كمية الحشو في وسائل التواصل، في شتى المواضيع، أصبحت تبعث على الإعياء… كأنك تمشي في سوقٍ بلا أبواب؛ تُفتح عليك فيه كل الأصوات دفعة واحدة: مواعظ، نظريات، “تحليلات”، وحقائق “نهائية”. ثم تصحو لتكتشف أنك لم تتعلم شيئًا سوى فنّ الامتلاء الفارغ الحقائق النهائية وثقافة اليقين السريع مسألة “الحقائق النهائية” و”الإجابات اليقينية” هي الطامة الكبرى: كلٌّ يتحدث بلا أدنى مستوى من البحث والتحقق. يتحدثون بناءً على تجاربهم الخاصة ومعارفهم الضيقة وما اعتادوه في محيطهم الصغير، ثم يوزعون النصائح على العالم أجمع. والحقيقة أن بناء الأفكار على التجارب الشخصية وحدها قمة الانغلاق والجهل. صار الواحد يفتح فمه فتخرج منه “موسوعة”… بلا مراجع طبعًا، لأن “التجربة الشخصية” أهم من كل شيء: هي الدليل والبرهان، وهي ختم الجودة. وتتوالد النظريات كالإشعارات على هاتفك حين تضعه في جيبك: لا تدري من أين تأتي، لكنها لا تتوقف. نظريات لا تنتهي عن الغرب وجذوره الفلسفية المتمثلة في “جزيرة الشيطان”، ونظريات أخرى تدافع عن الغرب وتتهم الشرق بـ”جزر شيطانية” كثيرة. كل طرف يمسك خريطته، يرسم الشر حيث يشاء، ثم يطلب من الناس التصفيق لاكتشافه العظيم: “لقد وجدتُ الشيطان!”… وكأن الشيطان يسكن بلادًا دون أخرى. فلا كلام عن الآليات، ولا عن الفلسفات الاجتماعية والثقافية والتاريخية التي قدّمها علماء كبار، ابتداءً بابن خلدون وانتهاءً بطلال أسد مثلًا، فهؤلاء لا يعرفون شيئًا أمام “عظماء اليوم”. ثم يخرج علينا من يدافع عن الغرب ليحدثك عن أهمية الثقوب السوداء التي اكتشفها أحد كبار المريدين لتلك “الجزيرة”… وكأن الثقوب السوداء أطعمتنا وأشبعتنا وقدّمت حلولًا لمشاكل هذا العالم. نعم، العلم مهم، والثقوب السوداء مدهشة؛ لكن ما علاقة ذلك بالاستعلاء الذي يُلقى علينا كأنه فاتورة حضارة؟ هنا لا يتكلم العلم… يتكلم الكِبر. لم يهن عليه، وهو الكاره لمفهوم الدين عمومًا، أن تسجّل المنظومة الدينية نقطة في شباك العلم، أو في “الحضارة الغربية” نقطة إضافية لأنها عنده مرادفة للعلم والعلمانية. فلا يرى الأمور إلا من منظار تسجيل النقاط، تمامًا كرجل الدين الذي ينتقده: مباراة طويلة بعنوان “من منا أفضل؟” والاثنان يلعبان في الملعب نفسه وبالقواعد نفسها، وإن اختلفت الأزياء. العلم… أداة استعلاء هذا يتهم ذاك بالتخلف والرجعية وأنه العائق الأساسي في طريق التقدم، وهو في الوقت نفسه لم يتقدم خطوة واحدة، رغم انفتاحه وتفتحه واستفتاحه؛ على جميع الأوزان. وذاك يتهم الأول بالكفر وسبب البلوى، وبأنه أداة “المؤامرة