصحاب سيفٍ مباشر. يسودون غالبًا من دون بطولاتٍ فاصلة، ويُتقنون فنون الالتفاف أكثر من فنون المواجهة. تقوم استراتيجيتهم على الخديعة، وعلى استخدام «الآخر» أداةً لتحقيق المآرب، وعلى إدارة الصراع من الخلف لا من الميدان. من أبي لؤلؤة المجوسي رمزًا للطعنة الغادرة، إلى مدارس التفاوض والمقايضة والتنازل المموّه، حيث تُحاك السياسة كما تُحاك السجّادة: بطيئة ومعقّدة. من هنا، لا يُطرَح سؤال «ثورة البازار» بوصفه حدثًا اقتصاديًا عابرًا، بل كاختبارٍ وجوديّ: هل يسقط منطقُ السوق المتمرّد حكمَ الملالي، أم يُعيد تدويره؟هل يمكن لتمرّدٍ تحرّكه العملة أن يُسقِط نظامًا جعل من الدين سلعة، ومن العقيدة أداة، ومن الطقوس رأسَ مالٍ سياسيّ؟ أم أنّ أناسًا دينُهم الدينار، لا يُسقِطهم إلّا الإفلاس الكامل، لا الاحتجاج الجزئي؟ المشكلة ليست في «الملالي» وحدهم، بل في المشروع الذي يقف خلفهم. مشروع صفويّ مُحدَّث، صادر المجتمع، وأقصى العقل، وعزز الغرائز، وقطع إيران عن تراثها الإسلاميّ الحقيقي.وطالما لم ينهَر هذا المشروع من الداخل، فكريًا، وأخلاقيًا، وتاريخيًا، فلن تعود إلى إيران تلك الأسماء التي صنعت مجدها الإسلامي: أبو حنيفة، والجاحظ، والبيروني، وابن الهيثم، ومسلم، والبخاري، والخوارزمي…مثل هؤلاء لا يولدون في ظلّ دولة الطقوس، ولا في اقتصاد التعبئة، ولا تحت وصاية السوق المؤدلج. ما أتفَهَ هذا الزمن، أن تُجبَر فيه على العيش بين مجرمين؛ دونالد ترامب الثاني، وإسماعيل الصفوي… بنسخة القرن الواحد والعشرين. كم سيكون هذا العالم جميلًا لو أشرقت شمسُه غدًا من دون الخامنئي، ولا طوني بلير، ولا نتنياهو، ولا محمد بن زايد، ولا قيس سعيّد، ولا كثيرين
عادت جزيرة غرينلاند، العملاق الجليدي الهادئ في شمال الأطلسي، لتتصدر المشهد الجيوسياسي العالمي بقوة، بعد أن نفض الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب الغبار عن طموح أمريكي قديم: ضم أكبر جزيرة في العالم إلى الولايات المتحدة ومع تأكيد البيت الأبيض أن “جميع الخيارات مطروحة”، بما في ذلك استخدام القوة العسكرية، يجد حلف شمال الأطلسي (الناتو) نفسه أمام كابوس وجودي محتمل.فكرة أن تهاجم دولة عضو في الناتو (الولايات المتحدة) إقليماً يتمتع بحكم ذاتي وتابعاً لدولة عضو أخرى في نفس الحلف (الدنمارك)، هي سيناريو لم يكن ليخطر على بال أشد المحللين تشاؤماً. لكن ترامب، الذي لطالما صرّح بأن غرينلاند “ذات أهمية حيوية للأمن القومي الأمريكي”، مُدّعياً دون تقديم أدلة قاطعة أنها “محاطة بسفن روسية وصينية من كل مكان”، قد أظهر استعداداً لدفع الأمور إلى حافة الهاوية لتحقيق أهدافه.ما هي الخيارات المطروحة أمام أي إدارة أمريكية قد تتبنى هذا النهج، وما هي الأبعاد العسكرية، الاقتصادية، والدبلوماسية، لهذا الفعل؟ الغزو الخاطف على الورق، تبدو عملية عسكرية للاستيلاء على غرينلاند ممكنة. فرغم مساحتها الشاسعة التي تتجاوز 2 مليون كيلومتر مربع، لا يتجاوز عدد سكان الجزيرة 58 ألف نسمة، يتركز معظمهم في تجمعات سكانية صغيرة على الساحل الغربي. لا تمتلك الجزيرة جيشاً خاصاً بها، وتعتمد على الدنمارك في الدفاع، التي بدورها تمتلك موارد جوية وبحرية محدودة لا تكفي لتغطية هذه المساحة الشاسعة بفعالية.ويشير الخبراء إلى أن الولايات المتحدة، التي تحتفظ بوجود عسكري استراتيجي ودائم في قاعدة “بيتوفيك” الجوية (المعروفة الآن باسم قاعدة الفضاء بيتوفيك) في أقصى شمال غرب غرينلاند منذ الحرب العالمية الثانية، يمكنها استخدام هذه القاعدة كنقطة انطلاق لوجستية حيوية. ووفقاً لهانز تيتو هانسن، الرئيس التنفيذي لشركة “ريسك إنتليجنس” للأمن، فإن الفرقة الحادية عشرة المحمولة جواً في ألاسكا، المتخصصة في العمليات القطبية، ستكون “القدرة الأساسية” في أي غزو محتمل.يؤيد هذا الرأي جاستن كرامب، الضابط السابق بالجيش البريطاني، الذي يوضح: “تمتلك الولايات المتحدة قوة بحرية هائلة… ويمكن بسهولة نقل عدد كافٍ من القوات جواً بحيث يكون هناك جندي واحد لكل بضعة أفراد من السكان في عملية نقل واحدة”.لكن هذا “السهل العسكري” يخفي وراءه “كارثة سياسية” حتمية. مدينة تستحق أن تكون مركزًا معرفيًا متطورًا.. تحوّلت إلى حي فقير رقميًا في واشنطن، يصف مسؤولون سابقون هذا الخيار بـ”المستبعد للغاية” و”الجنوني”. ويقول ميك مولروي، نائب مساعد وزير الدفاع السابق: “سيكون ذلك مخالفاً للقانون الدولي بشكل واضح… فهم ليسوا تهديداً للولايات المتحدة فحسب، بل هم حليف بموجب معاهدة”. ويؤكد مولروي أن أي تحرك جدي من البيت الأبيض نحو هذا الخيار سيواجه بمعارضة شرسة من الكونغرس، الذي قد يستخدم قانون صلاحيات الحرب للحد من سلطة الرئيس، مؤكداً “لا أعتقد أن الكونغرس سيؤيد أبداً تدمير حلف الناتو من أجل جزيرة”. إن مثل هذا العمل العدائي سيؤدي إلى انهيار فوري للمادة الخامسة من ميثاق الناتو، التي تعتبر الهجوم على أي عضو هجوماً على الجميع، مما يضع الحلف في حالة شلل تام ويفقده أي مصداقية. شراء الجزيرةيبدو أن شراء غرينلاند كان الخيار المفضل لدى إدارة ترامب، وهو ليس بفكرة جديدة، فقد سبق للرئيس هاري ترومان أن عرض 100 مليون دولار من الذهب على الدنمارك عام 1946 لنفس الغرض. لكن الرد اليوم جاء حاسماً وموحداً من كوبنهاغن ونوك (عاصمة غرينلاند): الجزيرة ليست للبيع. هذا الرد لا يعكس موقفاً تفاوضياً، بل هو تأكيد على مبدأ السيادة والكرامة الوطنية.وحتى لو تغير هذا الموقف، فإن الصفقة تواجه عقبات قانونية ومالية هائلة. فهي تتطلب موافقة الكونغرس على تخصيص الأموال، وهو أمر غير مضمون في ظل الاستقطاب السياسي. كما تستلزم مصادقة ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ إذا تمت عبر معاهدة، وهو شبه مستحيل. علاوة على ذلك، قد يتطلب الأمر موافقة الاتحاد الأوروبي الذي تربطه بالدنمارك اتفاقيات معقدة.من الناحية المالية، لا يوجد تقدير واضح لتكلفة الجزيرة، لكنها قد تصل إلى تريليونات الدولارات بالنظر إلى مواردها الطبيعية الهائلة غير المستغلة وموقعها الاستراتيجي. إن إنفاق مثل هذا المبلغ من أموال دافعي الضرائب على “جزيرة جليدية” قد يثير غضباً عارماً حتى بين مؤيدي ترامب أنفسهم، الذين انتخبوه على أساس شعار “أمريكا أولاً” وليس “أنفقوا أموال أمريكا أولاً”. حرب نفوذ ناعمة هنا تكمن الاستراتيجية الأكثر واقعية وخبثاً. يرى عمران بيومي، خبير الجغرافيا السياسية في المجلس الأطلسي، أن “حملة تأثير” شاملة هي الخيار الأكثر ترجيحاً. تهدف هذه الحملة إلى استغلال الرغبة المتنامية لدى سكان غرينلاند في الاستقلال عن الدنمارك. تشير استطلاعات الرأي بوضوح إلى أن غالبية سكان الجزيرة يريدون الاستقلال، لكنهم في المقابل لا يرغبون في الانضمام إلى الولايات المتحدة.هنا يأتي دور القوة الناعمة الأمريكية. يمكن لواشنطن أن تكثف جهودها عبر:• حوافز مالية: تقديم مساعدات اقتصادية مباشرة، وتمويل مشاريع بنية تحتية، وتقديم منح دراسية.• وعود اقتصادية: التلويح بمنافع مستقبلية ضخمة، مثل تطوير قطاع التعدين والسياحة بمجرد استقلال الجزيرة وشراكتها مع الولايات المتحدة.• نفوذ استخباراتي: تشير تقارير إلى أن وكالات الاستخبارات الأمريكية قد كثفت بالفعل مراقبتها لحركة الاستقلال، في محاولة لتحديد ودعم الشخصيات السياسية التي قد تكون أكثر تقبلاً للأهداف الأمريكية.السيناريو المثالي لواشنطن هو: دعم غرينلاند حتى تعلن استقلالها، ثم تكون الولايات المتحدة أول من يعترف بها ويقدم لها “اتفاقية ارتباط حر”، على غرار الاتفاقيات المبرمة مع بالاو وميكرونيزيا وجزر مارشال. تمنح هذه الاتفاقية واشنطن حقوقاً دفاعية حصرية، بينما يحصل مواطنو الدولة الجديدة على مزايا مثل العيش والعمل في الولايات المتحدة. لكن هذا الترتيب قد لا يرضي طموحات ترامب بالكامل، لأنه لن يمنح واشنطن حقوق ملكية مباشرة لاحتياطيات غرينلاند المعدنية الهائلة من المعادن النادرة واليورانيوم والنفط والغاز، والتي تزداد أهميتها مع ذوبان الجليد. يبدو أن مصير غرينلاند سيبقى في يد سكانها. فطالما يعارض شعبها فكرة الانضمام للولايات المتحدة، فإن أي حملة ضم، سواء كانت عسكرية أو ناعمة، ستواجه مقاومة شرسة. وكما يقول المحلل الدنماركي هانز هانسن بعبارة بليغة: "أمام أي إدارة أمريكية بضع سنوات فقط في السلطة، بينما لدى شعب غرينلاند، ربما، ألف عام من الأمل والتاريخ على هذه الأرض". Click here