حلم لم يبصر الضوء (العدسة الذكية) skip render: ucaddon_box_testimonial فالتطرف الديني، أيًّا كان مصدره، يبدأ عادة من الفكرة نفسها: تقسيم المجتمع إلى «نحن» و«هم»، ثم منح الجماعة حق تحديد من هو المؤمن الصحيح، ومن هو المنحرف، ومن هو الخائن، ومن لم يعد يستحق أن يكون جزءًا منها. جذور في التاريخ في الحالة اليهودية، لا يوجد مصطلح واحد يطابق مفهوم «التكفير» الإسلامي بكل أبعاده، لكن توجد منظومة من المصطلحات والأحكام الحاخامية التي يمكن أن تؤدي، في بعض القراءات المتشددة، وظيفة قريبة من نزع الشرعية الدينية والاجتماعية عن المخالف. تبدأ المسألة بوصفه مبتدعًا أو زنديقًا، وقد تنتهي باعتباره خارج «جماعة إسرائيل» أو خطرًا عليها، وهنا تكمن الخطورة الحقيقية. فالأصولية لا تصبح خطرة لمجرد أنها متشددة في فهم الدين، وإنما عندما تتحول من اعتقاد خاص إلى مشروع لفرض هذا الاعتقاد على المجتمع، وعندما يصبح المختلف ليس مجرد شخص يحمل رأيًا آخر، بل شخصًا يجب إسقاط شرعيته أو إقصاؤه أو، في أكثر الحالات تطرفًا، التخلص منه. وليس المجتمع الإسرائيلي بمنأى عن هذه الظاهرة، بل إن جذورها تضرب في قلب التاريخ الصهيوني نفسه. لم يكن المشروع الصهيوني في بداياته محل إجماع بين اليهود، بل اعتبرته تيارات دينية وحاخامات خروجًا على الشريعة ومحاولة بشرية لفرض الخلاص قبل أوانه. أي إن «الهرطقة» و«الخروج عن الجماعة» لم يكونا مفردتين غريبتين عن الصراع اليهودي الداخلي، بل كانتا جزءًا من الجدل حول الصهيونية منذ ولادتها. هرطقة ودولة المفارقة أن من كان يوصف بالأمس بأنه صاحب مشروع «هرطقي» أصبح اليوم جزءًا من الدولة، فيما لم تختفِ الأسئلة الدينية التي صنعت ذلك الرفض، بل انتقلت إلى داخل إسرائيل نفسها. وهنا تبدأ قصة أكثر خطورة. لم يكن اغتيال إسحاق رابين عام 1995 مجرد جريمة سياسية ارتكبها متطرف يهودي ضد رئيس وزراء إسرائيلي، بل كان، في جانب منه، إنذارًا مبكرًا بما يمكن أن يحدث عندما يتحول الخصم السياسي إلى «عدو للجماعة»، وعندما تستعير السياسة مفرداتها من أكثر القراءات الدينية تشددًا. بعد ثلاثة عقود تقريبًا، يبدو السؤال أكثر إلحاحًا: هل كان إيغال عمير استثناءً عابرًا، أم أنه كشف مبكرًا عن مرض يمكن أن يعود إلى الظهور في إسرائيل كلما ازدادت الدولة انقسامًا وتسليحًا وتطرفًا؟ المسألة ليست في «التكفير» بمعناه الإسلامي الدقيق، فهذا مفهوم مختلف في بنيته وأحكامه عن المفاهيم الحاخامية اليهودية. لكن اليهودية الحاخامية عرفت، ولا تزال بعض تياراتها تستخدم، سلسلة من المفاهيم التي تنزع الشرعية عن المخالف، بدءًا من وصفه بالمبتدع والزنديق، وصولًا إلى اعتباره خارج «جماعة إسرائيل» أو خطرًا عليها. لأن المجتمع الذي يختلف حول السياسات يمكنه التعايش، أما المجتمع الذي يختلف حول حق الآخر في أن يكون جزءًا منه، فإنه يدخل منطقة أكثر خطورة. الصهيونية كانت «هرطقة» هذا الانقسام ليس جديدًا، بل وُلد مع المشروع الصهيوني نفسه. فالصهيونية لم تكن، في بداياتها، مشروعًا يحظى بإجماع يهودي ديني. حاخامات وتيارات حريدية اعتبروها خروجًا على الشريعة ومحاولة بشرية لفرض الخلاص قبل أوانه، ولا تزال جماعات مثل «ناطوري كارتا» ترفض المشروع الصهيوني من هذا المنطلق. لكن قيام إسرائيل فرض واقعًا جديدًا. اضطر جزء كبير من التيار الحريدي إلى التعامل مع الدولة كأمر واقع، لا باعتبارها بالضرورة التجسيد الديني لـ«شعب إسرائيل». وهكذا نشأ تناقض لم يُحسم حتى اليوم: دولة أسسها صهاينة علمانيون، ومجتمع ديني يرى أن الهوية اليهودية لا يمكن اختزالها في دولة حديثة وحدود وجيش ومؤسسات. ومنذ ذلك الوقت، لم يتوقف الصراع حول السؤال الأهم: من يملك تعريف اليهودية؟ الدولة أم الحاخامات؟ العلمانيون أم المتدينون؟ السياسة أم الشريعة؟ من «أطفال السبي» إلى «أبيقوروس» في مراحل طويلة، تعاملت بعض المرجعيات الدينية مع العلمانيين باعتبارهم «أطفال السبي»، أي يهودًا نشأوا بعيدًا عن التوراة والشريعة، ولا يعرفون بالضرورة ما يكفي لتكون مسؤوليتهم الدينية كاملة. وكان هذا التصور، رغم أبوّيته، يُبقي العلماني داخل «العائلة». لكن التيار الأكثر تشددًا يملك قاموسًا آخر. هناك «أبيقوروس»، أي الزنديق أو من يستخف بأحكام التوراة، وهناك تعبيرات أخرى تُستخدم لإخراج الخصم من الجماعة أو التشكيك في يهوديته أو ولائه لها. ثم يأتي المصطلح الأكثر خطورة: «روديف»، أي «المطارد». وفي سياق ديني متطرف، يمكن أن يعني وصف شخص بأنه «روديف» أنه لم يعد مجرد خصم سياسي، بل شخصًا يشكل خطرًا يجب إيقافه بالقوة. وهذا تحديدًا ما يجعل تجربة إيغال عمير شديدة الأهمية. فعمير لم يقتل رابين لأنه اختلف معه في اتفاق أوسلو فقط، بل أعاد تعريفه دينيًا باعتباره خطرًا على الشعب اليهودي، وبذلك أصبح قتل رئيس الوزراء، في ذهنه، فعلًا له تبرير ديني. وهنا تكمن الكارثة: عندما يصبح قتل الخصم السياسي، في عقل المتطرف، دفاعًا عن الجماعة لا جريمة بحقها. دائرة «العدو» تتسع كان الفلسطيني لعقود طويلة العنوان المركزي للعدو في الخطاب الإسرائيلي المتشدد. لكن الصعود المتسارع للصهيونية الدينية جعل دائرة الخصومة أكثر اتساعًا. فالعلماني، واليساري، والمعارض لمشروع الاستيطان، ومن يرفض تفسيرًا معينًا للخلاص الديني، يمكن أن يدخلوا جميعًا في خانة الخصم. وحتى الحريدي ليس بمنأى عن ذلك. فالحريدي الذي يرفض التجنيد، أو يعارض اقتحامات المسجد الأقصى، أو يرفض فكرة التعجيل بالخلاص من خلال القوة، قد يجد نفسه في مواجهة مباشرة مع التيار الديني القومي الأكثر تطرفًا. اليهودي الصحيح وهكذا يصبح السؤال داخل إسرائيل أكثر قسوة: من هو «اليهودي الصحيح»؟ فالعلماني يرى في المتدين الذي يرفض الخدمة العسكرية ويحاول فرض أحكام الحاخامات عبئًا على الدولة، والمتدين يرى في العلماني الذي يرفض الشريعة سببًا في استجلاب الغضب الإلهي. وبينهما دولة تحمل السلاح، ومجتمع يعيش على حافة استقطاب سياسي وديني غير مسبوق. وعندما يصبح السلاح في خدمة الفكرة، تتغير المعادلة. فالخلاف الديني، مهما كان حادًا، يمكن احتواؤه عندما يبقى في إطار الجدل والفتوى والمجتمع، لكنه يصبح أكثر خطورة عندما يلتقي بالسلطة السياسية والسلاح والاستيطان والأجهزة الأمنية. وصعود شخصيات مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش لم يكن مجرد تغير في الخريطة الحزبية الإسرائيلية، بل عكس انتقال أفكار كانت هامشية أو محصورة في أوساط معينة إلى قلب السلطة. وهذا لا يعني أن كل مؤيدي الصهيونية الدينية متطرفون، ولا أن حربًا أهلية إسرائيلية باتت حتمية. لكن تجاهل مؤشرات التصدع قد يكون أكثر خطورة من المبالغة في التحذير منها. فالمجتمعات لا تنهار فقط عندما يخرج الناس إلى الشوارع حاملين السلاح، بل تبدأ عملية الانهيار قبل ذلك بكثير، عندما يفقد الناس القدرة على رؤية خصومهم باعتبارهم مواطنين. عندما يتحول المختلف إلى خائن، والخائن إلى زنديق، والزنديق إلى «روديف». ثم يصبح قتله، في ذهن المتطرف، دفاعًا عن الجماعة. هنا يصبح رابين أكثر من ذكرى، يصبح اختبارًا. فإذا كان إيغال عمير قد احتاج عام 1995 إلى أن يكون «ذئبًا منفردًا» ليحوّل تأويلًا متطرفًا إلى رصاصة، فماذا يمكن أن يحدث عندما تصبح الأيديولوجيا أكثر حضورًا في السياسة، ويصبح السلاح أكثر انتشارًا، ويصبح المجتمع أكثر انقسامًا لا أحد
في زمن تتكاثر فيه الخطابات الصلبة وتضيق فيه مساحات الشك، يظهر كتاب Thou Shalt Not Stand Idly By – Jews of Conscience on Palestine كوثيقة تتحدى القوالب الجاهزة وتقتحم منطقة الصمت الأخلاقي في النقاش الغربي حول فلسطين. لا يأتي العمل بوصفه مجرد تجميع لمقالات، بل كفعل فكري وسياسي يربك الاصطفافات التقليدية ويعيد رسم حدود الممكن في الحديث عن العدالة والهوية والمسؤولية. هنا لا يتحدث “الآخر” عن إسرائيل، بل يتكلم “الداخل” بلغته الخاصة، مستدعياً مرجعيات دينية وإنسانية لطالما استُخدمت لتبرير سياسات الدولة، ليحوّلها إلى أدوات مساءلة ونقد. تفكيك السردية الأحادية يضع الكتاب القارئ أمام مشهد غير مألوف في الإعلام الغربي؛ أصوات يهودية تتحدى فكرة التطابق بين الهوية اليهودية والدعم غير المشروط لإسرائيل. هذا التحول لا يقتصر على كسر الصورة النمطية، بل يفتح الباب أمام إعادة تعريف النقاش نفسه. فحين يتحدث “يهود الضمير” عن فلسطين، تنهار الثنائية السطحية التي اختزلت الصراع طويلاً بين معسكرين مغلقين، ويظهر فضاء ثالث يعترف بالتعقيد والتعدد والانقسام الداخلي.