تنظرُ إلى المشهد من بعيد.تخالُ أنّ الجدالَ «المستعر» اليوم يدور في ضواحي فرانكفورت أو طوكيو أو بيرنيهات الهندية. تحزنُ حين تعلم أنّها صيدا. باتت هذه المدينة وموضوعُ النفايات كتوأمٍ سياميٍّ يصعب فصلهما من دون دم. هل يُعقل أن يقبع على طرف المدينة لغزٌ وجوديٌّ لم يستطع أحدٌ من القوى السياسية والأمنية والقضائية والنقابية والجمعيات الأهلية، وحتى العوام، حلَّه منذ أكثر من 20 سنة؟ ماذا نعرف عن المعمل، وأزمات النفايات والكنس والجمع والفرز والعوادم، والكبّ في البحر، وجبال النفايات، و«النكيشة»؟ لا شيء علميًّا أو موثّقًا.كلامٌ للشعبوية، وبناءُ معارك وهمية، واستغلالٌ سياسيّ وماليّ. هل المعمل نعمة أم نقمة؟ ما مدى الصعوبة المتوقَّعة، في عصر الذكاء الاصطناعي، أن نُجيب على هذا السؤال مرّة واحدة وحاسمة؟ أن نعلم ما يجري هناك فعليًّا؟أن نُشخّص المشكلات، ونضع الاستراتيجيات والحلول، ونبدأ بالمعالجة تدريجيًّا للوصول إلى وضعٍ طبيعيٍّ بالحدّ الأدنى؟ كلامٌ، ولو بدا تنظيرًا، إلّا أنّه الحقيقة المُبسّطة. إن وُجدت الإرادة، والقدرة على اتخاذ القرار وتنفيذه ومتابعته بشفافية، وتقديم مصلحة صيدا على ما عداها من حساباتٍ ضيّقة، ومنافع مادية، وأهواء شخصية. حليب سبَاع في المدينة اليوم مشكلةٌ إضافية تنضمّ إلى مجموع المشكلات الكثيرة التي تعانيها أصلًا، والتي تدخل في نطاق العمل المركزي لمجلسها البلدي، وما أكثرها.قبل أيام، اتخذ رئيس البلدية مصطفى حجازي قرارًا «كبيرًا» لم نعهده على هذا النحو سابقًا، بطلبه من معمل النفايات في المدينة التوقّف عن استقبال «زبالة» قرى وبلدات منطقة جزين، بذريعة أنّه يكفي صيدا مشكلاتها مع نفاياتها التي تتكدّس جبالًا على الحوض الشرقي للمتوسط. في الظاهر، يبدو القرار عظيمًا لصالح المدينة وأهلها، بذريعة أنّ صيدا لا يجب أن تكون مكبَّ نفاياتٍ لمحيطها، إلّا أنّه في الحقيقة قرارٌ مجتزأ لا يقدّم حلًّا بقدر ما يُثير مشكلات. بحسب معلومات جريدة «البوست»، فإنّه لا خلفية سياسية للقرار المتّخذ من قبل حجازي، وأنّه لم يُتخذ بشكلٍ مفاجئ كما يُقال، بل جرى إبلاغ البلديات المعنية بهذا التوجّه قبل نحو شهر من نهاية العام الماضي للتحضير، لكنهم لم يحرّكوا ساكنًا حياله.ويُذكَر أنّ رئيس البلدية السابق حازم بديع كان قد اتخذ قرارًا مشابهًا في عام 2024، لكنّه لم يحظَ بهذا اللغط والضجيج اللذين رافقا هذا القرار المستغرَب في التوقيت والمضمون. السؤال الأساسي اليوم لا يكمن في القرار نفسه، بل إلى أيّ مدى يمكن الاستمرار به، وكيف سيتمّ توظيفه سياسيًّا قبيل موسم الانتخابات النيابية بين صيدا وجزين وهل من «المُحرِز» اتخاذ خطوة كهذه لإثارة البلبلة بين صيدا وتوسّعها الجزيني؟ ليست جزين المشكلة فحسب من المؤكّد أنّ صيدا، كمدينةٍ عظيمة، لا يجب أن تكون مزبلةً لأحد، وليس جزين فحسب.المشكلة اليوم ليست في نفايات جزين، التي لا يتعدّى حجمها، بحسب عارفين، ما بين 14 و17 طنًّا يوميًّا، تختلف بحسب المواسم صيفًا وشتاءً، وهي لا تشكّل أكثر من 10% من أصل نحو 240 طنًّا من النفايات التي يعالجها المعمل يوميًّا. فإن كانت لغةُ الأرقام لا تكذب، حتى ولو ندرَت حين يتمّ التعاطي مع أداء هذا المعمل، فإنّ معالجةً حقيقية، بعيدًا عن «الشعبوية» التي لا يُجيدها حتى المجلس البلدي على أصولها، تفترض منع إدخال نفايات بلدات وقرى قضاء الزهراني، الممتدّة من حارة صيدا وصولًا إلى ما بعد مصيلح. عندها فقط يمكن القول إنّ بداية حلّ كثرة أحجام النفايات المعالجة من «الخارج» قد وُضعت على السكة الصحيحة. من دون أن نغفل أنّ مخيّم عين الحلوة وحده يُنتج أكثر من 50 طنًّا من النفايات يوميًّا، ومن واجب «غوتشيرز» (أمين عام الأمم المتحدة) وأثرياء فلسطين المستجدّين معالجتها، لا من واجب حجازي أن يقلق وحده في هذا المجال. جبال من النفايات تتكدس على واجهة المدينة البحرية ما يجري في صيدا ليس أزمة نفايات، بل أزمة قرار مزمنة. المشكلة لا تكمن في أطنانٍ تدخل أو تُمنع، بل في عقلٍ اعتاد إدارة الكارثة بالتجزئة والارتجال، وتقطيع المسؤوليات، والذهاب إلى قرارات سهلة قابلة للتسويق بدل حلول صعبة قابلة للحياة. قرار وقف نفايات جزين، مهما بدا جذّابًا في العنوان، لا يقترب من جوهر المأساة القائمة على شاطئ المدينة، ولا يمسّ شبكة المصالح والترضيات التي حوّلت معمل النفايات إلى «صندوقٍ أسود» محميّ سياسيًّا، لا تُفتح دفاتره ولا تُمسّ إدارته.هو قرار منخفض الكلفة سياسيًّا، لأن عبئه يُرمى على «الآخر»، لا على مراكز النفوذ الفعلية المرتبطة بالمعمل وبامتداداته الجغرافية والمالية. الأخطر أنّ هذا النوع من القرارات يُنتج وهْمَ فعلٍ عامّ، بينما يراكم العجز الحقيقي. يدغدغ الشارع مؤقتًا، ويؤجّج انقسامًا مناطقيًّا بلا جدوى، ثم يُعاد تدويره انتخابيًّا كإنجاز، فيما الجبال نفسها من النفايات تبقى في مكانها، تكبر بصمت، وتتعفّن مع المدينة وأهلها. تؤكّد مصادرُ مطّلعة لـ«البوست» أنّ المفارقة فيما يُثار اليوم تكمن في أنّ معمل النفايات يعمل حاليًّا في أفضل حالاته منذ إنشائه، من حيث الفرز والمعالجة وتحديث الآلات والمكننة المطلوبة لاستمراريته، ومع ذلك يعيش أزمةً جديدة كان في غنى عنها. كما تؤكّد مصادر سياسية مطّلعة أنّ عمر هذه الأزمة المستجدّة لن يتجاوز شهرين كحدٍّ أقصى، ليُصار بعدها إلى معاودة استقبال النفايات، فتعود الأمور إلى سابق عهدها. وتوقّفت مصادر صيداوية مخضرمة عند السؤال عن سبب عدم إقدام أيٍّ من فاعليات جزين على إنشاء معمل معالجة أو مطمر بيئي، على الرغم من أنّ بلدات وقرى المنطقة لا ينقصها رجالُ أعمالٍ أثرياء قادرون على استثمار بضعة ملايين من الدولارات لحلّ أزمات ومشكلات أهلهم ومنطقتهم، ولا سيّما أشخاصًا كأمل أبو زيد، إلّا في حال كان يُنظر إلى صيدا باعتبارها ممرًّا للحلويات ومستقرًّا للنفايات؟ صيدا لا تحتاج إلى بطولات انتقائية ولا إلى قرارات موسمية. تحتاج إلى مواجهة كاملة: كشف الأرقام الحقيقية، فتح العقود، تحديد المسؤوليات، وامتلاك الجرأة السياسية لكسر الحلقة التي تحمي هذا الملف منذ أكثر من عشرين عامًا. ما دون ذلك ليس حلًّا، بل إدارة وقت، وتأجيل انفجار، وتدوير أزمات.
علمت «البوست» من مصادر سياسيّة مطّلعة أنّ رئيسَ إحدى البلديّات المحيطة بمدينة صيدا دخل على خطّ ملف معمل فرز ومعالجة النفايات في المدينة، متولّيًا دور الوسيط السياسي لدى وزارة الماليّة لدفع المبالغ المستحقّة للمعمل، في خطوة وُصفت بأنّها خارجة عن نطاق الصلاحيّات البلديّة المباشرة. وبحسب معلومات دقيقة، فإنّ رئيس البلديّة، المعروف بنشاطه الميداني، فاتح وزير الماليّة ياسين جابر بهذا الملف، مستندًا إلى تقاربٍ سياسيّ بين الطرفين، وسأل صراحة عن إمكانيّة صرف مستحقّات المعمل المتراكمة. غير أنّ ردّ جابر جاء حاسمًا، إذ أكّد أنّ صرف أيّ أموال غير وارد في المرحلة الراهنة، في ظلّ عدم استقرار وضع المعمل، وكثرة التساؤلات المثارة حول إدارته، وأدائه، وملفّاته الماليّة. وتلفت مصادر متابعة إلى أنّ هذه الوساطة لا يمكن فصلها عن محاولات إعادة تعويم المعمل ماليًّا قبل حسم الإشكاليّات العالقة المرتبطة به، ولا سيّما في ظلّ تصاعد الانتقادات الشعبيّة والبلديّة لأداء المعمل وكلفته وجدواه. ويبقى السؤال الأشدّ إحراجًا، ما الذي يدفع رئيس بلديّة لا يدخل المعمل ضمن نطاق مسؤوليّاته وصلاحيّاته، إلى لعب دور الواجهة السياسيّة لهذا الملف؟وهل ما يجري مجرّد «مسعى حسن نيّة»، أم حلقة في مسار ضغطٍ منظّم لفتح خزائن الدولة قبل فتح دفاتر المعمل؟
في مدينةٍ اعتادت على الأزمات الثقيلة والملفات الشائكة، لم يعد ارتفاع منسوب الانتقاد السياسي حدثًا استثنائيًا بحدّ ذاته، بقدر ما بات السؤال يتعلّق بشكل هذا الانتقاد، وتوقيته، وحدوده. ففي الأسابيع الأخيرة، لوحظ تصاعد نبرة الملاحظات والانتقادات التي يوجّهها النائب أسامة سعد إلى المجلس البلدي لمدينة صيدا، لكنّها ملاحظاتٌ تُدار في معظمها عبر منصّات التواصل الاجتماعي، وتحديدًا من خلال التعليق على صور ومنشورات، أكثر ممّا تُترجم إلى مواقف سياسية مباشرة أو خطوات مساءلة فعلية. معارضة بلا مواجهة بحسب مصادر صيداوية متابعة، فإن ما يُقدَّم على أنّه تصعيد سياسي