الخارجية” التي تريد التدمير. النتيجة واحدة: ضجيج فوق ضجيج، وخصومة تُطعم الأنا ولا تُطعم العقل. كأن الهدف ليس أن نفهم… بل أن ننتصر. وبين هذا وذاك يبدأ السيرك الأكبر: كلام في “الإصلاح الديني” وهجوم على الدين، ودفاع عن الدين بشكل أسخف من الهجوم. كأننا لا نعرف كيف نختلف إلا بطريقة تُهيننا جميعًا: من يهاجم يبالغ حتى يفرغ المعنى، ومن يدافع يبالغ حتى يشوّه المعنى. في النهاية يخرج الدين من الحلقة متسخًا؛ لا لأنه دين، بل لأننا جعلناه مادة للعرض السريع، مثل “ستاند أب” ثقيل الدم… لا يضحك إلا صاحبه. ثم يأتي “المصلحون الجدد”، وليس في جُعَب إصلاحهم غير “تجديد الخطاب الديني”. وكلما استمعت إليهم تردد في ذهني سؤال واحد: من يتهمون في مسألة الدين؟ الناس؟ الفقراء؟ المساكين؟ أم السلطات؟ طيب ما السلطات معكم. أعظم السلطات في المنطقة تدعم مسألة التجديد، وحتى سلطات القرن العشرين كانت معكم أكثر؛ وكانت تبطش وتقتل وتقمع. أين المشكلة إذن؟ إذا أنت كتبت كتاب تحاول أن تُفهمنا فيه أنّ الإسلام يُختصر في العدل والإنصاف فقط… طيب لِمَ لا تشرح هذا لداعميك، الذين يقدرون فعلًا أن يحققوا هذا، لا لنا نحن؟ نحن آخر من يملك زر التنفيذ! ولأن الحشو لا يكتمل إلا بحشوٍ مضاد، تنتشر فيديوهات لا تحتوي على شيء مهم أو علمي، وإنما “مقاربة جذابة” لأمر لطيف ومعروف لدى الجميع. مثل الفيديو الذي يحدّثك عن توم وجيري: أن هذا البرنامج الكرتوني ربّانا على حب الذكاء والمصلحة بدلًا من الرحمة والشفقة. شو هالحكي بالله؟ يعني طفل يشاهد مطاردة كرتونية صار مشروع فلسفة أخلاقية؟ وصار علينا أن نعيد قراءة طفولتنا بمنهج “المؤامرة التربوية”؟ هذا ليس تحليلًا… هذا حشو بهدف الحشو فقط، مغلف بورقٍ لامع كي يبدو عميقًا. النتيجة واحدة: ضجيجٌ فوق ضجيج، وخصومةٌ تُطعم الأنا ولا تُطعم العقل. كأنّ الهدف ليس أن نفهم… بل أن ننتصر بين الحِلّة والمعنى..أن نمتلئ ولا نمتلئ المتفيقهون… صناعة الدموع الرقمية أنا لا أعارض المبدأ، ولا أمانع البحث والتحقق. لكن هذا الكلام نفسه غير متسق: شاهدنا أيضًا أبطالًا يدافعون عن الحق وينصرون المظلوم، وشاهدنا حلقات ملأتنا بالرحمة والشفقة وأسالت دموعنا. وفوق ذلك، كتب التراث العربية والإسلامية مليئة بقصص التسلية والنوادر التي تمدح الذكاء وتصور تفوقه على البساطة والسذاجة. فهل سندين التراث أيضًا لأن فيه “نوادر”؟ أم سننتقي ما يخدم الفكرة ونترك ما يهدمها؟ الحكاية ببساطة: نريد فكرة جاهزة، ثم نفتش لها عن أدلة… ولو من كرتون. ثم يخرج علينا أحد المتفيقهين، وما أكثرهم، يبيع برَّه لوالديه كذبًا بعَرَضٍ من السوشيال ميديا؛ يلعن السوشيال ميديا التي هي سبب وجوده، بل سبب ارتزاقه. يكرهها وهو يتغذّى منها، ويبصق عليها وهو يتوضأ بمائها، ويعلن أنه ضدها من داخلها، ثم يطلب منك أن تثق بـ”نقائه” لأنه يغوص في حديثه أكثر… وهو يمنع نفسه من البكاء: البكاء على “حالة البشرية” الغبية التي صدقته وجعلته من أصحاب الملايين. مشهد كامل: دمعة محبوسة، صوت متهدّج، و”لايكات” تتكاثر… ورسالة عميقة جدًا لدرجة أنها لا تقول شيئًا. وهؤلاء المتفيقهون يجيبون دائمًا عن كل سؤال، كما لو أن الجميع يجيب عن كل شيء. لا أحد يقول: لا أدري. لا أحد يعترف: هذا خارج اختصاصي. لا أحد يترك مساحة للصمت كي يتنفس المعنى. أدب الاستهلاك… المعركة الحقيقية صار الناس يعرفون كل شيء؛ يعني حتى أكثر من النبي عليه الصلاة والسلام، فقد كانت تأتيه أسئلة ليس عنده لها إجابات؛ وهذا طبيعي. وربنا جل في علاه قال: “لا تسألوا عن أشياء إن تُبدَ لكم تسؤكم” يعني بلا أسئلة بلا طعمة، وأسئلة بلا ضرورة، وأسئلة لا تزيد الإنسان إلا تيهًا. والأبشع من الحشو نفسه أن الناس تريد أن تستهلك الحشو. تريده لأنه خفيف وسريع، يملأ الوقت من غير أن يطلب منك جهدًا، يربت على كسلك ويقول لك: “أنت فهمت.” والحقيقة أنك لم تفهم… أنت فقط امتلأت. أنا لا أنتقد وسائل التواصل بذاتها، ولا ألوم الشاشة، ولا ألعن التقنية. ولست ممن يهاجم “الحتميات” ليعتاش على الهجوم؛ فمصارعة الحتميات كثيرًا ما تشبه أحلام دونكيشوت في مصارعة طواحين الهواء. لكنني أبحث عن شيء أبسط وأصعب في الوقت نفسه: الأدب. أدب التعامل مع الواقع، وأدب الأولويات، وأدب الفهم والفقه، وأدب البحث، وأدب الاختلاف مع الآخر- لا بالشعارات بل بالفعل. وعلى رأس هذه الآداب: أدب الاستهلاك؛ الاستهلاك جيد إذا التزم حدود الأدب. أنا أنتقد هذا الجوع الغريب الذي صار عندنا: أن
حين يُطرَح اسمُ رئيسِ دولةٍ في سياقِ الاعتقال أو الملاحقة خارجَ حدودِ بلاده، لا يعودُ السؤالُ محصورًا في مصيرِ شخص، بل يتّسعُ ليطالَ جوهرَ النظامِ برمّتِه: هل يتوقّفُ الحُكم إذا غابَ الحاكم؟ وهل تنهارُ الدولةُ إذا أُزيحَ رأسُها، أم تستمرّ كما لو أنّ شيئًا لم يحدث؟ ما يُثارُ اليوم حولَ فنزويلا ورئيسِها نيكولاس مادورو، بعيدًا عن تفاصيلِه القانونيّة والسياسيّة، يعيدُ إلى الواجهة سؤالًا فلسفيًا قديمًا بقِدمِ السّلطة نفسها: مَن هو المهمُّ حقًّا في الحُكم؟الشخصُ الذي يتجسّدُ فيه القرارُ والشرعيّةُ والهيبة؟ أم المؤسّسةُ التي يُفترضُ أن تحكمَ باسمِ الشّعب، وتبقى بعدَ ذهابِ الأفراد؟ هذا السؤالُ ليس ترفًا نظريًا، بل امتحانٌ قاسٍ للدّول، يظهرُ بوضوحٍ عند الأزماتِ الكبرى، وعند اهتزازِ القادة أو غيابِهم القسريّ. فالدولةُ التي تُختَزلُ في شخصٍ واحد، تُصابُ بالشّلل حين يُمسّ هذا الشّخص، أمّا الدولةُ التي تحكمُها مؤسّساتٌ راسخة، فتتعاملُ مع الحدثِ كاختبارٍ صعب… لا كنهايةِ الطّريق.من هنا، لا تبدو قضيّةُ مادورو مسألةً فنزويليّةً خالصة، بل مرآةً تعكسُ إشكاليّةً أعمق في أنظمةِ الحُكم الإنسانيّ. منذ أن نظّم البشرُ أنفسَهم في مجتمعات، دارَ جدلٌ فلسفيٌّ عميق حول حجرِ الزّاوية الذي يجبُ أن يرتكزَ عليه الحُكمُ الرّشيد: هل هو القائدُ الفذّ، الشّخصيّةُ المُلهِمة ذاتُ الحكمةِ والكاريزما؟ أم هي المؤسّسةُ القويّة، النظامُ المُحكَم الذي يعملُ بقوانينَ وإجراءاتٍ ثابتةٍ لا تتأثّرُ بالأفراد؟هذا السؤالُ ليس مجرّد ترفٍ فكريّ، بل هو جوهرُ الصّراع بين نماذجِ الحُكم المختلفة عبرَ التّاريخ، وهو الذي يحدّدُ مصيرَ الدّول واستقرارَ حياةِ البشر. رهانٌ على الاستثناء يزخرُ التّاريخ بقصصِ القادةِ العظام الذين غيّروا مجرى التّاريخ بفضلِ صفاتِهم الشّخصيّة. من “الملكِ الفيلسوف” في جمهوريّةِ أفلاطون، الذي رأى أنّ الحُكم يجبُ أن يكونَ في يدِ مَن يمتلكُ المعرفةَ والحكمةَ المطلقة، إلى القادةِ المُلهِمين في العصرِ الحديث الذين بنَوا أُممًا أو قادوا ثورات.تعتمدُ هذه النّظرةُ على فكرةِ أنّ الفردَ الاستثنائيّ، بعبقريّتِه ورؤيتِه الأخلاقيّة، هو القادرُ على تجاوزِ جمودِ القوانين واتّخاذِ القراراتِ الصّائبة التي تعجزُ عنها الأنظمةُ البيروقراطيّة. هذا النّموذجُ يرى في المؤسّسة مجرّد أداةٍ في يدِ القائد. فالمؤسّسةُ بلا قائدٍ حكيم تصبحُ آلةً صمّاء، وقد تتحوّلُ إلى عقبةٍ أمامَ التّقدّم. ويرى أنصارُ هذا الفكر أنّ الأزماتِ الكبرى واللّحظاتِ التّاريخيّة الحاسمة لا تتطلّبُ تطبيقَ القواعد، بل تتطلّبُ شجاعةَ فردٍ ورؤيةً استثنائيّة.إلّا أنّ هذا الرّهانَ على الفرد محفوفٌ بالمخاطر. فماذا يحدثُ عند غيابِ هذا القائد أو موتِه؟ وماذا لو تحوّلت عبقريّتُه إلى طغيان، وقوّتُه إلى أداةٍ للقمع؟التّاريخُ أيضًا مليءٌ بقصصِ القادةِ الذين بدأوا كمُنقذين وانتهوا كطغاة، مستغلّين غيابَ المؤسّساتِ القويّة التي يمكنُ أن تكبحَ جماحَهم. إنّ الثّنائيّةَ بين الفردِ والمؤسّسة هي في حقيقتِها ثنائيّةٌ زائفة. فالحُكمُ الرّشيد لا يمكنُ أن يقومَ على أحدِهما دون الآخر. إنّها علاقةٌ تكامليّة تُشبهُ علاقةَ الرّوح بالجسد قوّةُ المؤسّسة على النّقيضِ من ذلك تمامًا، تقفُ فلسفةُ الحُكم القائمِ على المؤسّسات. يرى هذا التّيّار، الذي تعودُ جذورُه إلى الفيلسوفِ اليونانيّ أرسطو، ومن بعدِه مفكّرو العقدِ الاجتماعيّ مثل جون لوك ومونتسكيو، أنّ الخلاصَ لا يكمنُ في انتظارِ “البطلِ المُنقذ”، بل في بناءِ نظامِ حُكمٍ قويٍّ ومستقرّ.