من هنا، يتحول الكتاب إلى فعل سياسي بامتياز، لأنه يسحب الشرعية الخطابية من فكرة الاحتكار، ويعيد توزيعها بين أصوات متعددة. لا يعود النقد صادراً من “الخارج” فقط، بل ينبع من داخل التجربة اليهودية نفسها، ما يفرض على الإعلام الدولي إعادة النظر في أدواته اللغوية والتصنيفية. النص الديني يصبح أداة مساءلة يحمل عنوان الكتاب دلالة عميقة تستدعي نصاً دينياً يحض على عدم الوقوف موقف المتفرج أمام الظلم. هذه الاستعادة ليست زخرفاً لغوياً، بل إعلاناً عن معركة أخلاقية داخلية. المؤلفون يوظفون التراث الديني بوصفه مرجعية للعدالة لا درعاً للسياسة، فيقلبون معادلة طالما اعتُمدت لتبرير السياسات الحكومية. بهذا المعنى، يصبح النص الديني ساحة صراع تأويلي، تتنافس فيها قراءات متباينة حول معنى المسؤولية الجماعية.النتيجة ليست مجرد نقد سياسي، بل إعادة تعريف للهوية نفسها، حيث يظهر الالتزام الأخلاقي بوصفه امتداداً للإيمان لا خروجاً عليه. هذا التحول يمنح الكتاب قوة خطابية خاصة في المجتمعات الغربية التي ما زالت ترى في المرجعيات الدينية مصدراً للشرعية الأخلاقية. فسيفساء الانقسام الداخلي يتشكل الكتاب من مقالات وشهادات وتحليلات متنوعة، ما يجعله أقرب إلى أرشيف حي للضمير المعاصر. هذا التعدد يمنح النص ثراءً لافتاً، لكنه يطرح أيضاً تحدياً منهجياً؛ إذ لا يقدّم العمل أطروحة سياسية موحدة بقدر ما يفتح مساحة للنقاش والتباين. من منظور أكاديمي، يمكن قراءة هذه البنية كمرآة لانقسام حقيقي داخل المجتمعات اليهودية حول إسرائيل، حيث لم يعد الإجماع ممكناً أو مرغوباً. قد يربك غياب الخط النظري الصارم القارئ الباحث عن تحليل استراتيجي شامل، لكنه في الوقت ذاته يعكس واقعاً سياسياً معقداً، ويمنح العمل صدقية مستمدة من تعددية الأصوات لا من وحدة الموقف. سياسياً، يقدّم الكتاب مادة خطابية حساسة في المعركة الإعلامية العالمية. وجود أصوات يهودية ناقدة يضعف الاتهامات الجاهزة التي تساوي بين انتقاد إسرائيل ومعاداة السامية، ويفتح مساحة جديدة للحديث عن الحقوق الفلسطينية بلغة أقل استقطاباً وأكثر تعقيداً. لم يعد النقاش محصوراً في ثنائية تقليدية، بل أصبح ميداناً تتقاطع فيه الهويات والروايات. في هذا السياق، يتحول العمل إلى أداة لإعادة صياغة النقاش، لأنه لا يقدّم حججاً جديدة فحسب، بل يعيد تعريف من يملك حق الكلام ومن يحدد معايير الشرعية الأخلاقية. قراءة نقدية مزدوجة رغم قوته الرمزية، لا يخلو الكتاب من حدود واضحة. تركيزه على البعد الأخلاقي يمنحه عمقاً إنسانياً لكنه قد يترك فراغاً في التحليل الجيوسياسي المفصل، كما أن طبيعته النخبوية قد تحد من انتشاره خارج الدوائر الأكاديمية والنشاطية. ومع ذلك، فإن هذه الحدود لا تلغي قيمته كمؤشر على تحول سردي أعمق داخل الغرب، حيث