حقّق ليونيل ميسي ما لم يحقّقه أحد. في عالم الرياضة وكرة القدم، والشهرة، واللعب الأسطوري، والأرقام القياسية… حقّق كلّ شيء، لكنه بقي أقلّ من مارادونا. لماذا؟ قيل الكثير في المقارنة بين الرجلين، وبين أيقونتين. يشبه ميسي عالمنا اليوم، بينما كان مارادونا يشبه عالمًا يبدو أنه قد مضى. ليست المسألة قضية «كاريزما» أو شخصيات؛ القضية أنه لم تعد هناك قضية في عالم اليوم. كان مارادونا رمزًا للعبة الفقراء، والأحياء المهمّشة، والأزقّة المنسية، في مواجهة عالم متعالٍ، إمبريالي ومتسلّط. أما ميسي، فصار رمزًا للعبة الأغنياء، في عالم أضحينا فيه جميعًا مستهلكين؛ عالم يُحوِّل كلّ شيء إلى أموال، عبر النقرات والإعجابات والحقوق الحصرية والكرات الذكية. تغيّرت كرة القدم كثيرًا. زادت الأهداف والتقنيات، لكنك تشعر بأن اللعبة فقدت شيئًا يصعب إيجاد وصفٍ له. لا يبدو الزمن متباعدًا جدًّا بين مارادونا وميسي، لكن تفاصيل الحياة تبدو وكأنها تنتمي إلى زمن بعيد. كم تغيّرت الأشياء من دون أن نشعر! skip render: ucaddon_material_block_quote ومع وداع «كأس العالم»، يودّع العالم أيقونةً في زمن تغيب فيه «الأيقونات»، ونستذكر ما قاله الشاعر الكبير محمود درويش يومًا، في زمن اختلّت موازينه: «يا مارادونا، ماذا فعلت بالساعة؟ ماذا صنعت بالمواعيد؟». «ماذا نفعل بعدما عاد مارادونا إلى أهله في الأرجنتين؟ مع مَن سنسهر، بعدما اعتدنا أن نعلّق طمأنينة القلب وخوفه على قدميه المعجزتين؟ وإلى مَن نأنس ونتحمّس بعدما أدمناه شهرًا تحوّلنا خلاله من مشاهدين إلى عشّاق؟ ولمَن سنرفع صراخ الحماسة والمتعة ودبابيس الدم، بعدما وجدنا فيه بطلنا المنشود، وأجّج فينا عطش الحاجة إلى بطل… بطل نصفّق له، وندعو له بالنصر، ونعلّق له تميمة، ونخاف عليه ـ وعلى أملنا فيه ـ من الانكسار؟ الفرد، الفرد ليس بدعةً في التاريخ. يا مارادونا، يا مارادونا، ماذا فعلت بالساعة؟ ماذا صنعت بالمواعيد؟». فلسطيني يرفع علم الأرجنتين في وجه جنود من جيش الاحتلال الاسرائيلي
لم تكن كرة القدم يومًا مجرد لعبة تُلعَب بالأقدام، بل هي، في جوهرها، صناعة درامية كبرى، تحتاج دائمًا إلى «البطل النقي» و«الشرير» الذي يتربص به. ولقرابة عقدين من الزمن، تربّع الأرجنتيني ليونيل ميسي على عرش هذه اللعبة بوصفه «الفتى الذهبي الخجول» الذي لا يتحدث إلا بلغة الأهداف واللمسات الساحرة. لكن المشهد تغيّر في السنوات الأخيرة. فجأة، تحوّلت تلك الصورة الوديعة، في مخيلة البعض، إلى صورة «الشرير الأول» و«مدلل المنظومة الدولية». فكيف تحوّل هذا الثناء المطلق إلى حملات ممنهجة من التشكيك والحقد؟ وهل نحن أمام مراجعة حقيقية لمسيرة لاعب، أم أمام محاولة أخيرة لتشويه تاريخ حافل ومُثقَل بالبطولات؟ ولادة «الزعيم» طوال مسيرته، عاب البعض على ميسي صمته وهدوءه، معتبرين أنه يفتقر إلى «الكاريزما القيادية» التي تمتّع بها دييغو مارادونا. ولكن، عندما قرر ميسي أن يخلع عباءة الصمت، ويقود الأرجنتين بشراسة حقيقية في مونديال قطر 2022، ثارت ثائرة المشككين. إن المشادات الكلامية في الممرات، والتصريحات الهجومية ضد الحكام والخصوم، مثل لقطته الشهيرة مع المدرب الهولندي لويس فان غال، لم تكن دليلًا على «خروج عن النص» بقدر ما كانت تجسيدًا حقيقيًا لشخصية القائد الذي يدافع عن حلم بلاده. هذه الشراسة صدمت أولئك الذين اعتادوا على استسلامه الهادئ، فسارعوا إلى تأطيرها بوصفها «غطرسة وغرورًا»، متناسين أن كرة القدم، في مستوياتها العليا، هي صراع إرادات وتحدٍّ نفسي قبل كل شيء. skip render: ucaddon_material_block_quote مدلل الفيفا تغذّت نغمة «اللاعب المدلل» من تيارات جماهيرية واسعة، وتحديدًا من منافسيه التقليديين، حيث رُوِّج لسيناريو هوليوودي يزعم أن الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» قام بـ«تفصيل» كأس العالم 2022 ليتوّج به ميسي. وجاءت التبريرات عبر التركيز على عدد ركلات الجزاء الممنوحة للأرجنتين، والجوائز الفردية الأخيرة، مثل «ذا بيست». غير أن القراءة الموضوعية لواقع اللعبة تكشف أن هذا الجدل ليس سوى «سلاح المظلومية» الذي يشهره الخصوم. فعندما تعجز الأرقام والحلول الفنية داخل المستطيل الأخضر عن إيقاف هيمنة لاعب ما، يصبح الطعن في شرعية الإنجاز ونزاهة المنظومة الملاذ الأخير لتخفيف وطأة التفوق التاريخي. الأقدام تحسم لمن يتحدث عن دعم المنظومة و«فيفا»، فإن تاريخ ميسي يزخر بإنجازات أسطورية صُنعت في ملاعب الليغا ودوري أبطال أوروبا، في أوقات لم يكن لأي منظومة يد فيها، سوى عبقريته الفذة. رقم الـ91 هدفًا الإعجازي (2012): في عام واحد، دكّ ميسي شباك الخصوم بـ91 هدفًا مع برشلونة والأرجنتين، محطمًا رقم الأسطورة الألماني غيرد مولر. هذا الرقم لم يأتِ بقرار إداري، بل كان نتيجة فتك هجومي مرعب، لا يمكن لأي اتحاد دولي أن يصنعه أو يمنحه للاعب. الحذاء الذهبي الأوروبي (6 مرات): تُوّج ميسي هدافًا للدوريات الأوروبية الكبرى ست مرات، وهو رقم قياسي. وهذه جائزة رقمية بحتة تُحسم بعدد الأهداف المسجلة داخل الملعب، ولا تخضع للتصويت أو لأهواء مسؤولي «فيفا». الـ50 هدفًا في موسم واحد بالليغا (2011-2012): إنجاز هائل يعكس استمرارية استثنائية في التسجيل طوال موسم كامل، ويؤكد أن تفوقه كان يفرض نفسه على أرض الواقع. تشويه الختام إذا أردنا حسم هذا الجدل بوضوح ومن دون مواربة، فإن كل هذا الضجيج والحقد المثارين حول ميسي في الأمتار الأخيرة من مسيرته ليسا سوى محاولة ممنهجة لإخراجه بصورة غير لائقة بعد تاريخ حافل وغير مسبوق من الإنجازات. إننا نعيش في عصر السوشيال ميديا، حيث تتغذى الخوارزميات على الاستقطاب الحاد. ومع اكتمال كرة القدم بالنسبة إلى ميسي بعد رفعه كأس العالم، وكسره عددًا هائلًا من الأرقام القياسية، شعر الطرف المقابل في الصراع الكروي الأزلي بالهزيمة الرقمية والتاريخية. ولأن إيقافه داخل الملعب بات جزءًا من الماضي، تحولت المعركة إلى محاولة «اغتيال معنوي» لصورته وإرثه، عبر تضخيم أي هفوة، وتحويل انفعالاته الطبيعية، بوصفه إنسانًا، إلى خطايا كبرى. skip render: ucaddon_box_testimonial
في الوقت الذي تستضيف فيه الولايات المتحدة وكندا والمكسيك بطولة كأس العالم 2026، بوصفها أكبر احتفال رياضي على مستوى العالم، يتشكّل، بعيداً عن المستطيل الأخضر، نقاش سياسي وأخلاقي يتجاوز كرة القدم نفسها. فبينما ترفع البطولة شعارات الوحدة والتنوع والتقارب بين الشعوب، تتزايد الأسئلة حول الشركات الأمنية والتكنولوجية التي ستتولى حماية هذا الحدث العالمي، وما إذا كانت بعض هذه الشركات تحمل إرثاً مرتبطاً بالحروب والصراعات المسلحة، وفي مقدمتها الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة. من بين هذه الشركات تبرز شركة Sentrycs «سينتريكس» الإسرائيلية، التي حصلت على عقود للمشاركة في منظومة حماية الأجواء المحيطة بملاعب كأس العالم 2026 ومناطق تجمع الجماهير، عبر أنظمة متخصصة في كشف الطائرات المسيّرة غير المأهولة واعتراضها. وبذلك تنتقل الشركة من ساحات العمليات العسكرية إلى واحدة من أكبر المنصات الرياضية الدولية، في تحول يثير جدلاً متصاعداً بشأن الحدود الفاصلة بين التكنولوجيا المدنية