حلم لم يبصر الضوء (العدسة الذكية) skip render: ucaddon_box_testimonial فحين تقبل حركة نشأت على فكرة المقاومة بالتخلي عن السلطة التنفيذية لصالح هيئة تكنوقراطية تعمل ضمن إطار دولي، فإن السؤال لا يعود متعلقاً بغزة وحدها، بل بمستقبل العلاقة بين السلاح والسلطة في الشرق الأوسط. الخطوة التي أعلنتها الحركة، والقاضية بتسليم إدارة القطاع إلى «اللجنة الوطنية لإدارة غزة»، مع الإبقاء على الجهاز الإداري والوظيفي باعتباره جهاز دولة لا جهاز تنظيم، تعكس انتقالاً من مفهوم «سلطة الحركة» إلى مفهوم «إدارة المؤسسات». وهي صيغة طالما طالبت بها أطراف فلسطينية وعربية ودولية باعتبارها المدخل الضروري لأي عملية إعادة إعمار أو استقرار سياسي وأمني. واللافت أن حماس لم تقدّم القرار باعتباره نتيجة هزيمة سياسية، بل حاولت تأطيره ضمن خطاب «المصلحة الوطنية» و«ترتيب البيت الفلسطيني»، في محاولة للفصل بين دورها كحركة سياسية وعسكرية وبين مسؤوليتها المباشرة عن إدارة الحياة اليومية لمليوني فلسطيني. وهذا الفصل، إذا استمر، قد يؤسس لنموذج جديد في تعامل الحركات المسلحة مع السلطة، يقوم على الاحتفاظ بالهوية السياسية مع التخلي عن عبء الحكم المباشر. غير أن القيمة الحقيقية لهذا التطور لا تكمن في غزة وحدها، بل في الرسالة التي يبعث بها إلى ساحات أخرى تعيش إشكالية مشابهة، وفي مقدمتها لبنان. فمنذ نهاية الحرب الأهلية، عاش لبنان تجربة مختلفة، ولكنها متقاطعة مع التجربة الفلسطينية. إذ تمكن حزب الله من بناء معادلة تجمع بين العمل العسكري والتمثيل السياسي، ثم تطورت هذه المعادلة تدريجياً إلى نفوذ واسع داخل مؤسسات الدولة، من البرلمان والحكومة إلى الإدارة العامة، مع احتفاظ الحزب باستقلالية قراره العسكري والأمني. وخلال سنوات طويلة، اعتبر الحزب أن الجمع بين السلاح والسلطة يشكّل عنصر قوة، وأن المشاركة في مؤسسات الدولة توفر غطاءً سياسياً لخيار المقاومة. إلا أن التجربة اللبنانية، ولا سيما منذ الأزمة الاقتصادية عام 2019، ثم الحرب الأخيرة مع إسرائيل، أظهرت أن هذا التداخل جعل الحزب يتحمل، ولو جزئياً، كلفة انهيار الدولة وعجزها، كما جعله جزءاً من منظومة تُحمّلها قطاعات واسعة من اللبنانيين مسؤولية الانهيار السياسي والاقتصادي. من هنا، يطرح التحول الجاري في غزة سؤالاً يتجاوز المقارنة المباشرة: هل تتجه المنطقة إلى إعادة تعريف العلاقة بين الحركات المسلحة والدولة؟ وهل يصبح الفصل بين الوظيفة العسكرية وإدارة المؤسسات شرطاً دولياً لإعادة الإعمار ورفع العقوبات واستعادة الاستقرار؟ الفرق بين الحالتين يبقى جوهرياً. فحماس كانت تدير سلطة محلية في قطاع جغرافي معزول، بينما يشكّل حزب الله جزءاً من التركيبة السياسية اللبنانية، ويتمتع بامتدادات إقليمية تتجاوز الحدود اللبنانية. كما أن البيئة القانونية والسياسية مختلفة تماماً. ومع ذلك، فإن الضغوط الدولية التي رافقت الحرب على غزة، وربطت التمويل وإعادة الإعمار بوجود إدارة مدنية مستقلة نسبياً عن الفصائل، قد تتحول إلى نموذج يُطرح، بدرجات مختلفة، في ملفات إقليمية أخرى. في لبنان، تبدو المؤشرات أكثر تعقيداً. فالنقاش الداخلي لم يعد يدور فقط حول سلاح حزب الله، بل حول إعادة بناء الدولة نفسها، وحول حصرية القرار الأمني والعسكري، وتنفيذ الالتزامات الدولية، وتعزيز سلطة المؤسسات الرسمية. وفي هذا السياق، تزداد الضغوط الغربية والعربية لربط أي دعم اقتصادي واسع بإصلاحات بنيوية تعيد للدولة دورها الكامل في إدارة الشأن العام. ولذلك، فإن أي قراءة للتحول في غزة لا ينبغي أن تقتصر على البعد الفلسطيني، بل يجب النظر إليه باعتباره جزءاً من إعادة رسم أوسع لقواعد إدارة مناطق الصراع في الشرق الأوسط. فالمعادلة التي تتبلور تدريجياً تقوم على منح المؤسسات المدنية مساحة القيادة في الحكم والإدارة، مقابل تقليص دور الفاعلين المسلحين داخل مؤسسات السلطة، سواء عبر الدمج أو إعادة الهيكلة أو الفصل الوظيفي. ويبقى السؤال الأهم: هل يشكّل ما حدث في غزة بداية نهاية نموذج «الحركة التي تحكم وتقاتل في الوقت نفسه»، أم أنه مجرد استثناء فرضته ظروف الحرب والدمار؟ الإجابة لا تزال مفتوحة، لكن المؤكد أن الإقليم يدخل مرحلة تتزايد فيها الضغوط لإعادة الاعتبار إلى مفهوم الدولة بوصفها المرجعية الوحيدة للإدارة والقرار العام. وإذا كان قطاع غزة قد أصبح أول مختبر لهذا التحول، فإن لبنان قد يجد نفسه، عاجلاً أم آجلاً، أمام الأسئلة نفسها، وإن كانت بأدوات مختلفة وحسابات أكثر تعقيداً.