لا يتجاوز عمليًا حدود «الوقوف على الدَّقرة»، لكن هذه المرّة في الفضاء الافتراضي. فالنائب الذي يمتلك حضورًا سياسيًا طويلًا في المدينة، اختار إدارة خلافه مع البلديّة من الزاوية الأسهل: انتقاد الأداء البلدي من دون الذهاب إلى أصل المشكلة أو تسمية المسؤوليات الأوسع، وكأنّ المجلس البلدي بات الحلقة الأضعف التي يمكن شدّها انتخابيًا من دون دفع أثمان سياسية حقيقية. وتتساءل المصادر عن مغزى هذا التوقيت تحديدًا، في ظل اقتراب الاستحقاق الانتخابي النيابي، وبدء تلمّس خطوط أولية لخارطة التحالفات المقبلة. فهل ما يجري هو دفاع فعلي عن حقوق الناس، أم محاولة لشدّ العصب الشعبي عبر معركة منخفضة السقف، لا تُغضب أحدًا في مواقع القرار؟ عشرون عامًا… ماذا بعد؟ السؤال الأكثر إحراجًا، والذي يتجنّبه الخطاب الشعبوي، يتعلّق بما قُدِّم فعليًا لمدينة صيدا خلال أكثر من عقدين من العمل النيابي. فإذا كان المجلس البلدي بهذه الصورة التي تُسوَّق للرأي العام، فأين كانت المعالجات السياسية طوال هذه السنوات؟ ولماذا يُستحضر الخلل اليوم، وبهذه الصيغة تحديدًا، بدل تحويله إلى ملف مساءلة مؤسساتية واضحة؟ الأكثر إرباكًا أنّ داخل المجلس البلدي نفسه، يوجد أعضاء محسوبون سياسيًا على النائب سعد، وفي مقدّمهم أبو سلطان الدندشلي. وهنا يطرح السؤال نفسه بقسوة: إن كانت التجاوزات بهذا الحجم، لماذا يستمر هؤلاء في مواقعهم؟ ولماذا لا يبادرون إلى الاستقالة وكشف الوقائع للرأي العام، بدل الاكتفاء بمشهدية الانتقاد من الخارج؟ في الكواليس، لا تنفصل هذه الحملة عن التوتّر القائم بين النائب سعد ورئيس البلديّة مصطفى حجازي. فبحسب مطّلعين، تعود جذور الخلاف إلى الإشكال الذي حصل مع بائعي بسطات السمك، والذي شكّل نقطة تحوّل في العلاقة بين الطرفين. ومنذ ذلك الحين، يتحدّث أكثر من مصدر عن قطيعة غير معلنة، تُرجمت بتجاهل الاتصالات وبتحوّل الخلاف الإداري إلى نزاع سياسي مكتوم. ويذهب البعض أبعد من ذلك، معتبرين أنّ هذا الملف هو الورقة الأخيرة المتاحة أمام سعد في المرحلة الحالية، لشدّ عصب جمهوره التقليدي، في ظل غياب ملفات كبرى يمكن الاستثمار فيها سياسيًا، أو معارك حقيقية مع مراكز القرار الفعلي. معركة بلا كلفة يبدو أنّ صيدا أمام مشهد مألوف في السياسة اللبنانية، معارضة مرتفعة الصوت ومنخفضة السقف، تُدار حيث لا خطر، وتُخفَض حيث تصبح المواجهة مكلفة. فحين تُستبدل المحاسبة الفعلية بالتعليق تحت الصور، وتُختصر السياسة بمنشور غاضب، يتحوّل المجلس البلدي إلى ساحة تدريب انتخابي، لا أكثر. ويبقى السؤال الأهم، هل تحتاج صيدا إلى مزيد من الضجيج الافتراضي، أم إلى معارك حقيقية تُخاض حيث يجب، وبمنطق تحمّل المسؤولية لا تسويق الغضب؟