على عكس السياق العامّ للمشهديّة الأكبر التي تُطوِّق حركة «الإخوان المسلمين» دوليًّا وعربيًّا، وتحدّ من عملها ونشاطها السياسي والجماهيري، يبدو أنّ لصيدا حكايتها الخاصّة حيال ما يجري مع الفرع اللبناني للحركة، أي «الجماعة الإسلامية». تلفت شخصيّة سياسية مخضرمة لجريدة “البوست”، لها باعٌ طويل في العمل الانتخابي، إلى واقعٍ مغاير ومستجد تُنتجه قراءةٌ متأنّية وموضوعيّة للأرقام ولخارطة التحالفات المفترضة في الانتخابات النيابيّة المقبلة. ففي لغة الأرقام التي قلّما تُخطئ، وبعد التوجّه شبه المحسوم لتحالف «الجماعة» مع “حزب الله” انتخابيًّا وسياسيًّا على صعيد لبنان ككل، و”بالقطعة” حسب المناطق وما تقتضيه المصلحة، لاسيما بعد قرارات العقوبات مؤخراً، وانطلاقًا من أرقام الانتخابات البلديّة الأخيرة، يمكن القول إنّ «الجماعة الإسلامية» في صيدا تعيش، رغم «الحرب الكونيّة» عليها، أقوى لحظاتها السياسيّة والانتخابية على صعيد المدينة حاليا. كيف ذلك؟ بكلامٍ مبسّط، بعيدًا عن «فذلكات» وتعقيدات، فإن سلّمنا جدلًا أنّ لـ«الجماعة» كتلةً ناخبة شبه ثابتة يتراوح حجمها بين 2500 و3500 صوت (مشدودة العصب حاليا، بعد مظلومية العقوبات)، ومع احتساب أصوات “الثنائي الشيعي” على صعيد صيدا، حتّى في حال لم تُصب أصوات “حركة أمل” بتوجيه من بري اللعوب، كلّها لصالح «الجماعة» في المدينة، فإنّه سيُضاف إلى أصوات «الجماعة» و«شيعة صيدا» التقليديين ما بين 2000 و2500 صوت، ليصبح العدد بين 6000 و6500 صوت، آخذين في الاعتبار أنّ «الجماعة» نجحت في صيدا تحديدًا بزيادة قاعدتها الشعبيّة الانتخابيّة في السنوات الخمس الماضية، عكس التوجّه التراجعيّ العامّ الذي تشهده دوليا، ما يؤهّلها، بعمليّة حسابيّة بسيطة، في حال ترشّح النائبة السابقة بهيّة الحريري، أن تتقدّم على القاعدة الشعبيّة لكلٍّ من النائبين أسامة سعد وعبد الرحمن البزري في صيدا، وذلك في حال النجاح في تخطي “النقزة” من موضوع التحالف مع حزب الله في المدينة، الذي لا تستسيغه الأغلبية العظمى من الصيداويين. لكن في السياسة، يبقى السؤال الأكبر والأهمّ: ماذا يعني هذا الواقع المستجدّ، وكيف يمكن ترجمته وتجييره لمصلحة صيدا وإنمائها؟ فهل يمكن لنائب عن “الجماعة” أن “يشتغل” سياسة في ظل حصار عالمي وعربي وحتى محلي خانق؟ في وقت بات كثيرون يهربون من مجرد صورة قد تعمم على سفارات وأجهزة…