يتشدّق أحد تجار العقارات أمام معارفه ومقرّبين منه بأنه تمكّن، خلال الأزمة الأخيرة، أي في فترة الحرب، من بيع معظم الوحدات السكنية التي تملكها شركته بأسعار «مرتفعة نسبيًا» لعائلات من خارج صيدا، لا سيما من الجنوب. ويؤكد التاجر، الذي لا يُعدّ من أبناء المدينة الأصليين، أنه لم يتبقَّ سوى عدد محدود جدًا من الشقق في مختلف المشاريع التي أُنجزت أو تلك التي لا تزال قيد التشطيب النهائي، مشيرًا إلى أن الطلب تركز بشكل أساسي على الشقق الجاهزة أو القريبة من التسليم، والتي لا تحتاج إلى وقت طويل قبل السكن فيها. وتنظر أوساط صيداوية بقلق إلى هذا النوع من الحركة العقارية، خصوصًا في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، معتبرة أن بيع كتل سكنية واسعة لعائلات من خارج النسيج الاجتماعي التقليدي للمدينة يفتح الباب أمام أسئلة مشروعة حول مستقبل التوازنات السكانية والعمرانية في صيدا، وحول ما إذا كانت الأزمة قد تحولت عند بعض التجار إلى فرصة لتحقيق أرباح سريعة، ولو على حساب هوية المدينة واستقرارها الاجتماعي.
لم تترك الحرب الأخيرة مع إسرائيل لبنان كما كان قبلها.فالحروب لا تكشف فقط حجم الدمار في الأبنية والطرقات، بل تكشف ما هو أخطر: الشقوق الكامنة في النفوس، والعداوات المؤجّلة، واللغة التي كان اللبنانيون يخفونها خلف المجاملات والقمم الروحية والبيانات الوطنية الجاهزة. لذلك يصبح السؤال مشروعًا ومخيفًا في آنٍ واحد: هل الحرب الأهليّة في لبنان اليوم حتميّة؟ الجواب الأدق: لا، ليست حتميّة. لكنها احتمال قائم إذا استمرّ اللبنانيون في إدارة انقسامهم بالعجز نفسه، والكذب نفسه، والخوف نفسه. ويقرّرون الانتحار فالحرب الأهليّة لا تبدأ عادةً بقرار معلن. لا يجتمع الناس حول طاولة ويقرّرون الانتحار الجماعي. تبدأ الحرب حين يصبح العيش المشترك مجرّد صورة، وحين تتحوّل الدولة إلى شاهد زور، وحين تشعر كل جماعة بأنها مهدّدة، وكل طائفة بأنها مستهدَفة، وكل طرف بأنه يملك الحقيقة والسلاح والحق في النجاة وحده. ما بعد الحرب مع إسرائيل ليس مجرّد مرحلة إعادة إعمار. إنه اختبار وجودي لفكرة لبنان نفسها. فالحرب كشفت أن الانقسام اللبناني لم يعد سياسيًا فقط، بل صار وجدانيًا وأخلاقيًا. رأينا شماتة حيث كان يفترض أن تكون رحمة، ورأينا تخوينًا حيث كان يفترض أن تكون مساءلة، ورأينا طوائف تتحدث عن الوطن كأنه فندق مؤقت لا بيت نهائي. الأخطر أن الحرب جاءت فوق انهيار اقتصادي واجتماعي طويل. الناس منهكة، الدولة ضعيفة، الثقة شبه معدومة، والسلاح والذاكرة والوجع موزّعة بطريقة غير عادلة بين اللبنانيين.في مثل هذه البيئة، لا تحتاج الفتنة إلى مشروع كبير. يكفي حادث أمني، خطاب تعبوي، تشييع متوتر، اعتداء في شارع، أو قرار سياسي يُفهم على أنه كسر لفريق كي تخرج النار من تحت الرماد. المعطيات الأخيرة تزيد القلق. وقف إطلاق النار بقي هشًا، مع استمرار الخشية من انهياره وامتناع كثير من النازحين عن العودة بسبب الخوف من تجدّد القتال. كما أن الحديث عن ترتيبات أمنية وسياسية مرتبطة بسلاح حزب الله ودور الجيش في الجنوب أعاد إشعال التوتر الداخلي حول السؤال القديم الجديد: من يقرّر الحرب والسلم في لبنان؟ لكن رغم ذلك، القول إن الحرب الأهليّة حتميّة هو استسلام خطير. فالحتميّة تعني أن اللبنانيين فقدوا القدرة على الاختيار. وهذا غير صحيح. لبنان عاش على حافة الهاوية مرات كثيرة، لكنه لم يسقط دائمًا. ما يمنع الحرب ليس الحب الرومانسي بين الطوائف، بل وجود حدّ أدنى من العقل، والمصلحة، والخوف المتبادل من الكارثة. هناك أسباب تمنع الانزلاق الكامل. أولها أن ذاكرة الحرب الأهليّة لا تزال حيّة، ولو أن البعض يتعامل معها بخفّة. كثيرون يعرفون أن الحرب لا تنتج منتصرين، بل أمراء خراب ومقابر ومهجّرين.ثانيها أن المجتمع اللبناني، رغم كل أمراضه، لا يزال متداخلًا اقتصاديًا واجتماعيًا ومناطقيًا إلى درجة تجعل الانفصال الدموي مكلفًا للجميع. وثالثها أن الإقليم والدول المؤثرة، مهما تلاعبت بالساحة اللبنانية، لا تريد بالضرورة انفجارًا أهليًا شاملًا يصعب ضبطه. skip render: ucaddon_material_block_quote قد لا يمنعها غدًا لكن ما يمنع الحرب اليوم قد لا يمنعها غدًا إذا استمرت الأسباب نفسها. فلبنان لا يحتاج إلى حرب أهلية كلاسيكية تشبه حرب 1975 كي ينفجر. قد يدخل في نسخة أخطر: حرب أهلية باردة، متقطعة، متنقلة، تبدأ بالكراهية الإعلامية، ثم بالمقاطعة الاجتماعية، ثم بالأحياء المقفلة، ثم بالسلاح الفردي، ثم بالاشتباكات المحدودة التي لا يعترف أحد بأنها حرب حتى تصبح واقعًا. الأسئلة الكبرى المشكلة العميقة أن اللبنانيين يتحدثون كثيرًا عن العيش المشترك، لكنهم نادرًا ما يمارسون شروطه. فالعيش المشترك لا يعني أن نصمت عن الخلافات. ولا يعني أن ندفن الأسئلة الكبرى تحت سجادة المجاملات. بل يعني أن نمتلك شجاعة طرح الأسئلة التي نخافها: ما معنى الدولة؟ من يملك قرار الحرب؟ كيف تُحمى الطوائف من دون أن تتحوّل إلى جيوش نفسية؟ كيف يُطمئن الشيعي من دون أن يُخاف السني والمسيحي والدرزي؟ وكيف يُطمئن سائر اللبنانيين من دون أن يشعر الشيعي بأنه مستهدَف في وجوده لا في خيارات قياداته؟ أي حوار لا يقترب من هذه الأسئلة هو مجرّد صورة تذكارية جديدة. وأي خطاب وطني لا يعترف بحجم الكراهية المتبادلة هو كذب مؤجّل. لبنان لا يحتاج اليوم إلى مواعظ عن الوحدة، بل إلى مصارحة قاسية تحمي الوحدة من التحوّل إلى شعار فارغ. بعد الحرب مع إسرائيل، ليس المطلوب إعلان انتصار فريق أو هزيمة آخر. المطلوب منع انتقال الحرب من الحدود إلى الداخل. وهذا لا يحصل إلا بثلاثة: بإعادة الاعتبار للدولة بوصفها مرجعية نهائية، لا واجهة شكلية. فلا يمكن أن يعيش بلد إلى الأبد بقرار حرب موزّع بين الدولة واللادولة، وبقرار سلم معلّق على تفاهمات إقليمية. الثاني، خطاب سياسي وديني وإعلامي يوقف صناعة الكراهية. فالفتنة لا تولد من الرصاص وحده، بل من الجملة الأولى التي تجرّد الآخر من إنسانيته. الثالث، حوار داخلي جدّي لا يقوم على إذلال أي مكوّن، ولا على منح أي مكوّن حق الفيتو الأبدي على الدولة. المطلوب تسوية شجاعة، لا غالب فيها ولا مغلوب، لكنها أيضًا لا تسمح ببقاء لبنان رهينة خوف دائم. skip render: ucaddon_box_testimonial