تتصدع المسلمات القديمة وتتسع مساحة الشك والمراجعة. لا يقدّم Thou Shalt Not Stand Idly By وصفة سياسية جاهزة، لكنه يغيّر شروط النقاش حول فلسطين عبر إعادة تعريف العلاقة بين الهوية والعدالة. أهميته تكمن في قدرته على نقل النقد من الهامش إلى الداخل، وتحويل الضمير الفردي إلى حدث سياسي يفرض نفسه على الإعلام وصنّاع القرار والجمهور معاً. في عالم يتنازع فيه الخطابان الصارخان، يقدّم الكتاب مساحة ثالثة لا تدّعي الحياد بقدر ما تدعو إلى مساءلة الذات قبل الآخر، وتذكّر بأن المعركة الحقيقية تبدأ حين يرفض الإنسان أن يقف متفرجاً.
في خِضَمِّ الفوضى والذُّعرِ الذي اجتاح شاطئ بوندي الشهير في سيدني أمس، وفي لحظةٍ تجمَّد فيها الزمن أمام مشهد العنف المروِّع، بزغ اسمُ رجلٍ عاديٍّ ليصبح رمزًا عالميًا للشجاعة والتضحية. أحمد الأحمد، الأسترالي المسلم من أصولٍ سورية، لم يكن جنديًا مدرَّبًا ولا ضابطَ شرطة، بل كان مجرَّد أبٍ وصاحب كشكٍ لبيع الفواكه، وجد نفسه في مواجهةٍ مباشرة مع العنف، فاختار ألّا يقف متفرِّجًا يبلغ أحمد الأحمد من العمر 43 عامًا، وهو أبٌ لطفلتين. قدم إلى أستراليا في عام 2006 من قرية النيرب في محافظة إدلب السورية، باحثًا عن حياةٍ جديدة. استقر في سيدني وأسس عمله الخاص، حياةً بسيطة وهادئة لم تكن تُنبئ بالدور البطولي الذي كان القدر يخبِّئه له. المفارقة المؤثِّرة تكمن في أن والديه، محمد فاتح ومليكة حسن الأحمد، كانا قد وصلا لتوِّهما من سوريا قبل أشهرٍ قليلة، ليشهدا تحوُّل ابنهما إلى بطلٍ قومي في وطنه الجديد. شجاعة في وجه النار في مساء يوم الأحد الدامي، بينما كان أحمد يحتسي القهوة مع صديقٍ له، دوَّت أصوات طلقات النار. الهجوم، الذي استهدف احتفالًا يهوديًا بعيد الحانوكا، أسفر عن مقتل 16 شخصًا وإصابة العشرات، في حادثة وصفتها السلطات بأنها عملٌ إرهابي. في تلك اللحظات التي سيطر فيها الخوف، أظهرت لقطات فيديو مصوَّرة مشهدًا لا يُصدَّق: رجلٌ يندفع نحو أحد المهاجمين، يقفز على ظهره، ويصارعه بشراسةٍ لينتزع منه سلاحه. هذا الرجل كان أحمد الأحمد. بتصرُّفٍ عفويٍّ يخلو من أي تدريبٍ مسبق على التعامل مع الأسلحة، نجح في تجريد المهاجم من بندقيته، ما أدّى إلى إرباك المهاجمين وسهَّل على الشرطة لاحقًا السيطرة على الموقف. لكن هذه الشجاعة لم تأتِ بلا ثمن؛ فقد تعرَّض أحمد لإطلاق نار من المهاجم الآخر، وأُصيب بعدة طلقات في كتفه وذراعه، نُقل على إثرها إلى المستشفى في حالةٍ حرجة. الذي فعله أحمد فعلًا أكثر من إنقاذ أرواح، فهو أربك سردياتٍ كاملة. أربك خطاب الكراهية الذي يعيش على التخويف المتبادل. أربك اليمين المتطرِّف الذي يقتات على فكرة «الصراع الديني الحتمي» دافع إنساني يتجاوز الانقسامات عندما سُئل عن دافعه، جاءت إجابات أحمد وعائلته بسيطةً