المؤسّسةُ هنا هي مجموعةُ القوانينِ والدّساتيرِ والإجراءات التي تُنظّمُ السّلطةَ وتُوزّعُها، وتضمنُ عدمَ تمركزِها في يدِ شخصٍ واحد. المؤسّسةُ لا تشيخُ ولا تموت، ولا تقعُ فريسةً للأهواءِ الشّخصيّة أو النّزوات. إنّها توفّرُ إطارًا ثابتًا يمكنُ للجميع العملُ من خلالِه، وتضمنُ استمراريّةَ الدّولة واستقرارَها بغضّ النّظر عن هويّةِ الحاكم.في هذا النّموذج، “حُكمُ القانون” هو المبدأُ الأسمى، وليس “حُكمُ الرّجال”. فالقائد، مهما بلغت حكمتُه، هو نفسُه خاضعٌ للمؤسّسة والقانون، وليس فوقَهما.هذا النّظامُ يهدفُ إلى حمايةِ المجتمع من أسوأِ ما في الطّبيعةِ البشريّة: الميلِ إلى السّلطةِ المطلقة والفساد. لكنّ الاعتمادَ الكلّيَّ على المؤسّسات له عيوبُه أيضًا. فقد تتحوّلُ المؤسّساتُ إلى بيروقراطيّةٍ مُعقّدةٍ وجامدة، تفقدُ مرونتَها وقدرتَها على الاستجابةِ للتّحدّياتِ الجديدة.يمكنُ أن تصبحَ القوانينُ غايةً في حدّ ذاتِها، لا وسيلةً لتحقيقِ العدل، ممّا يخلقُ حالةً من الشّلل والعجز عن اتّخاذِ قراراتٍ حاسمةٍ في أوقاتِ الأزمات. لا فردَ بلا مؤسّسة، ولا مؤسّسةَ بلا روح إنّ الثّنائيّةَ بين الفردِ والمؤسّسة هي في حقيقتِها ثنائيّةٌ زائفة. فالحُكمُ الرّشيد لا يمكنُ أن يقومَ على أحدِهما دون الآخر. إنّها علاقةٌ تكامليّة تُشبهُ علاقةَ الرّوح بالجسد. المؤسّسةُ هي الهيكلُ العظميّ للدّولة؛ فهي توفّرُ الإطارَ الصّلب الذي يمنحُ الدّولةَ شكلَها واستقرارَها، ويحميها من الانهيار. وبدونِ مؤسّساتٍ قويّة (قضاءٍ مستقلّ، برلمانٍ فاعل، جيشٍ وطنيّ، إدارةٍ شفّافة)، يصبحُ الحُكمُ مجرّدَ ممارسةٍ عشوائيّة للسّلطة، عُرضةً للانهيار مع أوّلِ أزمة. أمّا الفردُ، فهو الرّوحُ التي تبثُّ الحياةَ في هذا الهيكل. إنّ القادةَ ذوي الرّؤية والأخلاق هم مَن يمنحون المؤسّسات غايتَها ومعناها. هم الذين يُجدّدونها ويُطوّرونها لتواكبَ العصر، ويستخدمون الإطارَ القانونيّ لتحقيقِ العدالة والازدهار، لا لتقييدِ المجتمع.