عادت جزيرة غرينلاند، العملاق الجليدي الهادئ في شمال الأطلسي، لتتصدر المشهد الجيوسياسي العالمي بقوة، بعد أن نفض الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب الغبار عن طموح أمريكي قديم: ضم أكبر جزيرة في العالم إلى الولايات المتحدة ومع تأكيد البيت الأبيض أن “جميع الخيارات مطروحة”، بما في ذلك استخدام القوة العسكرية، يجد حلف شمال الأطلسي (الناتو) نفسه أمام كابوس وجودي محتمل.فكرة أن تهاجم دولة عضو في الناتو (الولايات المتحدة) إقليماً يتمتع بحكم ذاتي وتابعاً لدولة عضو أخرى في نفس الحلف (الدنمارك)، هي سيناريو لم يكن ليخطر على بال أشد المحللين تشاؤماً. لكن ترامب، الذي لطالما صرّح بأن غرينلاند “ذات أهمية حيوية للأمن القومي الأمريكي”، مُدّعياً دون تقديم أدلة قاطعة أنها “محاطة بسفن روسية وصينية من كل مكان”، قد أظهر استعداداً لدفع الأمور إلى حافة الهاوية لتحقيق أهدافه.ما هي الخيارات المطروحة أمام أي إدارة أمريكية قد تتبنى هذا النهج، وما هي الأبعاد العسكرية، الاقتصادية، والدبلوماسية، لهذا الفعل؟ الغزو الخاطف على الورق، تبدو عملية عسكرية للاستيلاء على غرينلاند ممكنة. فرغم مساحتها الشاسعة التي تتجاوز 2 مليون كيلومتر مربع، لا يتجاوز عدد سكان الجزيرة 58 ألف نسمة، يتركز معظمهم في تجمعات سكانية صغيرة على الساحل الغربي. لا تمتلك الجزيرة جيشاً خاصاً بها، وتعتمد على الدنمارك في الدفاع، التي بدورها تمتلك موارد جوية وبحرية محدودة لا تكفي لتغطية هذه المساحة الشاسعة بفعالية.ويشير الخبراء إلى أن الولايات المتحدة، التي تحتفظ بوجود عسكري استراتيجي ودائم في قاعدة “بيتوفيك” الجوية (المعروفة الآن باسم قاعدة الفضاء بيتوفيك) في أقصى شمال غرب غرينلاند منذ الحرب العالمية الثانية، يمكنها استخدام هذه القاعدة كنقطة انطلاق لوجستية حيوية. ووفقاً لهانز تيتو هانسن، الرئيس التنفيذي لشركة “ريسك إنتليجنس” للأمن، فإن الفرقة الحادية عشرة المحمولة جواً في ألاسكا، المتخصصة في العمليات القطبية، ستكون “القدرة الأساسية” في أي غزو محتمل.يؤيد هذا الرأي جاستن كرامب، الضابط السابق بالجيش البريطاني، الذي يوضح: “تمتلك الولايات المتحدة قوة بحرية هائلة… ويمكن بسهولة نقل عدد كافٍ من القوات جواً بحيث يكون هناك جندي واحد لكل بضعة أفراد من السكان في عملية نقل واحدة”.لكن هذا “السهل العسكري” يخفي وراءه “كارثة سياسية” حتمية. مدينة تستحق أن تكون مركزًا معرفيًا متطورًا.. تحوّلت إلى حي فقير رقميًا في واشنطن، يصف مسؤولون سابقون هذا الخيار بـ”المستبعد للغاية” و”الجنوني”. ويقول ميك مولروي، نائب مساعد وزير الدفاع السابق: “سيكون ذلك مخالفاً للقانون الدولي بشكل واضح… فهم ليسوا تهديداً للولايات المتحدة فحسب، بل هم حليف بموجب معاهدة”. ويؤكد مولروي أن أي تحرك جدي من البيت الأبيض نحو هذا الخيار سيواجه بمعارضة شرسة من الكونغرس، الذي قد يستخدم قانون صلاحيات الحرب للحد من سلطة الرئيس، مؤكداً “لا أعتقد أن الكونغرس سيؤيد أبداً تدمير حلف الناتو من أجل جزيرة”. إن مثل هذا العمل العدائي سيؤدي إلى انهيار فوري للمادة الخامسة من ميثاق الناتو، التي تعتبر الهجوم على أي عضو هجوماً على الجميع، مما يضع الحلف في حالة شلل تام ويفقده أي مصداقية. شراء الجزيرةيبدو أن شراء غرينلاند كان الخيار المفضل لدى إدارة ترامب، وهو ليس بفكرة جديدة، فقد سبق للرئيس هاري ترومان أن عرض 100 مليون دولار من الذهب على الدنمارك عام 1946 لنفس الغرض. لكن الرد اليوم جاء حاسماً وموحداً من كوبنهاغن ونوك (عاصمة غرينلاند): الجزيرة ليست للبيع. هذا الرد لا يعكس موقفاً تفاوضياً، بل هو تأكيد على مبدأ السيادة والكرامة الوطنية.وحتى لو تغير هذا الموقف، فإن الصفقة تواجه عقبات قانونية ومالية هائلة. فهي تتطلب موافقة الكونغرس على تخصيص الأموال، وهو أمر غير مضمون في ظل الاستقطاب السياسي. كما تستلزم مصادقة ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ إذا تمت عبر معاهدة، وهو شبه مستحيل. علاوة على ذلك، قد يتطلب الأمر موافقة الاتحاد الأوروبي الذي تربطه بالدنمارك اتفاقيات معقدة.من الناحية المالية، لا يوجد تقدير واضح لتكلفة الجزيرة، لكنها قد تصل إلى تريليونات الدولارات بالنظر إلى مواردها الطبيعية الهائلة غير المستغلة وموقعها الاستراتيجي. إن إنفاق مثل هذا المبلغ من أموال دافعي الضرائب على “جزيرة جليدية” قد يثير غضباً عارماً حتى بين مؤيدي ترامب أنفسهم، الذين انتخبوه على أساس شعار “أمريكا أولاً” وليس “أنفقوا أموال أمريكا أولاً”. حرب نفوذ ناعمة هنا تكمن الاستراتيجية الأكثر واقعية وخبثاً. يرى عمران بيومي، خبير الجغرافيا السياسية في المجلس الأطلسي، أن “حملة تأثير” شاملة هي الخيار الأكثر ترجيحاً. تهدف هذه الحملة إلى استغلال الرغبة المتنامية لدى سكان غرينلاند في الاستقلال عن الدنمارك. تشير استطلاعات الرأي بوضوح إلى أن غالبية سكان الجزيرة يريدون الاستقلال، لكنهم في المقابل لا يرغبون في الانضمام إلى الولايات المتحدة.هنا يأتي دور القوة الناعمة الأمريكية. يمكن لواشنطن أن تكثف جهودها عبر:• حوافز مالية: تقديم مساعدات اقتصادية مباشرة، وتمويل مشاريع بنية تحتية، وتقديم منح دراسية.• وعود اقتصادية: التلويح بمنافع مستقبلية ضخمة، مثل تطوير قطاع التعدين والسياحة بمجرد استقلال الجزيرة وشراكتها مع الولايات المتحدة.• نفوذ استخباراتي: تشير تقارير إلى أن وكالات الاستخبارات الأمريكية قد كثفت بالفعل مراقبتها لحركة الاستقلال، في محاولة لتحديد ودعم الشخصيات السياسية التي قد تكون أكثر تقبلاً للأهداف الأمريكية.