ذكرت مصادر اقتصادية مطّلعة لـ”البوست” أنّ إحدى الشركات اللبنانية الرائدة في مجال تصنيع الهنغارات الحديدية الضخمة سجّلت، خلال الشهر الحالي، أكثر من 70 طلبًا جديدًا من مؤسّسات تجارية وشركات صناعية لتجهيز هنغارات كبرى. وبحسب المصادر، فإنّ هذه الطلبات أتت بمعظمها من شركات ومصانع كانت تعمل في منطقة الجنوب، والضاحية الجنوبية لبيروت، وباتت تبحث اليوم عن نقل أعمالها إلى مناطق “أكثر أمانًا”، في ظلّ الظروف الراهنة، وفي استقراء للمرحلة المقبلة. وأشارت المصادر إلى أنّ الوجهات الجديدة المستهدفة تتركّز بصورة أساسية في نطاق مدينة صيدا وجوارها، إضافة إلى ساحل الشوف، وتحديدًا في المناطق الممتدة من بلدة الرميلة وصولًا إلى خلدة، حيث يتم شراء أراض وعقارات لهذه الغاية، وسط تسجيل استياء من قبل القوى الدرزية والمسيحية الحاضرة في هذه المناطق، وأن الأمر مرشح لمزيد من التعقيد في القادم من الأيام.
في لحظةٍ واحدة، تراجع كلّ ما قيل عن التحوّل الأخضر والحياد الكربوني إلى الهامش، وصعد سؤالٌ بدائيٌّ إلى الواجهة: مَن سيُبقي الضوء مشتعلًا في عالمٍ يختنق؟ لم يكن إغلاق مضيق هرمز تفصيلًا عسكريًّا عابرًا في سياق المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، بل كان ضغطًا مباشرًا على عنق الاقتصاد العالمي، حيث يمرّ عبر هذا الشريان ما يقارب خُمس تجارة الطاقة في العالم. ومع انكماش حركة الملاحة إلى مستوياتٍ شبه مشلولة، لم يعد الحديث عن اضطرابٍ في السوق، بل عن اختناقٍ حقيقيٍّ في النظام الاقتصادي الدولي. شلل وقلق الأرقام التي ظهرت تباعًا لم تكن مجرّد مؤشرات، بل إشارات إنذارٍ صريحة. اختفاء ما يقارب 12 مليون برميل يوميًّا من السوق لم يكن رقمًا تقنيًّا، بل فجوةً تُترجم مباشرةً إلى شللٍ صناعيٍّ وقلقٍ استراتيجي. الأسعار التي قفزت بأكثر من 60 في المئة خلال أسابيع لم تعكس فقط حالة هلع، بل إعادة تسعيرٍ شاملة للمخاطر الجيوسياسية. ومع تزايد التوقّعات بوصول النفط إلى مستوياتٍ غير مسبوقة تقارب 190 دولارًا للبرميل، بدا أنّ العالم يعيد كتابة ذاكرته مع صدمات السبعينيات، ولكن في نسخةٍ أكثر تعقيدًا وتشابكًا. أمّا المخزونات التي تراجعت بمئات الملايين من البراميل خلال فترةٍ وجيزة، فقد كشفت أنّ الهامش الذي كان يُعتقد أنّه آمن، لم يكن سوى وهمٍ مؤجّل. في هذا المشهد، لم تعد الأزمة محصورةً في سوق الطاقة، بل تمدّدت كعدوى إلى عمق الاقتصاد العالمي. تباطؤ التجارة الدولية لم يعد احتمالًا، بل مسارًا مرسومًا، مع تراجع التوقّعات إلى مستوياتٍ تقلّ كثيرًا عن نصف ما كانت عليه قبل اندلاع المواجهة. سلاسل الإمداد التي بالكاد تعافت من أزماتٍ سابقة، عادت لتترنّح، بينما انخفضت تدفّقات الطاقة عبر المضيق إلى نسبٍ هامشية مقارنةً بوضعها الطبيعي. هكذا تحوّلت الأزمة من مسألة نفط إلى أزمة ثقةٍ في