القائدُ الحكيم لا يعملُ خارجَ المؤسّسة، بل من خلالها، مستخدمًا صلاحياتِه لتقويتِها وتفعيلِها. في نهايةِ المطاف، الدّولةُ الأكثرُ نجاحًا واستقرارًا هي تلك التي تنجحُ في تحقيقِ هذا التّوازنِ الدّقيق. هي الدّولةُ التي تبني مؤسّساتٍ قويّة بما يكفي لترويضِ طموحِ أقوى الأفراد، وفي الوقتِ نفسِه تكونُ مرنةً بما يكفي للسّماح للأفراد الموهوبين وذوي الرّؤية بقيادتِها نحو مستقبلٍ أفضل. إنّ التّحدّيَ الأبديَّ للحضارةِ الإنسانيّة يكمنُ في بناءِ نظامٍ لا يعتمدُ على فضيلةِ الحاكم وحدَها، بل يُشجّعُ على ظهورِ هذه الفضيلة، ويحمي المجتمعَ من غيابِها.
في عالمٍ يلهثُ خلفَ الأرقام، مهووسٍ بالأداء ومؤشّراته القياسيّة التعجيزيّة والباعثة على الإحباط أحياناً، يعودُ البعضُ إلى الفلسفات القديمة لتصويب الحاضر ومنحه بعضَ المعنى. هكذا حضرت الـ«وابي-سابي» — وهي فلسفة يابانيّة قديمة لا طبقَ سوشي — لتتعاطف مع الهشاشة، وترى في الكسور حِكمةً وجمالاً قد يَخفيان على الكثيرين. وقد جسّد «الكينتسوجي» هذه الفلسفة خيرَ تجسيد. والكينتسوجي فنٌّ يابانيّ تقليديّ عريق يعود إلى القرن الخامس عشر. تقول الأسطورة إنّ أحد حكّام اليابان أرسل وعاءً مكسوراً إلى الصين لإصلاحه، لكنّ الوعاء عاد مشوّهاً، وقد شُدَّت أوصالُه بدبابيسَ معدنيّةٍ خشنة. لم يُرضِ هذا الشكلُ الحرفيّين اليابانيّين، فبحثوا عن طريقة ترميم تحفظ القطعة وتصون روحها، وتوصّلوا إلى حلٍّ عمليّ وفلسفيّ في آنٍ معاً: ترميمٌ يعترف بالكسر ويمنحه قيمةً جماليّة. جمال الترميم قام الحرفيّون اليابانيّون بترميم الأواني الفخّاريّة المكسورة باستخدام طلاءٍ ممزوجٍ بمسحوق الذهب أو الفضّة أو البلاتين. وبدلاً من إخفاء الشقوق أو الكسور ومحاولة طمسها، أبرزوا جمالها وحوّلوها إلى خطوطٍ متلألئةٍ متفرّعةٍ ومتشابكة، أشبهَ بأوردةٍ حيّة، أو خريطةٍ تتتبّع تاريخ تلك الأشياء.بهذه الطريقة، لم تكتسب تلك القطعة حياةً جديدة فحسب، بل تحوّلت إلى تحفةٍ فنيّةٍ فريدةٍ وثمينة. هنا، لا توجد قطعتان متطابقتان، لأنّ كلَّ قطعةٍ مُرمَّمة تحمل بصمة الحياة التي عاشتها، والأيدي التي اعتنت بها أو قست عليها. هكذا تقاطع فنّ الكينتسوجي مع فلسفة الوابي-سابي، التي تحتفي بالأشياء وكسورها. وعلى عكس طرائق فنيّةٍ تمجّد الكمال وتستنسخ الأشياء وتكرّرها، يرى الكينتسوجي أنّ الأصالة تنبع من الاعتراف بالزمن ومآلاته وجروحه، بحيث لا يعود الكسرُ عاراً أو شائبةً نُحارُ كيف نُخفيها، بل قصّةً نرويها ونتعلّم منها.