السيناريو المثالي لواشنطن هو: دعم غرينلاند حتى تعلن استقلالها، ثم تكون الولايات المتحدة أول من يعترف بها ويقدم لها “اتفاقية ارتباط حر”، على غرار الاتفاقيات المبرمة مع بالاو وميكرونيزيا وجزر مارشال. تمنح هذه الاتفاقية واشنطن حقوقاً دفاعية حصرية، بينما يحصل مواطنو الدولة الجديدة على مزايا مثل العيش والعمل في الولايات المتحدة. لكن هذا الترتيب قد لا يرضي طموحات ترامب بالكامل، لأنه لن يمنح واشنطن حقوق ملكية مباشرة لاحتياطيات غرينلاند المعدنية الهائلة من المعادن النادرة واليورانيوم والنفط والغاز، والتي تزداد أهميتها مع ذوبان الجليد. يبدو أن مصير غرينلاند سيبقى في يد سكانها. فطالما يعارض شعبها فكرة الانضمام للولايات المتحدة، فإن أي حملة ضم، سواء كانت عسكرية أو ناعمة، ستواجه مقاومة شرسة. وكما يقول المحلل الدنماركي هانز هانسن بعبارة بليغة: "أمام أي إدارة أمريكية بضع سنوات فقط في السلطة، بينما لدى شعب غرينلاند، ربما، ألف عام من الأمل والتاريخ على هذه الأرض". Click here
في عالَمِ السياسةِ الدوليةِ الذي لا يتوقفُ عن مفاجآتِه، عادتْ فكرةٌ قديمةٌ لتطفوَ على السطحِ بقوة، مثيرةً عاصفةً من الجدلِ والاستغراب: رغبةُ الرئيسِ الأمريكيِّ دونالد ترامب في شراءِ غرينلاند، أكبرِ جزيرةٍ في العالم.لم تكنْ مجرَّدَ مزحةٍ عابرةٍ أو بالونِ اختبار، بل كشفتْ عن طموحٍ استراتيجيٍّ عميقِ الجذور، يمزجُ بين منطقِ صفقاتِ العقارات، وضروراتِ الأمنِ القومي، وبريقِ الثرواتِ الطبيعيةِ الهائلة. فما الذي يجعلُ هذه الجزيرةَ الجليديةَ الشاسعة، التي يسكُنُها أقلُّ من 60 ألفَ نسمة، هدفًا ثمينًا في عيونِ رجلِ أعمالٍ تحوَّلَ إلى رئيس؟ وهل يمكنُ لصفقةٍ بدتْ وكأنها من زمنٍ آخرَ أن تتحققَ في القرنِ الحادي والعشرين؟ما وراءَ الرغبة؟عندما سُئلَ ترامب عن اهتمامِه بغرينلاند، أجابَ ببساطتِه المعهودة: “إنها صفقةٌ عقاريةٌ كبيرة”. لكنْ خلفَ هذه العبارة، تكمنُ شبكةٌ معقدةٌ من الدوافعِ التي تتجاوزُ مجرَّدَ إضافةِ قطعةِ أرضٍ جديدةٍ إلى الخريطةِ الأمريكية.تُعتبرُ غرينلاند “حاملةَ طائراتٍ ثابتة” في قلبِ القطبِ الشمالي. موقعُها الجغرافيُّ الفريدُ بين أمريكا الشماليةِ وأوروبا يجعلُها نقطةَ مراقبةٍ مثاليةً للأنشطةِ العسكريةِ الروسيةِ والصينية. بالفعل، تستضيفُ الجزيرةُ قاعدةَ “بيتوفيك” الفضائية (المعروفةَ سابقًا بقاعدةِ ثول الجوية)، وهي دُرَّةُ تاجِ نظامِ الإنذارِ المبكرِ الأمريكي، حيثُ ترصُدُ الصواريخَ الباليستيةَ العابرةَ للقارات. السيطرةُ الكاملةُ على الجزيرةِ تعني تأمينَ هذا الوجودِ العسكريِّ الحيويِّ إلى الأبد، وتحويلَها إلى حِصنٍ أمريكيٍّ متقدمٍ في مواجهةِ أيِّ طموحاتٍ معاديةٍ في المنطقةِ القطبيةِ التي تزدادُ سخونةً، ليس فقط مناخيًّا بل وجيوسياسيًّا. يرى ترامب في نفسِهِ القدرةَ على إنجازِ ما فشلَ فيه الآخرون، وتحقيقِ “صفقةِ القرن” التي تخلِّدُ اسمَهُ في التاريخ ثرواتٌ باطنية تحتَ طبقةِ الجليدِ التي تغطي 80% من مساحتِها، تُخفي غرينلاند كنزًا من المواردِ الطبيعية. هي ليستْ مجرَّدَ جليدٍ وصخور، بل مخزونٌ هائلٌ من المعادنِ الأرضيةِ النادرة (مثل النيوديميوم والتيربيوم)، التي تُعتبرُ عصَبَ الصناعاتِ التكنولوجيةِ المتقدمة، من الهواتفِ الذكيةِ إلى أنظمةِ الأسلحةِ المتطورة.