ليس أخطر على الدول من أن تُستباح سيادتها بقصفٍ خارجي، إلا أن تُستباح بالكلام الصادر من داخل مؤسساتها. وما قاله وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي، أياً تكن نواياه أو خلفياته، لا يمكن التعامل معه بوصفه زلّة لسان أو اجتهادًا سياسيًا عابرًا، بل هو تصريح يمسّ جوهر الدولة اللبنانية، ويضع الدستور نفسه في موقع المساءلة. حين يقول رأس الدبلوماسية اللبنانية إن لإسرائيل “الحق” في مواصلة اعتداءاتها على لبنان طالما لم يُحصر سلاح حزب الله، فهو لا يقدّم تحليلًا سياسيًا، بل يمنح—ولو ضمنيًا—شرعية لعدوان عسكري على أرض ذات سيادة. هنا لا تكمن المشكلة في الرأي، بل في الموقع. فالكلمات، حين تصدر عن وزير خارجية، لا تعود ملك صاحبها، بل تتحوّل إلى موقف دولة. السيادة لا تُشَرط الدستور اللبناني، في مقدمته، لا يتحدث عن سيادة مشروطة، ولا عن حماية انتقائية للأراضي، ولا عن حقوق سيادية تُمنح أو تُسحب وفق موازين داخلية أو إقليمية. السيادة واحدة، كاملة، غير قابلة للتجزئة أو المقايضة—لا بسلاح حزب، ولا بخلاف داخلي، ولا بضغط خارجي. أما ميثاق الأمم المتحدة، الذي يلتزم به لبنان التزامًا دستوريًا، فيحظر صراحة استخدام القوة ضد سلامة أي دولة إقليمية أو استقلالها السياسي. لا يوجد في القانون الدولي بند اسمه: “حق القصف إذا فشلت الدولة في إدارة شؤونها الداخلية”. فإما أن يكون لبنان دولة تُدافع عنها مؤسساتها، وإما أن يتحوّل إلى ساحة مفتوحة تُدار بالتحليلات والشروط. ليس محلّلًا سياسيًا من يعتقد أن وزير الخارجية يملك رفاهية التعبير كما يشاء، يخلط بين المواطن والمنصب. وزير الخارجية لا يتكلّم باسمه، بل باسم الدولة اللبنانية. كلماته ليست رأيًا، بل موقف رسمي يُحفظ ويُدوَّن، وقد يُستخدم لاحقًا ضد لبنان في المحافل الدولية. الدستور واضح: السياسة الخارجية تُرسم جماعيًا داخل مجلس الوزراء، لا فرديًا عبر مقابلات أو تصريحات. وزير الخارجية منفّذ وممثّل، لا صاحب تفويض بالتنازل اللفظي عن الحقوق السيادية. وإن لم يكن هذا الكلام صادرًا عن قرار حكومي، فالمصيبة مضاعفة. وإن كان صادرًا عنه، فالمصيبة وطنية كاملة الأوصاف. الأخطر في هذا النوع من التصريحات لا يكمن فقط في تبرير العدوان، بل في نقل بوصلة النقاش من السؤال الجوهري، لماذا تُقصف أرضنا؟ إلى سؤال مُضلِّل: من المسؤول داخليًا عن استمرار القصف؟ وهنا تتحقق الغاية الإسرائيلية دون إطلاق رصاصة واحدة، تفكيك الإجماع الوطني، تحوير البوصلة، وتحويل الضحية إلى متّهم. مسؤولية لا هروب منها قد لا ينصّ الدستور صراحة على محاسبة وزير بسبب تصريح، لكنه يفتح باب المساءلة السياسية الكاملة. ومجلس النواب، إن كان يقوم بدوره، معنيّ بالسؤال لا عن النوايا، بل عن النتائج. هل يُسمح لمسؤول لبناني بأن يقول ما لم يجرؤ العدو نفسه على قوله صراحة؟ هل يُعقل أن يُمنح الاحتلال شهادة “حق” من داخل الدولة التي يعتدي عليها؟ العلاج الداخلي الكلام عن حصر السلاح شأن داخلي لبناني، يُعالج بالدستور والحوار والمؤسسات، لا بالقصف ولا بتبريره. وأي محاولة للربط بين السيادة والاعتداء هي سقوط سياسي ودستوري خطير، يفتح بابًا لا يُعرف أين يُقفل. الدول تُهزم حين تبدأ بالتكلّم ضد نفسها. والسيادة لا تُفقد فقط بالدبابات… أحيانًا تُفقد بتصريحات.