استمرارية النظام الاقتصادي نفسه. في لحظة الاختناق، لم ينتصر الوقود الأنظف، بل الوقود المتاح، ولو كان الفحم الخارج لتوّه من ظلمات التاريخ خطّ مواجهة جديد في قلب هذه العاصفة، وجدت دول الخليج نفسها في موقعٍ لم تعهده. المنطقة التي طالما اعتُبرت مركز الثقل في سوق الطاقة تحوّلت فجأةً إلى خطّ مواجهةٍ مباشر. استهداف المنشآت وتعطيل التصدير وضعا هذه الاقتصادات أمام مفارقةٍ قاسية: ارتفاع الأسعار لم يعد مكسبًا عندما تصبح القدرة على البيع نفسها موضع تهديد. بعض الدول التي امتلكت بدائل لوجستية جزئية استطاعت امتصاص جزءٍ من الصدمة، بينما بقيت أخرى أسيرة الجغرافيا، رهينة ممرٍّ واحد يتحكّم بمصيرها الاقتصادي. هنا، لم تعد المعادلة بين العرض والطلب، بل بين الجغرافيا والسيادة. لكن أخطر ما في هذه الأزمة أنّها لم تتوقّف عند حدود الطاقة. فمع اضطراب تدفّقات النفط والغاز، بدأت سلاسل الإنتاج العالمية تتفكّك تدريجيًّا. أسعار الأسمدة ارتفعت بشكلٍ حادّ، ما انعكس مباشرةً على كلفة الإنتاج الزراعي، بينما تأثّرت الصناعات الثقيلة المرتبطة بالطاقة، من الألمنيوم إلى النقل البحري. النتيجة لم تكن مجرّد تضخّم، بل موجةً تضخّميةً مركّبة تمتدّ من الوقود إلى الغذاء، في عالمٍ لم يستعد توازنه بعد. حين سقط وهم التحوّل الأخضر انهيار متسلسل وسط هذا الانهيار المتسلسل، حدث تحوّلٌ يكاد يكون رمزيًّا في قسوته. عاد الفحم. ذلك الوقود الذي أُعلن خروجه من التاريخ تحت ضغط السياسات البيئية، عاد ليحتلّ موقعًا مركزيًّا في قرارات الطوارئ. لم تعد المسألة تفضيلًا بين نظيفٍ وملوِّث، بل بين متاحٍ وغير متاح. الدول التي أغلقت محطّاته أو خطّطت للتخلّي عنه وجدت نفسها تعيد تشغيله بصمت، في اعترافٍ غير مباشر بأنّ الانتقال الطاقوي لم يكن مكتملًا كما رُوِّج له، وأنّ البدائل، مهما بلغت من تطوّر، لا تزال عاجزةً عن سدّ فجوةٍ مفاجئة بهذا الحجم. الحرب بين إيران والولايات المتحدة لم تغيّر فقط موازين القوى، بل كشفت هشاشة السردية التي بُني عليها العالم خلال العقدين الماضيين. لقد تبيّن أنّ الأمن الطاقوي ما زال أسير الممرّات الجغرافية، وأنّ الحديث عن استقلالية الطاقة لا يزال أقرب إلى الطموح منه إلى الواقع. كما اتّضح أنّ القوة لم تعد تُقاس فقط بامتلاك الموارد، بل بالقدرة على تعطيلها، وأنّ الاقتصاد العالمي، رغم كلّ تعقيداته، يمكن أن يُربك من نقطةٍ ضيّقة على الخريطة. لا تبدو الأزمة مجرّد اختبارٍ عابر، بل لحظة كشفٍ قاسية. العالم الذي ظنّ أنّه يسير بثباتٍ نحو مستقبلٍ نظيفٍ ومنظّم، وجد نفسه يعود إلى أكثر أدواته بدائيةً ليحافظ على استمراريته. الفحم، في هذا السياق، ليس مجرّد وقود، بل إشارةٌ إلى خللٍ عميقٍ في توازن الطموح والواقع. وما يجري في مضيق هرمز ليس مجرّد صراعٍ عسكري، بل إعادة تعريفٍ لقواعد اللعبة الاقتصادية العالمية.
في تحوّلٍ استراتيجي، يعيد الاتّحاد الأوروبي تقييم علاقاته مع تركيا، ليس من منطلق تقاربٍ أيديولوجي، بل استجابةً لضروراتٍ أمنيّة وحقائق جيوسياسيّة. فالخوف من الطموحات الروسيّة، وضبابيّة السياسة الأمريكيّة، مقرونَين بالنفوذ التركي المتنامي في ملفّاتٍ تمسّ أمن أوروبا، يجبران القارّة العجوز على تبنّي مقاربةٍ أكثر واقعيّة. لقد ولّت أيّام تهميش أنقرة؛ فاليوم تفرض الحقائق نفسها، وتضع تركيا في قلب معادلة الأمن الأوروبي، كشريكٍ لا يمكن تجاهله في عالمٍ متغيّر. قوّة عسكريّة وموقع استراتيجي تمتلك تركيا ثاني أكبر جيشٍ في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ما يمنحها ثقلاً عسكريّاً يفوق أيّ دولةٍ أوروبيّة داخل الحلف. هذا الثقل، المعزَّز بموقعها الجغرافي، يجعلها حجر زاوية في الأمن الإقليمي. ففي البحر الأسود، لا يقتصر دورها على تطبيق اتّفاقيّة مونترو، بل يمتدّ إلى تزويد الناتو وأوكرانيا بمعلوماتٍ استخباراتيّة بحريّة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على قدرتها على الحوار مع موسكو. وفي البحر المتوسّط، البوّابة الجنوبيّة لأوروبا، عزّزت أنقرة نفوذها بما يؤثّر مباشرةً في المصالح الأوروبيّة. وقد أظهرت تركيا قدرةً فريدة على الموازنة بين التزاماتها بالحلف ومصالحها الوطنيّة، وهو ما بات الأوروبيّون ينظرون إليه كميزةٍ استراتيجيّة. ويمتدّ هذا الدور المحوري إلى مكافحة الإرهاب وإدارة ملفّ الهجرة، وهما قضيتان تحتلّان أولويّة قصوى في أمن أوروبا الداخلي، حيث أثبتت تركيا أنّها شريكٌ لا غنى عنه في هذا المجال، بما يمثّل ركيزةً أساسيّة للأمن الأوروبي. من منافس إلى شريك تتجاوز أهميّة تركيا الجانب العسكري لتشمل الصناعات الدفاعيّة، التي أصبحت أوروبا تنظر إليها كمكمّلٍ لإنتاجها، لا كمنافسٍ له. فقد حقّقت شركات الدفاع التركيّة نجاحاً لافتاً، ولا سيّما في مجال الطائرات المسيّرة التي أثبتت فعاليّتها في صراعاتٍ إقليميّة عدّة. هذا النجاح لم يجعل تركيا مورّداً رئيسيّاً للتكنولوجيا المتقدّمة لحلفاء الناتو فحسب، بل فتح الباب أيضاً أمام تعاونٍ صناعيّ أوسع، كما يتجلّى في صفقة طائرات «يوروفايتر تايفون». هذه الصفقة لا تسدّ فجوةً في قدرات القوّات الجويّة التركيّة فحسب، بل تدمج القاعدة الصناعيّة التركيّة بشكلٍ أعمق في المنظومة الدفاعيّة الأوروبيّة، عبر نقل التكنولوجيا والإنتاج المشترك، ما يخلق مصالح متبادلة طويلة الأمد. ويشمل هذا التعاون أيضاً تطوير أنظمةٍ بحريّة وبرّيّة، بما يعزّز قدرة أوروبا على مواجهة التحدّيات الأمنيّة المستقبليّة بصورةٍ جماعيّة. أبعاد اقتصاديّة وأمن الطاقة على الصعيد الاقتصادي، ترتبط أوروبا وتركيا بعلاقاتٍ راسخة لا يمكن فصلها عن الاعتبارات السياسيّة. فقد خلقت اتّفاقيّة الاتّحاد الجمركي لعام 1995 منطقةً