اليوم، تسيطرُ الصينُ على جزءٍ كبيرٍ من سوقِ هذه المعادن، وضمُّ غرينلاند سيمثِّلُ ضربةً استراتيجيةً لواشنطن، تحرِّرُها من هذا الاعتمادِ الخطير. بالإضافةِ إلى ذلك، تشيرُ التقديراتُ إلى وجودِ احتياطياتٍ ضخمةٍ من النفطِ والغازِ واليورانيوم، والتي أصبحَ الوصولُ إليها ممكنًا مع تسارُعِ وتيرةِ ذوبانِ الجليد.بالنسبةِ لترامب، فإنَّ إتمامَ صفقةٍ بهذا الحجمِ سيضعُهُ في مصافِّ الرؤساءِ الذين وسَّعوا حدودَ الولاياتِ المتحدة. فالتاريخُ الأمريكيُّ مليءٌ بمثلِ هذه الصفقات: شراءُ لويزيانا من فرنسا عامَ 1803، وألاسكا من روسيا عامَ 1867، وحتى جُزُرِ فيرجن من الدنمارك نفسِها عامَ 1917.في عام 1946، عرضَ الرئيسُ هاري ترومان 100 مليونِ دولارٍ ذهبًا لشراءِ غرينلاند، لكنَّ طلبَهُ قوبلَ بالرفض. يرى ترامب في نفسِهِ القدرةَ على إنجازِ ما فشلَ فيه الآخرون، وتحقيقِ “صفقةِ القرن” التي تخلِّدُ اسمَهُ في التاريخ. “ليستْ للبيع” على الجانبِ الآخرِ من الأطلسي، قوبلتْ فكرةُ ترامب بردِّ فعلٍ يمزجُ بين الصدمةِ والسخريةِ والرفضِ القاطع. رئيسةُ وزراءِ الدنمارك، ميتي فريدريكسن، وصفتِ النقاشَ بأنه “سخيف”، مؤكدةً بحزم: “غرينلاند ليستْ للبيع. غرينلاند ليستْ دنماركية. غرينلاند تنتمي إلى غرينلاند”.هذا الموقفُ ليس مجرَّدَ كبرياءٍ وطني، بل يستندُ إلى واقعٍ قانونيٍّ وسياسي. فبموجبِ “قانونِ الحكمِ الذاتي” لعام 2009، تتمتعُ غرينلاند بسلطاتٍ واسعةٍ لإدارةِ شؤونِها الداخليةِ ومواردِها الطبيعية. ورغمَ أنَّ السياسةَ الخارجيةَ والدفاعيةَ لا تزالُ بيدِ كوبنهاغن، فإنَّ أيَّ قرارٍ يتعلقُ بمستقبلِ الجزيرةِ يجبُ أن ينبعَ من شعبِها. سكّانُ غرينلاند، الذين يفتخرونَ بهويتِهم وثقافتِهم من شعبِ “الإنويت”، يرَوْنَ في أرضِهم وطنًا لا سلعة. سيناريوهاتٌ على الطاولة رغمَ الرفضِ القاطع، فإنَّ التاريخَ يعلِّمُنا أنَّ “المستحيلَ” كلمةٌ مرنةٌ في عالَمِ السياسة. فكيف يمكنُ لواشنطن، نظريًّا، تحقيقُ هذا الهدف؟ سيناريو الشراءِ المباشر: هو الخيارُ المفضَّلُ لترامب، لكنه الأكثرُ استحالةً حاليًّا، فهو يتطلبُ تغييرًا جذريًّا في مواقفِ الدنماركِ وغرينلاند، وهو أمرٌ غيرُ مرجَّح. سيناريو الضغطِ الاقتصادي: يمكنُ لواشنطن استخدامُ نفوذِها الاقتصاديِّ للضغطِ على الدنمارك، لكنَّ مثلَ هذه الخطوةِ ضدَّ حليفٍ في الناتو ستكونُ لها تداعياتٌ كارثيةٌ على العلاقاتِ عبرَ الأطلسي. سيناريو دعمِ الاستقلال: قد يكونُ المسارُ الأكثرَ دهاءً هو تشجيعُ ودعمُ استقلالِ غرينلاند الكاملِ عن الدنمارك. وبمجرَّدِ أن تصبحَ دولةً مستقلة، يمكنُ للولاياتِ المتحدةِ أن تعرضَ عليها “اتفاقيةَ ارتباطٍ حرٍّ” (على غِرارِ علاقتِها مع بالاو أو جُزُرِ مارشال) أو حتى الانضمامَ الطوعيَّ إلى الاتحادِ الأمريكي. هذا السيناريو طويلُ الأمدِ ومحفوفٌ بالمخاطر، لكنه يظلُّ احتمالًا قائمًا. إعادةُ رسمِ خريطةِ القوى العالمية لو نجحتِ الولاياتُ المتحدةُ بطريقةٍ أو بأخرى في ضمِّ غرينلاند، فإنَّ تداعياتِ ذلك ستكونُ هائلة: استراتيجيًّا: ستتحولُ موازينُ القوى في القطبِ الشماليِّ بشكلٍ حاسمٍ لصالحِ الولاياتِ المتحدة، مما يمنحُها سيطرةً شبهَ كاملةٍ على الممراتِ الملاحيةِ الشماليةِ وموقعًا لا مثيلَ له لمواجهةِ روسيا والصين. اقتصاديًّا: ستحصلُ الصناعاتُ الأمريكيةُ على وصولٍ مباشرٍ وغيرِ محدودٍ إلى مواردَ طبيعيةٍ حيوية، مما يعزِّزُ أمنَها الاقتصاديَّ ويقلِّلُ من اعتمادِها على المنافسين. سياسيًّا: ستكونُ رسالةً قويةً للعالَمِ بأنَّ الولاياتِ المتحدةَ لا تزالُ قادرةً على إعادةِ تشكيلِ الجغرافيا السياسيةِ وفقًا لمصالحِها، حتى لو كان ذلك يعني استخدامَ أساليبَ تعودُ إلى القرنِ التاسعَ عشر. في النهاية، تظلُّ قضيةُ غرينلاند أكثرَ من مجرَّدِ صفقةٍ عقارية. إنها مرآةٌ تعكسُ التوتراتِ الجيوسياسيةَ المتصاعدةَ في عالَمٍ متغيِّر، حيثُ يذوبُ الجليدُ كاشفًا عن خطوطِ صدعٍ جديدةٍ في الصراعِ على النفوذِ والثروةِ والمستقبل.
لم ينتظر دونالد ترامب كثيرًا قبل أن يفجّر قنبلة سياسية–أمنية في قلب الشرق الأوسط، قنبلة ارتدّ صداها مباشرة على لبنان. ففي لحظةٍ تُشبه إعلان حرب باردة جديدة، أصدر البيت الأبيض أمرًا تنفيذيًّا يأمر وزارتي الخارجية والخزانة بالتحضير لتصنيف فروع جماعة الإخوان المسلمين، وبينها الجماعة الإسلامية في لبنان، كـ«منظمات إرهابية أجنبية» هكذا، وبجرّة قلم، وجد لبنان نفسه فجأةً في قلب المعركة: معركة تتجاوز حدود السياسة، وتتخطّى الحسابات الانتخابية، وتضرب مباشرةً الهوية، التحالفات، التمويل، والشرعية نفسها.وما بدأ كقرار أميركي «تقني» سرعان ما تحوّل إلى أكبر زلزال قد يواجه الجماعة منذ تأسيسها عام 1964… وربما أكبر تحدٍّ يواجه الساحة السنية بأكملها منذ عقود. المراحل والإجراءات القانونية وفقًا للأمر التنفيذي الصادر عن البيت الأبيض، ستسير الإجراءات وفق جدول زمني محدّد:المرحلة الأولى (30 يومًا): يقدّم وزير الخارجية ماركو روبيو ووزير الخزانة سكوت بيسنت تقريرًا مشتركًا إلى الرئيس ترامب حول وضع فروع الإخوان.المرحلة الثانية (45 يومًا): يبدأ التنفيذ الرسمي لتصنيف «منظمة إرهابية أجنبية». يشمل القرار فروع الإخوان المسلمين في لبنان ومصر والأردن وتونس، مع إبقاء الباب مفتوحًا لإضافة فروع أخرى لاحقًا. كما يتجه البيت الأبيض لاعتبار هذه الجماعات أيضًا «إرهابيين عالميين محددين» (Designated Global Terrorists). وبررت الإدارة الأميركية قرارها بالقول إن الفروع المستهدفة «تُشرك نفسها أو تُسهِّل وتدعم حملات عنف وزعزعة استقرار تُضِرّ بمناطقها وبمواطني الولايات المتحدة وبمصالحها». لكن القرار ترك وراءه أسئلة ثقيلة، من المقصود تحديدًا بالجماعة؟ هل سيشمل التصنيف أشخاصًا أو مؤسسات؟ وهل سيُستخدم التعريف الفضفاض سياسيًّا؟ كما أن التعاطي مع مواطنين أميركيين لهم ارتباط سابق بالإخوان يضع واشنطن أمام معضلة قانونية غير مسبوقة. يرى متابعون أن خطوة ترامب تشكل نقطة تحوّل في السياسة الأميركية تجاه الحركات الإسلامية، مع توقّعات بأن يصدر القرار النهائي بشأن الجماعة الإسلامية في لبنان خلال شهرين إلى ثلاثة أشهر، ما لم تُفرَض تعديلات قانونية أو سياسية جديدة. على الرغم من قانونية الجماعة في لبنان منذ 1964، إلا أن الشرعية السياسية مهدّدة بشكل غير مباشر. فالضغوط الأميركية على الحلفاء اللبنانيين قد تدفع بعض القوى لإعادة حساباتها، لا سيما مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية تباين في الموقف تبدو قيادة الجماعة بين التقليل الإعلامي من خطورة القرار والقلق الفعلي من تداعياته.فقد وصف النائب عماد الحوت القرار بأنّه «عشوائي» ولم يدخل حيّز التنفيذ بعد، مؤكدًا أن الجماعة خاضعة للقانون اللبناني وليس الأميركي. لكن مصادر قيادية فضّلت الصمت، في إشارة واضحة إلى حالة ترقّب وحذر. وعلى الرغم من قانونية الجماعة في لبنان منذ 1964، إلا أن الشرعية السياسية مهدّدة بشكل غير مباشر. فالضغوط الأميركية على الحلفاء اللبنانيين قد تدفع بعض القوى لإعادة حساباتها، لا سيما مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية. التأثير على الانتخابات يشهد الشارع السُّني انقسامًا يتعمّق حول الجماعة، قطاع يتعاطف معها على خلفية القضية الفلسطينية، وقطاع يرفضها بسبب تقاطعاتها مع حزب الله. وفي ظل الانتخابات المقبلة، قد يؤدي التصنيف إلى: إحجام قوى سياسية عن التحالف مع الجماعة. خسارة محتملة لبعض المقاعد. وربما العكس: تعاطف شعبي سنّي كردّ فعل على «الظلم الأميركي». كما قد تتعرّض الحكومة اللبنانية لضغوط لاتخاذ إجراءات ضد الجماعة، وهو أمر شديد الحساسية في بلد قائم على التوازنات الطائفية. وقد تربط واشنطن مساعداتها للبنان بتحقيق خطوات محددة ضد الجماعة، الأمر الذي يضع لبنان في مأزق اقتصادي وسياسي. على خط موازٍ، برز التنسيق المعلن بين الجماعة الإسلامية وحزب الله، بما في ذلك لقاء حسن نصر الله ومحمد طقوش. وقد يدفع القرار الأميركي الجماعة أكثر نحو محور المقاومة كخيار دفاعي، ما يضعها أمام معادلة صعبة بين مشروع الدولة ومشروع المقاومة. تركيا وقطر… هل تتدخل إيران؟ حصلت الجماعة تاريخيًا على دعم من تركيا وقطر. لكن التصنيف يضع هاتين الدولتين أمام اختبار، هل تواصلان الدعم وتجازفان بالعقوبات؟ أم تتراجعان؟ يطرح قيادي سابق سؤالًا لافتًا: «إذا توقف الدعم التركي والقطري… هل تتدخل إيران لتعويضه؟» وهو سؤال يعكس احتمال تغيّر جذري في التمويل والهوية السياسية للجماعة. التأثير المالي والمصرفي يسمح التصنيف الأميركي بتجميد أي أصول للجماعة أو أعضائها في الولايات المتحدة. ورغم أن الجماعة ربما لا تمتلك أصولًا مباشرة هناك، إلا أن الخطر الحقيقي يكمن في القطاع المصرفي اللبناني. فالبنوك اللبنانية، الساعية للحفاظ على علاقاتها الدولية، قد تُجبَر على: إغلاق حسابات الجماعة، تقييد التعاملات، التدقيق في كل تحويل مرتبط بها. وقد حذّر قيادي سابق في الجماعة