والصناعات العسكرية. لا يتعلق الجدل بطبيعة التقنية بحدّ ذاتها، فأنظمة مكافحة الطائرات المسيّرة أصبحت جزءاً أساسياً من أمن الفعاليات الكبرى حول العالم، وإنما بالسجل الذي تحمله الشركات المطوّرة لهذه الأنظمة، وبالسياق السياسي والإنساني الذي راكمت فيه خبراتها التقنية. وتشير تقارير صحفية إسرائيلية إلى أن «سينتريكس» دمجت إحدى تقنياتها مع أنظمة طوّرتها شركة رافائيل، أحد أبرز مصنّعي الأسلحة في إسرائيل، في إطار منظومات الدفاع بالليزر التي استخدمت خلال العمليات العسكرية في قطاع غزة، والتي وُصفت بأنها أول استخدام قتالي عملي لسلاح ليزر في العالم. وبغض النظر عن البعد العسكري والتقني لهذا الإنجاز، فإن توقيته وارتباطه بالحرب على غزة جعلاه جزءاً من نقاش أوسع حول استخدام ساحات النزاعات كمختبرات لتطوير وتسويق التقنيات العسكرية. ويزداد هذا الجدل مع تصريحات مسؤولي الشركة أنفسهم. فقد نقلت صحيفة «هآرتس» عن نائبة رئيس التسويق في «سينتريكس» أن ما يقارب نصف نشاط الشركة يتم في القطاع العسكري، وهو تصريح يبدد الصورة التقليدية التي تحاول كثير من شركات التكنولوجيا الأمنية تقديمها باعتبارها شركات مدنية محايدة تعمل حصراً في مجال الابتكار. هذا التداخل بين القطاعين المدني والعسكري ليس جديداً في إسرائيل، حيث يعتمد جزء كبير من الاقتصاد التكنولوجي على منظومة تُعرف بـ«الاستخدام المزدوج»، أي تطوير تقنيات يمكن استخدامها في التطبيقات المدنية والعسكرية في آن واحد. إلا أن الحرب على غزة أعادت تسليط الضوء على هذه العلاقة، بعدما أصبحت الشركات الإسرائيلية نفسها تستخدم خبراتها العملياتية كعامل تسويقي في الأسواق الدولية. وتأتي مشاركة «سينتريكس» في تأمين كأس العالم لتفتح باباً جديداً للنقاش حول ما إذا كانت الأحداث الرياضية العالمية أصبحت تمثل أيضاً منصات لتسويق الصناعات الأمنية. فالشركات التي تطور تقنياتها في بيئات النزاعات لا تكتفي ببيع منتجاتها للدول والجيوش، بل تنتقل تدريجياً إلى تأمين المطارات، والموانئ، والمنشآت الحيوية، والبطولات الرياضية، مستفيدة من السمعة التي اكتسبتها باعتبار تقنياتها «مختبرة ميدانياً». skip render: ucaddon_material_block_quote الطائرات المسيّرة تكشف الوجه الخفي لكأس العالم ويرى منتقدو هذا النموذج أن هذه العملية تمثل شكلاً من أشكال «تبييض» الصناعات العسكرية، إذ تتحول التكنولوجيا المرتبطة بالحروب إلى أدوات تُقدَّم للرأي العام ضمن خطاب الأمن المدني وحماية الجماهير، بما يؤدي إلى تراجع الحساسية الأخلاقية تجاه مصدر هذه التقنيات وكيفية تطويرها. في المقابل، تجادل الحكومات والشركات الأمنية بأن حماية الأحداث الرياضية الكبرى تتطلب الاستعانة بأكثر الأنظمة تطوراً، خصوصاً في ظل تصاعد مخاطر الطائرات المسيّرة والهجمات غير التقليدية، وأن معيار الاختيار ينبغي أن يكون الكفاءة الفنية والقدرة على حماية المدنيين، لا الخلفية السياسية للشركات المصنّعة. غير أن هذا الدفاع لا يلغي حقيقة أن الرياضة لم تعد بمنأى عن الصراعات الجيوسياسية. فمنذ سنوات، أصبحت البطولات الكبرى ساحات للتنافس السياسي والاقتصادي والدبلوماسي، سواء عبر حملات المقاطعة، أو الاحتجاجات، أو اختيار الدول والشركات الراعية، أو حتى من خلال التقنيات الأمنية المستخدمة في تنظيمها. وفي حالة كأس العالم 2026، يبدو أن النقاش لن يقتصر على ما سيجري داخل الملاعب، بل سيمتد إلى السماء فوقها، حيث ستعمل أنظمة مراقبة واعتراض متطورة طوّرتها شركات راكمت جزءاً من خبرتها في ميادين الحرب. skip render: ucaddon_box_testimonial