بعد مرور أكثرَ من عامٍ على اتّفاقِ وقفِ إطلاقِ النار الذي أنهى 13 شهرًا من العدوان الإسرائيلى على لبنان والمعارك العسكرية مع حزبِ الله، لا يزال الوضعُ على الحدودِ اللبنانية – الإسرائيلية متوتّرًا ومحفوفًا بالمخاطر. على الرغمِ من أنّ المرحلةَ الأولى من الاتّفاق، التي تقضي بنزعِ سلاحِ حزبِ الله جنوبَ نهرِ الليطاني، تقتربُ من نهايتها، فإنّ الأنظارَ تتّجهُ الآن إلى المرحلةِ الثانيةِ والأكثرِ تعقيدًا: نزعِ السلاح شمالَ النهر.يطرحُ هذا التحوّل سؤالًا محوريًّا: هل يمكنُ أن تقبلَ إسرائيلُ ببقاءِ ترسانةِ حزبِ الله العسكرية شمالَ الليطاني، أم إنّنا على أعتابِ جولةٍ جديدةٍ من الصراع؟ اتّفاقٌ هشٌّ ومرحلةٌ معقّدة في 27 نوفمبر 2024، وبوساطةٍ أمريكية، تمّ التوصّلُ إلى اتّفاقٍ لوقفِ إطلاقِ النار بين إسرائيل وحزبِ الله. ونصَّ الاتّفاقُ على مرحلتين رئيسيتين: الأولى، نزعُ سلاحِ الحزب جنوبَ نهرِ الليطاني بحلولِ نهايةِ عام 2025، والثانية، معالجةُ قضيّةِ سلاحِه شمالَ النهر. وجاء هذا الاتّفاق بعد حربٍ استمرّت أكثرَ من عام، خلّفت آلافَ القتلى والجرحى، وأدّت إلى نزوحِ عشراتِ الآلافِ من المدنيّين على جانبي الحدود. رسميًّا، تُصرُّ إسرائيلُ على ضرورةِ نزعِ سلاحِ حزبِ الله بالكامل، وتعتبرُ وجودَ أيّ قدراتٍ عسكريةٍ خارجَ سيطرةِ الدولةِ اللبنانية تهديدًا مباشرًا لأمنِها. لكن، على الأرض، تبدو الاستراتيجيةُ الإسرائيليةُ أكثرَ تعقيدًا. فمنذ توقيعِ الاتّفاق، لم يتوقّفِ العدوانُ الإسرائيليّ والخروقات، حيث تُشيرُ التقاريرُ إلى مئاتِ الغاراتِ الجوية وعملياتِ التوغّلِ البري، فضلًا عن الاغتيالاتِ المستمرّة لقياداتٍ وعناصرَ من حزبِ الله. وفي هذا المجال، ترى مصادرُ مطّلعةٌ أنّ إسرائيلَ تستخدمُ هذه الهجمات كوسيلةٍ للدفاعِ المتقدّم، بهدفِ منعِ الحزب من إعادةِ بناءِ قدراته العسكرية وإيجادِ طرقٍ جديدةٍ للقتال، ولا سيّما في ما يتعلّقُ بالصواريخِ قصيرةِ المدى، التي تُشكّل مصدرَ قلقٍ كبيرٍ لتل أبيب. تُصرُّ إسرائيلُ على ضرورةِ نزعِ سلاحِ حزبِ الله بالكامل، وتعتبرُ وجودَ أيّ قدراتٍ عسكريةٍ خارجَ سيطرةِ الدولةِ اللبنانية تهديدًا مباشرًا لأمنِها. لكن، على الأرض، تبدو الاستراتيجيةُ الإسرائيليةُ أكثرَ تعقيدًا. انقسامٌ داخليٌّ وضغوطٌ خارجية على الجانبِ الآخر، يرفضُ حزبُ الله بشكلٍ قاطعٍ أيَّ نقاشٍ حول سلاحِه شمالَ الليطاني قبل تحقيقِ شروطِه، التي تتلخّصُ في انسحابِ إسرائيلَ الكامل من جميعِ الأراضي اللبنانية المحتلّة ووقفِ خروقاتِها. إذ يعتبرُ الحزبُ أنّ سلاحَه ضروريٌّ للدفاعِ عن لبنان، وأنّ أيَّ قرارٍ بهذا الشأن يجبُ أن يتمَّ في إطارِ استراتيجيةٍ دفاعيةٍ وطنيةٍ يتّفقُ عليها جميعُ اللبنانيّين. هذا الموقفُ يضعُ الحكومةَ اللبنانية، برئاسةِ نواف سلام، في موقفٍ حرج، إذ تجدُ نفسها محاصَرةً بين ضغوطِ المجتمعِ الدوليّ لتنفيذِ الاتّفاق، ورفضِ شريكٍ أساسيٍّ في الوطن لهذا الطرح. في هذا الإطار، تلعبُ القوى الدوليةُ والإقليميةُ دورًا في هذا المشهدِ المعقّد، لكنّ تأثيرَها يبدو محدودًا. فالولاياتُ المتحدة، على الرغمِ من رعايتها للاتّفاق، تبدو غيرَ جادّةٍ في الضغطِ على إسرائيلَ للالتزامِ ببنوده، بينما يقتصرُ الدورُ الأوروبيّ، بقيادةِ فرنسا، على محاولةِ الحفاظِ على الاستقرار ومنعِ الانزلاقِ إلى حربٍ شاملة. أمّا المبادراتُ الإقليمية، كمبادرةِ تجميدِ السلاح التي طرحتها مصر، فلم تحظَ بالزخمِ الكافي لتحقيقِ أيّ اختراق. التصعيدُ المحسوبُ والمواجهةُ الشاملة في ظلِّ هذا الوضعِ المتأزّم، يمكنُ الخروجُ بعدّةِ سيناريوهاتٍ محتملةٍ للقادمِ من الأيّام: 1. استمرارُ التصعيدِ المحدود (السيناريو الأكثرُ ترجيحًا): يستمرُّ الوضعُ الحاليّ من المناوشاتِ والضرباتِ الموضعيّة، حيث يسعى كلُّ طرفٍ إلى فرضِ قواعدِ اشتباكٍ جديدةٍ من دونِ الانجرارِ إلى حربٍ شاملة. 2. خفضٌ شكليٌّ للتصعيد: قد تلجأُ الأطرافُ، بضغطٍ من واشنطن، إلى خفضٍ مؤقّتٍ لحدّةِ التوتّر بهدفِ تحسينِ شروطِ التفاوض، لكنّ هذا الخيارَ يبقى مرهونًا بمدى استعدادِ كلِّ طرفٍ لتقديمِ تنازلات. 3. تصعيدٌ محسوب: قد تُقدِمُ إسرائيلُ، بدعمٍ أمريكيّ، على عملٍ عسكريٍّ محدودٍ بهدفِ تدميرِ قدراتٍ نوعيّةٍ لحزبِ الله وفرضِ واقعٍ جديدٍ على الأرض، غير أنّ هذا الخيارَ يحملُ في طيّاته خطرَ الخروجِ عن السيطرة. 4. مواجهةٌ واسعة (السيناريو الأقلُّ احتمالًا حاليًّا): يبقى خيارُ الحربِ الشاملة مستبعدًا في الوقتِ الراهن، نظرًا للتكاليفِ الباهظة التي ستترتّبُ عليه على جميعِ الأطراف، وغيابِ الغطاءِ الدوليّ لمثلِ هذه الحرب. من الواضح أنّ إسرائيلَ لن تقبلَ بسهولةٍ ببقاءِ ترسانةِ حزبِ الله العسكرية شمالَ الليطاني، وأنّها ستستمرُّ في ضغوطِها العسكرية والدبلوماسية لتحقيقِ هدفِها بنزعِ سلاحِ الحزب. في المحصّلة، لا يبدو أنّ سلاح حزب الله شمال الليطاني ملفّ قابل للتسوية، بل عنوانٌ مفتوحٌ على التصعيد. إسرائيل لن تتعايش مع ترسانةٍ تقول إنّها تهديدٌ وجوديّ، والحزب لن يتخلّى عن سلاحٍ يعتبره ضمانةَ بقائه ودوره. وبين منطق القوّة ومنطق الردع، يبقى لبنان رهينة حساباتٍ لا يملك مفاتيحها. شمال الليطاني لم يعد خطَّ تماسٍ جغرافيًّا، بل خطَّ انفجارٍ سياسيٍّ وأمنيّ، وأيّ خطأٍ في التقدير لن يُقاس بالبيانات ولا بالوساطات، بل بعدد الضربات… واتّساع رقعة النار.