لم تكن مباراة الأرجنتين ومصر في ثمن نهائي كأس العالم مجرّد مواجهة كروية انتهت بفوز الأرجنتين، بل تحوّلت إلى محاكمة مفتوحة لمنظومة التحكيم التي تديرها الفيفا. فبعد صافرة النهاية، لم يكن الحديث عن أداء ليونيل ميسي أو الروح القتالية للمنتخب المصري، بل عن سلسلة من القرارات التحكيمية التي اعتبرها كثيرون مؤثرة بصورة مباشرة في نتيجة المباراة، وأعادت إلى الواجهة سؤالاً قديماً يتجدد مع كل بطولة كبرى: هل ما تزال العدالة الرياضية هي القيمة العليا في كرة القدم، أم أصبحت جزءاً من حسابات أكثر تعقيداً؟ اعترض المنتخب المصري على احتساب ركلة جزاء لصالح الأرجنتين في الشوط الأول بعد مراجعة تقنية الفيديو، كما أثار إلغاء هدف مصري بعد العودة إلى VAR موجة واسعة من الجدل، بينما اعتبر محللون ومشجعون أن الهدف الثالث للأرجنتين سبقه ما يستوجب التوقف التحكيمي، وهو ما عزّز شعوراً عاماً بأن ميزان القرارات لم يكن متوازناً. جزء من الخلاف وعلى الرغم من أن الأخطاء التحكيمية جزء من اللعبة، فإن وجود تقنية الفيديو كان يفترض أن يقلل مساحة الجدل، لا أن يوسّعها. فالـVAR أُنشئ ليصحّح الأخطاء الواضحة، لكنه في السنوات الأخيرة أصبح، في كثير من المباريات، جزءاً من الخلاف نفسه، بسبب تفاوت معايير التدخل وتفسير الحالات المتشابهة. المشكلة لا تكمن فقط في صحة القرار من عدمها، بل في غياب الشفافية. فالجماهير لا تعرف لماذا تدخلت غرفة الفيديو في لقطة، ولماذا تجاهلت أخرى، ولا تسمع التسجيلات الصوتية بين الحكام كما يحدث في بعض الرياضات الأخرى. وهنا يبدأ الشك بالتسلل إلى أكثر البطولات مشاهدة في العالم. skip render: ucaddon_material_block_quote قيمة تسويقية هذا الشك يزداد عندما تكون إحدى كفتي المباراة تحمل المنتخب الأكثر جماهيرية وتسويقاً في البطولة. فالأرجنتين ليست مجرد منتخب؛ إنها علامة تجارية عالمية، ومبارياتها تحقق نسب مشاهدة قياسية، ويشكّل استمرارها في البطولة قيمة تسويقية وإعلانية ضخمة للرعاة وحقوق البث. ولا يعني ذلك وجود تلاعب متعمّد، لكنه يجعل من الضروري أن تكون منظومة التحكيم أكثر شفافية من أي وقت مضى، حتى لا تتحول المصالح الاقتصادية إلى مادة للاتهامات. تؤكد الفيفا دائماً أن حكامها مستقلون، وأن تقنية الفيديو تطبّق وفق بروتوكولات دقيقة، كما أن مجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم (IFAB) ينشر قوانين اللعبة وبروتوكول استخدام تقنية VAR بشكل معلن. لكن المشكلة أن الالتزام بالإجراءات لا يمنع استمرار الجدل إذا غابت القدرة على إقناع الجمهور بأسباب القرارات المتخذة. من هنا، فإن الأزمة ليست أزمة مباراة واحدة، بل أزمة ثقة. فعندما يخرج ملايين المشاهدين مقتنعين بأن فريقاً تعرض للظلم، تخسر كرة القدم شيئاً من رأسمالها المعنوي، حتى لو كانت جميع القرارات قابلة للتفسير قانونياً. عبارة صادمة في خضم الغضب الجماهيري، انتشرت عبارة صادمة تختزل حجم الإحباط الذي شعر به كثيرون: «اثنان يرتكبان أفعالهما على المكشوف بلا خجل: إسرائيل… والفيفا». إنها عبارة تعكس غضباً شعبياً أكثر مما تمثّل حكماً قانونياً أو حقيقة موضوعية، لكنها تكشف مستوى التراجع في الثقة لدى قطاع من المتابعين عندما يشعرون أن العدالة لم تعد مرئية على أرض الملعب. ليست الفيفا مطالبة بإثبات نزاهتها بالشعارات، بل بالممارسة. وإذا أرادت حماية سمعة كأس العالم، فعليها أن تتبنّى إصلاحات جذرية، من بينها نشر التسجيلات الصوتية الكاملة بين حكم الساحة وغرفة الفيديو، وإصدار تقارير تفسيرية مفصلة بعد المباريات المثيرة للجدل، وإخضاع القرارات الحاسمة لمراجعات مستقلة يمكن للرأي العام الاطلاع على نتائجها. الأرجنتين ومصر… حين حاكمت صافرة الحكم الفيفا فالعدالة في كرة القدم لا يكفي أن تتحقق، بل يجب أن يراها الجميع وهي تتحقق. وعندما تصبح القرارات التحكيمية هي العنوان الأول لمباريات كأس العالم، فإن الخاسر الحقيقي لا يكون المنتخب المهزوم، بل مصداقية اللعبة نفسها.
بَيْنَمَا كَانَتْ طُبُولُ الحَرْبِ تُقْرَعُ فِي أَرْوِقَةِ البَيْتِ الأَبْيَضِ، شَهِدَتِ المِنْطَقَةُ العَرَبِيَّةُ تَحَرُّكًا دِبْلُومَاسِيًّا وُصِفَ بِـ«المَارَاثُون» لِمَنْعِ الرَّئِيسِ دُونَالْدِ تْرَامْبَ مِنْ تَنْفِيذِ تَهْدِيدَاتِهِ بِتَوْجِيهِ ضَرْبَةٍ عَسْكَرِيَّةٍ حَاسِمَةٍ لِلدَّاخِلِ الإِيرَانِيّ. هٰذَا التَّدَخُّلُ، الَّذِي قَادَتْهُ قُوًى إِقْلِيمِيَّةٌ وَازِنَةٌ مِثْلَ المَمْلَكَةِ العَرَبِيَّةِ السُّعُودِيَّةِ وَمِصْرَ، بِالتَّعَاوُنِ مَعَ قَطَرَ وَسَلْطَنَةِ عُمَانَ، أَثَارَ تَسَاؤُلَاتٍ عَمِيقَةً حَوْلَ طَبِيعَةِ التَّحَوُّلَاتِ الجِيُوسِيَاسِيَّةِ فِي المِنْطَقَةِ؛ فَكَيْفَ تَحَوَّلَ «الخُصُومُ التَّارِيخِيُّونَ» لِطَهْرَانَ إِلَى «حَائِطِ صَدٍّ» يَمْنَعُ تَقْوِيضَ نِظَامِهَا عَسْكَرِيًّا؟ لَا تَكْمُنُ الإِجَابَةُ عَلَى هٰذَا التَّسَاؤُلِ فِي «تَغْيِيرِ القُلُوبِ» أَوِ انْتِهَاءِ العَدَاءِ الأَيْدِيُولُوجِيِّ وَالسِّيَاسِيِّ مَعَ المَشْرُوعِ الإِيرَانِيِّ، بَلْ فِي «بَراغْماتِيَّةِ البَقَاءِ» وَحِسَابَاتِ الرِّبْحِ وَالخَسَارَةِ المُعَقَّدَةِ الَّتِي بَاتَتْ تَحْكُمُ العَقْلَ السِّيَاسِيَّ العَرَبِيَّ المُعَاصِرَ. لَقَدْ أَدْرَكَتِ الرِّيَاضُ وَالقَاهِرَةُ أَنَّ تَكْلِفَةَ «الخَلَاصِ العَسْكَرِيِّ» مِنَ التَّهْدِيدِ الإِيرَانِيِّ عَبْرَ آلَةِ الحَرْبِ الأَمِيرِكِيَّةِ قَدْ تَكُونُ أَغْلَى بِكَثِيرٍ مِنْ تَكْلِفَةِ التَّعَايُشِ مَعَ نِظَامٍ «مُشَاكِسٍ» وَلٰكِنْ تَحْتَ السَّيْطَرَةِ. الاسْتِقْرَارُ لِلِازْدِهَار تَتَصَدَّرُ رُؤْيَةُ السُّعُودِيَّةِ 2030 قَائِمَةَ الأَسْبَابِ الِاسْتِرَاتِيجِيَّةِ لِهٰذَا التَّحَوُّلِ، فَالمَمْلَكَةُ الَّتِي تَخُوضُ غِمَارَ تَحَوُّلٍ اقْتِصَادِيٍّ وَاجْتِمَاعِيٍّ غَيْرِ مَسْبُوقٍ، تُدْرِكُ أَنَّ «الاسْتِقْرَارَ» هُوَ العُمْلَةُ الصَّعْبَةُ الَّتِي تَحْتَاجُهَا لِجَذْبِ الِاسْتِثْمَارَاتِ العَالَمِيَّةِ وَتَحْوِيلِ مُدُنِهَا إِلَى وَجْهَاتٍ سِيَاحِيَّةٍ وَتِكْنُولُوجِيَّةٍ رَائِدَةٍ. لِذٰلِكَ، فَإِنَّ أَيَّ شَرَارَةٍ عَسْكَرِيَّةٍ شَامِلَةٍ فِي الخَلِيجِ تَعْنِي تَحَوُّلَ المِنْطَقَةِ إِلَى «مِنْطَقَةٍ حَمْرَاءَ» فِي خَرَائِطِ شَرِكَاتِ التَّأْمِينِ وَالِاسْتِثْمَارِ العَالَمِيَّةِ، مِمَّا قَدْ يَنْسِفُ سَنَوَاتٍ مِنَ العَمَلِ وَالبِنَاءِ فِي لَحَظَاتٍ. بِالنِّسْبَةِ لِلرِّيَاضِ، لَمْ يَعُدِ الهَدَفُ هُوَ «تَدْمِيرَ الخَصْمِ» بِأَيِّ ثَمَنٍ، بَلْ «تَحْيِيدَ خَطَرِهِ» لِضَمَانِ اسْتِمْرَارِ قِطَارِ التَّنْمِيَةِ. أَمَّا مِنَ المَنْظُورِ المِصْرِيِّ، فَإِنَّ الحِسَابَاتِ تَرْتَبِطُ بِشَكْلٍ وَثِيقٍ بِالأَمْنِ القَوْمِيِّ وَالِاقْتِصَادِيِّ المُبَاشِرِ. فَمِصْرُ، الَّتِي تُعَانِي مِنْ ضُغُوطٍ اقْتِصَادِيَّةٍ عَالَمِيَّةٍ، تَنْظُرُ إِلَى قَنَاةِ السُّوَيْسِ كَشِرْيَانِ حَيَاةٍ لَا يَقْبَلُ المِسَاسَ. وَأَيُّ مُوَاجَهَةٍ عَسْكَرِيَّةٍ فِي الخَلِيجِ سَتُؤَدِّي حَتْمًا إِلَى اشْتِعَالِ جَبَهَاتِ «الوُكَلَاءِ»، وَعَلَى رَأْسِهِمُ الحُوثِيُّونَ فِي اليَمَنِ، مِمَّا قَدْ يُؤَدِّي إِلَى إِغْلَاقِ مُضِيقِ هُرْمُزَ أَوْ تَهْدِيدِ المِلَاحَةِ فِي البَحْرِ الأَحْمَرِ بِشَكْلٍ دَائِمٍ. هٰذَا السِّينَارِيُو يَعْنِي حِرْمَانَ الخَزِينَةِ المِصْرِيَّةِ مِنْ مِلْيَارَاتِ الدُّولَارَاتِ مِنْ رُسُومِ القَنَاةِ، وَهُوَ ثَمَنٌ لَا تَسْتَطِيعُ القَاهِرَةُ تَحَمُّلَهُ فِي الوَقْتِ الرَّاهِنِ. التَّحَوُّلُ الحَقِيقِيُّ الَّذِي حَصَلَ هُوَ الِانْتِقَالُ مِنْ مَنْطِقِ «كَسْرِ العَدُوِّ» إِلَى مَنْطِقِ إِدَارَةِ الصِّرَاعِ: احْتِوَاءُ النُّفُوذِ الإِيرَانِيِّ بَدَلَ تَفْجِيرِهِ، اسْتِخْدَامُ السِّيَاسَةِ وَالِاقْتِصَادِ وَالتَّحَالُفَاتِ الإِقْلِيمِيَّةِ بَدَلَ القَصْفِ المَفْتُوحِ. هٰذَا التَّحَوُّلُ لَا يَعْنِي مُصَالَحَةً، بَلْ تَوَازُنًا بَارِدًا يَحُولُ دُونَ الِانْفِجَارِ الشَّامِلِ المِظَلَّةُ الأَمِيرِكِيَّة عَلَاوَةً عَلَى ذٰلِكَ، بَرَزَتْ حَقِيقَةٌ جِيُوسِيَاسِيَّةٌ جَدِيدَةٌ مُفَادُهَا أَنَّ «المِظَلَّةَ الأَمْنِيَّةَ الأَمِيرِكِيَّةَ» لَمْ تَعُدْ صَكًّا عَلَى بَيَاضٍ. فَالتَّجَارِبُ السَّابِقَةُ، ابْتِدَاءً مِنَ الهَجَمَاتِ عَلَى مُنْشَآتِ أَرَامْكُو فِي 2019، وُصُولًا إِلَى الِانْسِحَابِ مِنْ أَفْغَانِسْتَانَ، وَلَّدَتْ قَنَاعَةً لَدَى الحُلَفَاءِ العَرَبِ بِأَنَّ وَاشِنْطُنَ قَدْ تَبْدَأُ الحَرْبَ وَلٰكِنَّهَا قَدْ لَا تُنْهِيهَا، أَوْ قَدْ تَتْرُكُ حُلَفَاءَهَا يُوَاجِهُونَ تَبِعَاتِ الِانْتِقَامِ الإِيرَانِيِّ وَحْدَهُمْ. الخُصُومَةُ مَعَ إِيرَانَ حَقِيقِيَّةٌ وَعَمِيقَةٌ، لٰكِنَّ الدُّوَلَ لَا تُدَارُ بِمَنْطِقِ الثَّأْرِ. السُّعُودِيَّةُ وَمِصْرُ وَصَلَتَا إِلَى خُلَاصَةٍ وَاضِحَةٍ: لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الدُّوَلُ العَرَبِيَّةُ وَقُودًا لِحَرْبٍ أَمِيرِكِيَّةٍ–إِيرَانِيَّةٍ تُدَارُ مِنَ الجَوِّ، بَيْنَمَا تُدْفَعُ فَوَاتِيرُهَا عَلَى الأَرْضِ العَرَبِيَّةِ. مَنْعُ الضَّرْبَةِ لَمْ يَكُنْ دِفَاعًا عَنْ إِيرَانَ، بَلْ مَنْعًا لِتَحْوِيلِ العَدَاءِ مَعَهَا إِلَى حَرْبٍ وُجُودِيَّةٍ مَفْتُوحَةٍ. تَجْرِبَةُ السَّنَوَاتِ الأَخِيرَةِ كَشَفَتْ وَاقِعًا مُقْلِقًا: وَاشِنْطُنَ تُغَيِّرُ أَوْلَوِيَّاتِهَا بِسُرْعَةٍ، وَالضَّمَانَاتُ الأَمْنِيَّةُ قَابِلَةٌ لِإِعَادَةِ التَّفْسِيرِ أَوِ التَّرَاجُعِ. فِي حَالِ انْدِلَاعِ حَرْبٍ شَامِلَةٍ، مَنْ يَضْمَنُ أَلَّا تُتْرَكَ العَوَاصِمُ العَرَبِيَّةُ فِي مُنْتَصَفِ الطَّرِيقِ؟ هٰذَا السُّؤَالُ كَانَ حَاضِرًا بِقُوَّةٍ فِي حِسَابَاتِ الرِّيَاضِ وَالقَاهِرَةِ، وَدَفَعَهُمَا إِلَى تَقْلِيصِ المُغَامَرَةِ بَدَلَ تَوْسِيعِهَا. إِيرَانُ، بِامْتِلَاكِهَا تَرْسَانَةً مِنَ المُسَيَّرَاتِ وَالصَّوَارِيخِ البَالِيسْتِيَّةِ وَشَبَكَةً وَاسِعَةً مِنَ المِيلِيشِيَاتِ، قَادِرَةٌ عَلَى تَحْوِيلِ مُدُنِ الخَلِيجِ وَمُنْشَآتِهِ الحَيَوِيَّةِ إِلَى أَهْدَافٍ سَهْلَةٍ فِي حَالِ تَعَرُّضِهَا لِضَرْبَةٍ فِي العُمُقِ، وَهُوَ مَا يُفَسِّرُ تَحْذِيرَ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ لِتْرَامْبَ مِنْ أَنَّ «المِنْطَقَةَ بِرُمَّتِهَا سَتَدْفَعُ الثَّمَنَ». إِيرَانُ لَيْسَتْ عِرَاقَ 2003 الذَّاكِرَةُ السِّيَاسِيَّةُ العَرَبِيَّةُ تَحْتَفِظُ بِدَرْسِ العِرَاقِ. دَوْلَةٌ سَقَطَتْ بِسُرْعَةٍ، لٰكِنَّ الإِقْلِيمَ دَفَعَ ثَمَنًا فَوْضَوِيًّا طَوِيلَ الأَمَدِ. إِيرَانُ مُخْتَلِفَةٌ جَذْرِيًّا: دَوْلَةٌ مُتَجَذِّرَةٌ اجْتِمَاعِيًّا وَمُؤَسَّسِيًّا، شَبَكَةُ نُفُوذٍ إِقْلِيمِيَّةٌ مُمْتَدَّةٌ (العِرَاقُ، سُورِيَا، لُبْنَانُ، اليَمَنُ)، وَقُدْرَةٌ عَلَى الرَّدِّ غَيْرِ المُتَمَاثِلِ تَرْفَعُ مِنْسُوبَ الِاسْتِنْزَافِ بَدَلَ الحَسْمِ. تَفْكِيكُ إِيرَانَ بِالقُوَّةِ مُسْتَحِيلٌ، وَإِضْعَافُهَا عَسْكَرِيًّا قَدْ يُنْتِجُ وَحْشًا أَمْنِيًّا بِلَا مَرْكَزِ قَرَارٍ، أَخْطَرَ مِنْ خَصْمٍ يُمْكِنُ احْتِوَاؤُهُ. نُضْجُ إِدَارَةِ الصِّرَاعَات يَعْكِسُ هٰذَا المَوْقِفُ العَرَبِيُّ نُضْجًا فِي إِدَارَةِ الصِّرَاعَاتِ، حَيْثُ انْتَقَلَتِ العَوَاصِمُ الكُبْرَى مِنْ سِيَاسَةِ «الرِّهَانِ عَلَى القُوَّةِ الخَارِجِيَّةِ» إِلَى سِيَاسَةِ «تَصْفِيرِ المُشْكِلَاتِ الإِقْلِيمِيَّةِ» أَوْ عَلَى الأَقَلِّ إِدَارَتِهَا دِبْلُومَاسِيًّا. لَمْ يَكُنْ مَنْعُ ضَرْبَةِ تْرَامْبَ دِفَاعًا عَنْ طَهْرَانَ، بَلْ دِفَاعًا عَنِ «المُسْتَقْبَلِ العَرَبِيِّ» الَّذِي لَمْ يَعُدْ يَحْتَمِلُ مُغَامَرَاتٍ عَسْكَرِيَّةً غَيْرَ مَحْسُوبَةِ النَّتَائِجِ. وَهٰذَا مَا يُؤَكِّدُ أَنَّ بَراغْماتِيَّةَ المَصَالِحِ بَاتَتْ تَتَقَدَّمُ عَلَى مَرَارَةِ العَدَاءِ التَّارِيخِيِّ فِي صِيَاغَةِ قَدَرِ الشَّرْقِ الأَوْسَطِ الجَدِيدِ. مَا فَعَلَتْهُ السُّعُودِيَّةُ وَمِصْرُ لَمْ يَكُنْ تَنَاقُضًا مَعَ عَدَائِهِمَا لِإِيرَانَ، بَلْ ذُرْوَةَ هٰذَا العَدَاءِ حِينَ رُفِضَ تَحْوِيلُهُ إِلَى مُقَامَرَةٍ وُجُودِيَّةٍ. لَقَدِ اخْتَارَتَا مَنْطِقَ الدَّوْلَةِ عَلَى مَنْطِقِ الحَرْبِ، وَالحِسَابَ البَارِدَ عَلَى الِانْفِعَالِ، وَالِاسْتِقْرَارَ النِّسْبِيَّ عَلَى الفَوْضَى المُؤَكَّدَةِ. فِي الشَّرْقِ الأَوْسَطِ، لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَمْنَعُ الحَرْبَ صَدِيقًا. أَحْيَانًا، يَكُونُ فَقَطْ أَكْثَرَ وَعْيًا بِحَجْمِ الكَارِثَةِ.
زيارةٌ في توقيتٍ لا يحتملُ الغياب يصلُ إلى بيروت رئيسُ جهازِ المخابراتِ العامّةِ المصرية اللواء حسن رشاد، في زيارةٍ تحملُ دلالاتٍ سياسيةً وأمنيةً عميقةً، في لحظةٍ يتأرجحُ فيها لبنان بين احتمالِ الحربِ الشاملةِ ورهانِ الوساطات. الزيارةُ التي تأتي في إطارِ التنسيقِ الأمنيِّ والسياسيِّ بين القاهرةِ وبيروت، كما أكّد السفيرُ المصريُّ في لبنان، ليست حدثًا بروتوكوليًّا فحسب، بل رسالةٌ من مصرَ إلى المنطقة: أنَّ الغيابَ الطويلَ انتهى، وأنَّ القاهرةَ تعودُ إلى خطوطِ التماسِّ الإقليميِّ كـوسيطٍ نزيهٍ وفاعلٍ، يُوازِنُ بين العقلانيةِ والمصلحةِ العربية. وتأتي زيارةُ اللواء رشاد إلى بيروت في هذا السياق، لتُعيدَ تفعيلَ قنواتِ التواصلِ المصري–اللبناني، وتضعَ مصرَ في موقعِ الوسيطِ الضامنِ لاستقرارِ لبنان ومنعِ انزلاقِه إلى الحرب. تُدركُ القاهرةُ أنَّ أيَّ تفجّرٍ عسكريٍّ على الحدودِ الجنوبية سيُهدّدُ الأمنَ الإقليميَّ بأكمله، ولذلك تُصرّ على دعمِ مبدأِ حصريةِ السلاحِ بيدِ الدولةِ اللبنانية، وهو ما يتوافقُ مع القراراتِ الدوليّةِ والاتجاهِ العربيِّ العامّ. “وتشيرُ مصادرُ دبلوماسيةٌ مطّلعةٌ لصحيفة “البوست إلى أنَّ اللواء رشاد يحملُ رسائلَ عربيّةً ودوليّةً حسّاسةً إلى القيادةِ اللبنانية، تتمحورُ حولَ آلياتِ خفضِ التصعيدِ وضمانِ الالتزامِ بالقرار 1701، وربّما بحثَ إمكانيّةِ دورٍ مصريٍّ مباشرٍ في الوساطةِ بين بيروت وتل أبيب. البلدُ بين معادلتين يأتي التحرّكُ المصريُّ في وقتٍ يشهدُ فيه لبنان انقسامًا حادًّا بين من يدعون إلى احتكارِ السلاحِ بيدِ الدولة، ومن يرون أنَّ المقاومةَ تبقى “ضرورةً دفاعيّة”. في ظلِّ هذا التناقضِ البنيويّ، تلعبُ القاهرةُ دورًا مزدوجًا: فهي تدعمُ الشرعيةَ اللبنانيةَ ومؤسّساتِها، وفي الوقتِ ذاته تُدركُ حساسيةَ التوازنِ الطائفيِّ والسياسيِّ في البلاد، فلا تتدخّلُ إلّا بما يضمنُ الاستقرارَ من دون المساسِ بالسيادة. تُذكّرُ هذه المقاربةُ الواقعيةُ بالدبلوماسيةِ المصريةِ في عهد حسني مبارك، التي اتّسمت بـ”الهدوء المتحكَّم”، القادرةِ على جمعِ الفرقاءِ من دون افتعالِ ضوضاءٍ إعلاميّة. فمصرُ لا تسعى إلى فرضِ أجندة، بل إلى إعادةِ هندسةِ التوازناتِ بما يجنّبُ المنطقةَ انفجارًا جديدًا، خصوصًا أنَّ حربًا في لبنان اليوم ستُشعلُ النيرانَ على أكثرَ من جبهة، وتُربكُ معادلاتِ البحرِ الأحمرِ وغزّة وسوريا والعراق. ليست عودةُ مصرَ إلى بيروت حدثًا معزولًا، بل جزءًا من تحوّلٍ استراتيجيٍّ في الرؤيةِ المصريةِ الجديدةِ للشرقِ الأوسط. تعي القاهرةُ أنَّ النظامَ الإقليميَّ يعيشُ مرحلةَ تفكّك، وأنَّ غيابَ الدورِ العربيِّ تركَ فراغًا ملأته قوى غيرُ عربيّةٍ — من إيران إلى تركيا وإسرائيل. لذلك تعملُ مصرُ على استعادةِ زمامِ المبادرةِ العربية، عبر وساطاتٍ متوازنةٍ في لبنان وغزّة والسودان، تُعيدُ للعربِ حضورَهم كطرفٍ صانعٍ للتسوياتِ لا متفرّجٍ عليها. ويُدركُ المراقبون أنَّ جهازَ المخابراتِ العامّةِ المصريةِ أصبحَ الذراعَ التنفيذيةَ لهذه الدبلوماسيةِ الهادئة؛ فهو يتحرّكُ بين العواصمِ بخبرةٍ أمنيّةٍ وسياسيةٍ تسمحُ له بفهمِ المشهدِ من الداخل، بعيدًا عن الشعارات، وقريبًا من الواقعِ الميدانيِّ والإنسانيِّ معًا. يُعبّرُ التحرّكُ المصريُّ في لبنان عن رؤيةٍ عربيةٍ متكاملةٍ: أنَّ تثبيتَ السِّلمِ الأهليِّ مقدَّمٌ على أيِّ حساباتٍ سياسيةٍ أو فصائليةٍ، وأنَّ استقرارَ لبنان هو شرطٌ لاستقرارِ المشرقِ كلِّه.