وعميقة في آنٍ واحد. قال قريبه مصطفى الأسعد، نقلًا عنه: «لم أستطع تحمُّل رؤية الناس يُقتلون. كان الأمر عملًا إنسانيًا، مسألة ضمير». لم يكن أحمد يعلم هوية المهاجمين أو خلفية الضحايا؛ كل ما رآه هو أرواحٌ بريئة تُزهق، فدفعه ضميره إلى التحرك. هذا الموقف الإنساني الخالص هو ما أسر قلوب الملايين حول العالم. في عصرٍ يتَّسم بالاستقطاب، جاءت شجاعة أحمد الأحمد لتذكِّرنا بأن الإنسانية قادرة على تجاوز كل الحواجز الدينية والعرقية. والده، الذي خدم في الشرطة سابقًا، لخَّص الأمر بقوله: «ابني بطل، لديه شغف بالدفاع عن الناس. عندما فعل ما فعله، لم يكن يفكِّر في خلفية الأشخاص الذين كان ينقذهم». في وقتٍ كان يمكن للهجوم أن يزرع بذور الفرقة والشقاق، جاءت بطولة أحمد الأحمد، المسلم الذي خاطر بحياته لإنقاذ المحتفلين بعيدٍ يهودي، لتصبح جسرًا للتفاهم والوحدة، ولتقدِّم روايةً بديلة قوية في مواجهة خطاب الكراهية. لم يكن أحمد الأحمد يبحث عن بطولة، ولا عن صورةٍ تلتقطها الكاميرات، ولا عن تصفيقٍ مؤجَّل. كان يبحث فقط عن شيءٍ واحد: ألّا يموت الناس أمامه وهو واقف. عندما اندفع المسلَّح، لم يسأل أحمد: من هؤلاء؟ ولا ما ديانتهم؟ ولا ما العنوان السياسي للحادث. السؤال الوحيد كان: هل أستطيع أن أوقف هذا؟ في تلك اللحظة، سقطت كل الخطابات الجاهزة. سقطت صورة «المسلم الخطر»،وسقطت تجارة الخوف، وسقطت النماذج النمطية التي تُصنَّع في غرف السياسة والإعلام. مسلمٌ ينقذ يهودًا هنا، لا تعود الهويات سلاحًا، بل تصبح امتحانًا. وأحمد الأحمد اجتاز الامتحان بالفعل، لا بالتصريحات ولا بالشعارات، بل بالفعل المجرَّد. لم يقل: «هذا لا يعنيني». لم يقل: «ليتدخَّل غيري». لم يقل: «أنا ضحية الصورة النمطية أصلًا». ما الذي فعله أحمد فعلًا؟ أكثر من إنقاذ أرواح، أحمد أربك سردياتٍ كاملة. أربك خطاب الكراهية الذي يعيش على التخويف المتبادل. أربك اليمين المتطرِّف الذي يقتات على فكرة «الصراع الديني الحتمي». وأحرج عالمًا اعتاد أن يطلب من المسلمين الاعتذار… بدل أن يراهم ينقذون. في زمنٍ تُستخدَم فيه الهويات كجدران، جاء أحمد ليحوِّلها إلى جسور. إصابة أحمد لم تكن مجرَّد جرحٍ جسدي؛ كانت جرحًا في ضمير عالمٍ يصفِّق للبطولة نظريًا، ويتردَّد في ممارستها عمليًا. كثيرون شاهدوا الخطر. قليلون اقتربوا. واحدٌ فقط قرَّر ألّا ينجو وحده. بعد الحادثة، احتفت أستراليا بأحمد، وتسابقت الكلمات: «بطل»، «شجاع»، «رمز». لكن القيمة الحقيقية لا تكمن في الأوسمة، بل في السؤال الذي تركه خلفه. أحمد الأحمد لم يغيِّر مسار رصاصةٍ فقط؛ غيَّر اتجاه نقاش، وأعاد ترتيب بوصلةٍ أخلاقية اختلَّت طويلًا. هذه ليست قصة «مسلمٍ جيِّد» ولا «استثناءٍ جميل». هذه قصة إنسانٍ فعل ما يجب أن يكون طبيعيًا… لكنه صار نادرًا. Click here