من أن المدارس والمؤسسات التربوية قد تواجه أزمات مصرفية حادة، وأن بعض المراكز الطبية والاجتماعية «قد يُغلَق فعليًا». أما التحويلات الخارجية والدعم المالي، فستصبح شبه مستحيلة مع الخوف من العقوبات الثانوية الأميركية. المؤسسات الخيرية والاجتماعية والتعليمية للجماعة الإسلامية شبكة واسعة من المؤسسات الصحية والاجتماعية والمدارس والجامعات. مصادر قانونية تشير إلى أن القرار ستكون له تداعيات خطيرة: انخفاض خدمات المستوصفات والمراكز الصحية إلى ما دون النصف. احتمالات إغلاق مؤسسات مباشرة مرتبطة بالجماعة. صعوبات في التمويل، في الاعتمادات الدولية، وفي سمعة جامعة الجنان. ورغم ذلك، قد يتزايد التعاطف الشعبي معها، خصوصًا في الأوساط المؤيدة لفلسطين. تعميق الانقسام اللبناني قد يستغل خصوم الجماعة القرار الأميركي لتشويهها وعزلها سياسيًا. وتُطرَح أسئلة جدّية عن احتمال الضغط لحظرها كما حصل في الأردن في أبريل 2025، حين أغلقت السلطات مقار الإخوان وصادرت ممتلكاتهم. كما يمنع القرار دخول أعضاء الجماعة إلى الولايات المتحدة، وقد يطال آلاف اللبنانيين المقيمين هناك والمرتبطين بها، سواء عبر: صعوبة تجديد الإقامات. رفض طلبات اللجوء. إلغاء لجوء مُنِح سابقًا. القطاع المصرفي والقائمة الرمادية لبنان أصلًا على «القائمة الرمادية» لـFATF بسبب ضعف مكافحة تبييض الأموال. وجاء التصنيف ليزيد الطين بلّة، مع مخاطر: تقلّص العلاقات المصرفية الدولية. عزل القطاع المصرفي أكثر. تأخير خروج لبنان من هذه القائمة. قدرة الجماعة على التكيّف رغم كل ذلك، أثبتت الجماعة خلال ستة عقود قدرة كبيرة على التكيّف. وقد تتجاوز الأزمة عبر: تعزيز قاعدتها الشعبية، تنويع مصادر التمويل، تعزيز تحالفاتها الإقليمية. لكن الثمن قد يكون تحوّلًا في الهوية السياسية والأيديولوجية، وابتعادًا عن المسار الديمقراطي الذي سعت لتقديمه في السنوات الأخيرة. نحن أمام لحظةٍ لبنانية تتجاوز حدود البلد نفسه. قرارٌ أميركيّ واحد أعاد خلط الأوراق، وفتح الباب على أسئلةٍ أكبر بكثير من حجم الجماعة الإسلامية: من يملك القرار داخل الساحة السنية؟ من يحكم معادلة التحالفات في الشمال والجنوب وبيروت واقليم الخروب وعكار والبقاع؟ ومن يُمسك بمفاتيح المرحلة المقبلة في ظلّ انهيار الدولة وانكشافها الأمني والاقتصادي؟ ليس التصنيف الأميركي مجرّد إجراء إداري، بل بداية مسار طويل يقود نحو إعادة تشكيل النفوذ السياسي والاجتماعي في لبنان. مسارٌ قد يضع الجماعة في زاوية ضيّقة، لكنّه سيضع لبنان كلّه أمام امتحان صعب: هل يستطيع أن يوازن بين ضغوط واشنطن، وحسابات الداخل، وتشابك المصالح الإقليمية؟ أم أنّنا نتجه نحو صدام مفتوح، تُدفَع أثمانه من جيوب الناس ومؤسساتهم وتعليمهم وصحّتهم؟ في كل الحالات، ما بعد هذا القرار لن يشبه ما قبله. فالجماعة الإسلامية تدخل أخطر مرحلة في تاريخها، والبلد يدخل مرحلة أشدّ تعقيدًا. ومن لا يرى العاصفة المقبلة، فليستعد ليكون أول ضحاياها.