لا تُقدّمُ القاهرةُ اليوم نصائحَ فحسب، بل تعرضُ شراكةً استراتيجيةً لبيروت في إعادةِ بناءِ مؤسّساتِ الدولة وتعزيزِ التعاونِ الأمنيّ، بما يضمنُ تطبيقَ القوانينِ الدولية وتحييدَ البلادِ عن صراعاتِ المحاور. حينَ تصمتُ البنادقُ ويعلو صوتُ الدولة في زمنٍ تتسابقُ فيه القوى الإقليميّةُ على النفوذ، تُذكّرُ مصرُ الجميعَ بأنَّ النفوذَ الحقيقيَّ هو في القدرةِ على تهدئةِ النار لا إشعالِها، وفي أنْ تُسمَعَ كلمتُها في كلِّ أزمةٍ دون أن تُطلِقَ رصاصةً واحدة. من عبد الناصر إلى السادات، ومن مفاوضاتِ غزّة إلى زياراتِ بيروت، يبقى الدورُ المصريُّ وترًا ثابتًا في لحنِ الشرقِ الأوسطِ المتقلّب. لا تعودُ القاهرةُ إلى الساحةِ باندفاعٍ إعلاميٍّ، بل بخبرةِ التاريخِ ومراكمةِ الثقة، وبقناعةٍ أنَّ الشرقَ الأوسطَ لا يُدارُ بالصراخ، بل بالعقل.ولعلَّ زيارةَ اللواء حسن رشاد اليوم إلى لبنان تمثّلُ استكمالًا طبيعيًّا لمسيرةٍ طويلةٍ من القيادةِ الإقليميّةِ المصرية، التي تُدرِكُ أنَّ بناءَ السلامِ أصعبُ من إشعالِ الحرب، وأنَّه وحده القادرُ على أنْ يكتبَ فصلًا جديدًا من الاستقرارِ في المنطقة. من عبد الناصر إلى اليوم منذ خمسينياتِ القرنِ الماضي، كانت مصرُ بوصلةَ المنطقة، ومختبرَ التحوّلاتِ الكبرى في العالمِ العربيّ. في عهدِ الرئيس جمال عبد الناصر، تكرّست القاهرةُ مركزًا للقرارِ العربيّ، وقاعدةً لحركاتِ التحرّرِ من الاستعمار. دعمَ عبد الناصر القضيةَ الفلسطينية ولبنان كجبهةِ مواجهةٍ مع إسرائيل، وسعى لتوحيدِ الصفِّ العربيِّ تحت شعار الوحدة والمصير المشترك. ورغم أنَّ الحلمَ الوحدويَّ واجهَ تعقيداتٍ سياسيةً لاحقة، إلّا أنّه أسّسَ لمكانةِ مصرَ كـدولةِ ضميرٍ عربيٍّ تمتلكُ شرعيّةً معنويةً تتجاوزُ حدودَ الجغرافيا. ثم جاء عهدُ أنور السادات الذي نقلَ مصرَ من منطقِ الثورةِ إلى منطقِ الدولة، فخاضَ حربَ أكتوبر 1973 التي أعادتْ للعربِ توازنَ الكرامة، ثم أطلقَ “الدبلوماسية الواقعية” باتفاقيةِ كامب ديفيد، ليكرّسَ مبدأَ أنَّ السلامَ ليس تنازلًا بل إدارةً ذكيّةً للقوّة. هذا التحوّلُ جعلَ من مصرَ مركزًا لوساطاتٍ إقليميّةٍ معقّدة، من النزاعِ العربي–الإسرائيلي إلى ملفاتِ لبنان وغزّة واليمن والسودان. في السنواتِ الأخيرة، ومع تصاعدِ الأزماتِ من غزّة إلى الجنوبِ اللبناني، برزت مصرُ مجدّدًا كـقوّةٍ إقليميةٍ متوازنةٍ تمتلكُ القدرةَ على التحدّثِ إلى جميعِ الأطرافِ دون عداءٍ أو انحيازٍ أيديولوجيٍّ.