اقتصاديّة متكاملة، إذ تجاوز حجم التجارة الثنائيّة 210 مليارات يورو في عام 2024. كما تدير آلاف الشركات الأوروبيّة مصانع في تركيا، مستفيدةً من انخفاض تكاليف الإنتاج وسهولة الوصول إلى الأسواق الأوروبيّة. هذا التكامل الصناعي يخلق حافزاً قويّاً لدى مجتمعات الأعمال الأوروبيّة للحفاظ على علاقاتٍ مستقرّة وبنّاءة مع أنقرة. كما أنّ تحديث الاتّحاد الجمركي ليشمل قطاعاتٍ جديدة، كقطاعي الخدمات والتجارة الرقميّة، من شأنه أن يطلق العنان لإمكاناتٍ اقتصاديّة هائلة للطرفين، ويعزّز النموّ الاقتصادي المشترك. وفي مجال الطاقة، يبرز دور تركيا كممرٍّ حيويّ لأمن الطاقة الأوروبي. فأراضيها تحتضن خطوط أنابيب رئيسيّة تنقل الغاز من بحر قزوين وآسيا الوسطى، ما يساهم مباشرةً في استراتيجيّة أوروبا لتنويع مصادر الإمداد بعيداً عن الهيمنة الروسيّة. ومع طموح أنقرة المشروع للتحوّل إلى مركزٍ إقليميّ للطاقة، تتزايد أهميّتها الاستراتيجيّة لأوروبا، التي تجد في تركيا شريكاً موثوقاً لتحقيق أمن الطاقة على المدى الطويل. إنّ تطوير البنية التحتيّة اللازمة لزيادة قدرة تركيا على تصدير الغاز إلى أوروبا يمثّل استثماراً استراتيجيّاً لكلا الجانبين. انقسامات أوروبيّة على الرغم من هذه المصالح المشتركة، فإنّ الطريق نحو شراكةٍ استراتيجيّة كاملة ليس سهلاً. فالمواقف داخل الاتّحاد الأوروبي متباينة؛ إذ تدفع دول مثل بولندا وإيطاليا وإسبانيا نحو تعميق العلاقات، مدفوعةً بمصالح أمنيّة واقتصاديّة، فيما تتّخذ دول أخرى، كفرنسا واليونان، موقفاً أكثر تحفّظاً، نتيجةً للتنافس الجيوسياسي والنزاعات التاريخيّة. هذا الانقسام الداخلي يعقّد عمليّة صنع القرار في بروكسل، ويجعل من الصعب على الاتّحاد الأوروبي تبنّي سياسةٍ موحّدة تجاه تركيا، كما يُبقي طموح أنقرة بالانضمام إلى الاتّحاد بعيد المنال في الوقت الراهن. وتجاوز هذه الخلافات يتطلّب حواراً صريحاً وبنّاءً، وتركيزاً على المصالح المشتركة التي تفوق نقاط الخلاف. الواقعية السياسية تدخل العلاقة بين أوروبا وتركيا مرحلةً جديدة تتّسم بالواقعيّة السياسيّة البحتة. فالمصالح المشتركة، ولا سيّما في مجالي الأمن والطاقة، أصبحت أقوى من أيّ وقتٍ مضى، وتدفع الطرفين نحو تعاونٍ أعمق. قد لا تتطوّر هذه العلاقة إلى تحالفٍ استراتيجيّ كامل في المدى المنظور، لكن المؤكّد أنّ أوروبا لم تعد قادرة على تهميش تركيا، بل باتت ترى في دمجها ضرورةً لا غنى عنها لضمان أمنها واستقرارها في مواجهة عالمٍ يزداد اضطراباً. إنّ مستقبل هذه الشراكة يعتمد على قدرة الطرفين على إدارة خلافاتهما ببراغماتيّة، والبناء على المصالح المشتركة لتحقيق مستقبلٍ أكثر أمناً وازدهاراً للجميع. إنّها بالفعل شراكة تفرضها ضرورات الواقع، وتتطلّب حكمةً سياسيّة ورؤيةً استراتيجيّة من الجانبين لضمان نجاحها واستمراريّتها.