مع توقيف عدد من اللبنانيين في العاصمة السعودية، بينهم صيداويان، من قِبل جهاز أمن الدولة السعودي قبل نحو شهر، سرت روايات وشائعات متعدّدة حول أسباب التوقيف وتوقيته وخلفياته. فبين مَن تحدّث عن قضايا مرتبطة بالمخدرات، تعاطيًا أو ترويجًا، ومَن أشار إلى ارتباط الموضوع بمسائل تجارية وقضايا نصب واحتيال، علمت جريدة «البوست» من مصادر مطّلعة أن أسباب التوقيف لا تمتّ بصلة إلى معظم ما جرى تداوله. ووفق المعلومات التي حصلت عليها «البوست»، جاء توقيف الأشخاص المعنيين على خلفية تحويلات مالية صنّفتها الجهات الأمنية السعودية بأنها «مريبة»، علمًا أن هذه التحويلات نُفّذت بصورة اعتيادية بين السعودية ودولة خليجية أخرى. اللافت، بحسب مصادر مطّلعة، أن عددًا من الموقوفين معروفون بعلاقات شخصية وتجارية مع رئيس مجلس الوزراء اللبناني السابق سعد الحريري، ومنهم مَن يتولّى منذ سنوات إدارة بعض أعماله المتبقية في المملكة. وهذه العلاقات ليست خافية، ولا سيما على الجهات السعودية، ما يطرح علامات استفهام حول توقيت التوقيف، وحول ما إذا كان الملف يتجاوز طابعه المالي أو الأمني إلى أبعاد سياسية غير معلنة. بحسب مصادر مخضرمة على دراية بأسلوب عمل الجهات السعودية، لا يمكن الجزم بأن التوقيفات تشكّل رسالة مباشرة إلى الحريري، إلا أن تزامنها مع تصاعد التباعد بين السعودية ودولة الإمارات يفتح الباب أمام فرضية أن تكون الخطوة بمثابة «قرصة» سياسية للحريري، أو مؤشرًا إلى ما يُحضَّر في أروقة قصور أبوظبي، وما قد تحمله الأيام المقبلة. وتبقى المسألة الأساسية مرتبطة بموقع الحريري في هذا التباعد الخليجي المتنامي، وما إذا كانت علاقاته ومصالحه الممتدة بين الطرفين قد جعلته، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، جزءًا من حسابات المرحلة الجديدة.
منذ أكثر من عشرين يومًا، تعيش عائلات لبنانية، بينها عائلات صيداوية معروفة، حالة من القلق الشديد بعد توقيف أربعة شبان لبنانيين في المملكة العربية السعودية، من دون اتضاح الأسباب أو الإعلان عن أي تهمة بحقهم حتى الآن. وبحسب معلومات حصلت عليها صحيفة «البوست» من مصادر متابعة، فإن جهاز أمن الدولة في السعودية أقدم على توقيف الشبان الأربعة، وهم ممن يعيشون ويعملون في المملكة منذ سنوات طويلة، حتى إن بعضهم من مواليد الرياض، قبل أن يتم اقتيادهم إلى جهة غير معلومة، وسط انقطاع شبه كامل في التواصل مع ذويهم. وتشير المعلومات إلى أن أحد الموقوفين سُمح له بإجراء اتصال وحيد بعائلته، قبل أن تنقطع أخباره مجددًا، ما زاد منسوب القلق لدى الأهالي، وفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول ظروف التوقيف، ومكان الاحتجاز، وطبيعة الملف الذي يجري التحقيق فيه. وفي ظل غياب أي معطيات رسمية واضحة، تتكاثر الروايات والتسريبات حول خلفيات ما جرى، بما في ذلك الحديث عن أسماء وارتباطات سياسية محتملة، إلا أن أيًا من هذه المعطيات لم يثبت حتى الآن، ولم يصدر ما يؤكدها أو ينفيها بصورة قاطعة. وتؤكد مصادر متابعة أن “جهات نافذة” بدأت السعي للدخول على خط القضية، في محاولة لجلاء حقيقة ما حصل، ومعرفة مصير الموقوفين، وضمان حقهم في التواصل مع عائلاتهم والحصول على المسار القانوني العادل، بعيدًا عن الشائعات والتوظيف السياسي. ويبقى السؤال الأهم: لماذا أوقف هؤلاء الشبان؟ وأين هم اليوم؟ ومن يتحمل مسؤولية كشف الحقيقة لعائلات لا تطلب سوى الاطمئنان إلى أبنائها ومعرفة مصيرهم؟