تحوّل هذا الفنّ، مع الوقت، إلى استعارةٍ للتجربة الإنسانيّة نفسها. فالإنسان، شأنه شأن الآنيّة، يتعرّض للكسر. وفي حين ينتظر العالم منه أن يُعالج جراحه ويتعافى بسرعة، أو يتظاهرَ بذلك، وأن يبدو «سليماً» مهما كان الثمن، يأتي الكينتسوجي ليقدّم رؤيةً مغايرة تؤكّد أنّ الندوب جزءٌ أصيلٌ في تكويننا، وتستحضر مقولة إرنست همنغواي في روايته الشهيرة «وداعاً للسلاح»: «ليس هناك من لا تكسره الدنيا، لكنّ كثيرين يصبحون أقوياء في مواضع الكسر ذاتها»، وهي مقولة تُسلّم بهشاشة الإنسان وتُبشّر بالقوّة التي تولد من رحم المعاناة. تناقض مع ثقافة الاستهلاك يتناقض هذا المنظور تناقضاً واضحاً مع ثقافة الاستهلاك السائدة، التي تحتفي بالصورة المُفلترة من كلّ الشوائب، حيث تُصمَّم الأشياء لتُرمى وتُستبدَل بسرعة، وتُقاس القيمة بالجِدّة والحداثة لا بالمعنى. يقاوم الكينتسوجي هذا المنطق، مؤكّداً في الوقت نفسه أهميّة التعافي المتأنّي والمتريّث، وعلى الاحترام والصبر اللذين يستحقّهما الشيءُ الذي انكسر. فترميم أيّ قطعةٍ يتطلّب عنايةً ومهارةً وبالاً طويلاً، في عمليّةٍ دقيقةٍ تُقرّ بالهشاشة وتتصالح معها. وإذا ما أسقطنا هذا المفهوم على عالمٍ مطحونٍ بالأزمات، ننكسر فيه كلَّ يوم، سواء بفعل الإرهاق العاطفي، أو الإخفاقات وخيبات الأمل الشخصيّة أو المهنيّة، أو الحيرة، أو الشعور بعدم الكفاية، أو كلّها معاً، يصبح الكينتسوجي دعوةً إلى تعاملٍ أكثر رفقاً مع الذات ومع الآخرين، وإلى النظر إلى الضعف لا بوصفه عيباً، بل حقيقةً أصيلة جُبلت عليها النفس البشريّة، التي منحها الله أيضاً القدرة على المقاومة، والقيام بعد التعثّر والزلل، والتعلّم من التجارب. يحضر فنّ الكينتسوجي في مجالات علم النفس والقيادة والفن. يستخدمه المعالجون النفسيّون كتعبيرٍ بصريّ عن التشافي، ويستلهمه الفنّانون لاستكشاف الذاكرة والهوية، ويستحضره المفكّرون والقادة كنموذجٍ بديلٍ لبناء القوّة والمرونة والقدرة على الصمود، والاعتراف بالأخطاء واستخلاص الدروس منها.وعلى الرغم من خطر الوقوع في فخّ التبسيط والتسطيح، الذي بات اليوم يهدّد أيّ مفهوم ويحوّله إلى «تريند» وموجةٍ يركبها البعض بحثاً عن الظهور والانتشار السهل، فيفضحون أسرارهم على الملأ بحجّة التصالح مع الماضي وجروحه، إلّا أنّ الكينتسوجي والوابي-سابي يستحقّان منّا التأمّل الواعي والهادئ، فلربّما استطاع البشر من خلالهما رؤية الجمال الكامن في الكسور، وفي الطريقة التي نختار أن نُرمّمها بها. هل يمكن مقاربة العلاقات الإنسانيّة بهذه الطريقة؟ ليس دائماً. فأحياناً يكون الإصلاح أو الترميم مستحيلاً، من وجهة نظر فاتن حمامة، وهي تقول بمرارةٍ لزوجها السابق الذي أتى إليها مبرّراً خيانته، وطالباً منها أن تسامحه — يؤدّي دوره أحمد رمزي في إحدى قصص «حكاية وراء كلّ باب» الجميلة —: «اللّي اتكسَر عمره ما حيتصلّح».