skip render: ucaddon_box_testimonial يُشاع أنّ الطائفة السنّية مظلومةٌ أو مستضعفةٌ اليوم بسبب ضعف قادتها أو غيابهم، أو بسبب خضوعهم لإملاءاتٍ خارجية. غير أنّ المشكلة، في حقيقتها، أعمق من ذلك بكثير؛ فجوهرها يكمن في ترهّل المؤسسة الدينية الأولى في الطائفة، من رأس هرمها إلى أصغر مفتٍ فيها، إلا من رحم ربّي. فدار الفتوى، التي يترأّسها سماحة المفتي «اللطيف»، اكتفت بتصاريح عامّة لا تُسمن ولا تُغني من جوع، وكأنّ اللطف الذي يُحسَب صفةً نبيلة قد انقلب، في هذا الملف، ليونةً تُضعف موقف الطائفة وتُؤخّر إنصاف أبنائها. فمؤسسةٌ ترفع شأن أمثال خلدون عريمط، «مفتي أبو عمر»، ولا تُحرّك ساكنًا في ملفات الأوقاف المهدورة، لن تكون معنيّةً بنصرة الحقّ يوم يُستنصَر. إنّ دار الفتوى ليست هيئةً استشاريةً تُصدر بياناتٍ من بعيد؛ هي مرجعيّةٌ روحية وسياسية في آنٍ معًا، تملك من الأدوات ما يكفي لقلب موازين أيّ ملفّ داخلي. ولنا في تجربة بكركي في عهد البطريرك مار نصرالله بطرس صفير خير شاهد؛ ففي ظلّ الوصاية السورية، يوم نُفي العماد ميشال عون وسُجن الدكتور سمير جعجع، لم تكتفِ بكركي بالبيانات، بل كانت رأس الحربة في مشروع رفع الظلم عن المسيحيين، وأصدرت «نداء المطارنة الموارنة» في أيلول 2000، الذي أعاد ترتيب المعادلة الوطنية بأسرها. وما لقاء البريستول الشهير، الذي جمع المعارضة اللبنانية على اختلاف ألوانها، ثمّ ما أعقبه من انتفاضةٍ شعبية بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري، انتهت بخروج الجيش السوري من لبنان، إلا ثمراتٌ نضجت من تلك الشرارة التي أطلقتها بكركي يوم قرّرت أن تكون مرجعيّة لا منبرًا. تلك هي المرجعية التي تُدرك حجمها وتستعمل أدواتها. أمّا اليوم، فدار الفتوى تملك ما هو أوفر: خطبة جمعة موحّدة، اعتكافٌ رمزي، نداءٌ علنيّ للمحامين السنّة للترافع تطوّعًا عن الموقوفين، ولقاءٌ مع المراجع الروحية الأخرى تحت سقفٍ وطنيّ جامع. كلّ ذلك ممكنٌ في يومٍ واحد لو وُجدت الإرادة. لكنّ المؤسسة المثقلة بحسابات الترضيات والمحاصصة باتت أعجز من أن تُحرّك ما تملك. فالعجز هنا ليس في الطائفة، بل في من تصدّر لتمثيلها. فلو كنّا رجالًا، أي لو كانت المؤسسة في مستوى أبنائها، لتغيّر مسار هذا الملف بالكامل. فالطائفة السنّية ليست عاجزةً، بل مكبّلة اليدين بمؤسسةٍ لا تتقدّم خطوةً واحدةً نحو الحقّ الذي تنطق باسمه. وقد قال تعالى: «إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ». والتغيير المنشود يبدأ من رأس المؤسسة قبل أن يُطلب من القاعدة. وهذا البلد، كالعالم بأسره، لا يعترف إلا بالقوة والمهابة؛ بأصواتٍ تعلو من المنابر، وبشوارع تنبض بأهلها، وبمواقف لا تُساوَم. ويوم تستعيد دار الفتوى دورها الحقيقي، سيكتشف من ظنّ أنّ الجمر قد خَمَد أنّ تحت الثلج نارًا، وأنّ السنّة في لبنان قادرون، متى أُحسن قيادهم، على إعادة رسم المعادلة من جديد.