“شبح القسام”… الذي حلّق أخيرًا
لم يكن عزّ الدين الحداد، المعروف بكنيته “أبو صهيب” وبلقبه الأكثر تداولًا “شبح القسام”، مجرّد اسم عسكري في سجلّ قادة كتائب الشهيد عزّ الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس. فقد مثّل، خلال السنوات الأخيرة، أحد أبرز وجوه القيادة الميدانية التي أحاطت نفسها بأقصى درجات السرية، حتى تحوّل، في الروايتين الإسرائيلية والفلسطينية، إلى هدف أمني استثنائي ورمز لمرحلة طويلة من العمل العسكري غير المرئي داخل قطاع غزة.
سطوة الغياب
سرّ قوة الحداد لم يكن في حضوره العلني، بل في غيابه. فقد ندر ظهوره الإعلامي، وارتبط اسمه بالعمل الأمني والعسكري شديد الانضباط. ومن هنا جاء لقب “شبح القسام”، لا بوصفه لقبًا دعائيًا فقط، بل تعبيرًا عن شخصية تحرّكت طويلًا في الظل، ونجحت في الإفلات من محاولات استهداف متكررة خلال حروب وجولات سابقة على غزة.
بعد عملية “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر 2023، أصبح اسم الحداد حاضرًا بقوة في التقارير الإسرائيلية، التي وصفته بأنه من الشخصيات التي كان لها دور في التخطيط أو الإدارة العسكرية للهجوم وما تلاه من عمليات. كما أشارت إسرائيل إلى أنه كان من آخر القادة الكبار المرتبطين بتلك المرحلة، في إطار حملة منهجية لتصفية من تعتبرهم مهندسي الهجوم وقادة الحرب داخل غزة.
رسائل متعددة
لا تتوقف قراءة اغتيال الحداد عند البعد الشخصي. فالاستهداف، في توقيته وسياقه، يحمل دلالات سياسية وأمنية تتجاوز قتل قائد عسكري. فهو يأتي بعد سلسلة طويلة من الضربات التي طالت قيادة حماس العسكرية، وفي ظل تعقيدات مستمرة حول مستقبل غزة، وسلاح الحركة، وترتيبات ما بعد الحرب.
لذلك يمكن النظر إلى اغتياله باعتباره رسالة إسرائيلية مزدوجة: أولًا، أن ملاحقة قادة 7 أكتوبر لم تنتهِ؛ وثانيًا، أن أي تسوية سياسية أو أمنية لن تمنع إسرائيل من تنفيذ عمليات تصفية حين ترى أن الهدف يستحق المخاطرة.
في المقابل، تنظر حماس إلى اغتيال الحداد من زاوية مختلفة، إذ قدّمت مقتله بوصفه “استشهادًا” لقائد عسكري أدّى دوره في معركة طويلة، مؤكدة أن الاغتيالات لا تنهي المقاومة، بل تعيد إنتاج رموزها. وهذه اللغة ليست جديدة في خطاب الحركة، لكنها تكتسب أهمية خاصة حين تتعلق بشخصية محاطة بهالة سرية كبيرة، لأن سقوطها يتحوّل تلقائيًا إلى مادة تعبئة داخلية ومحاولة لترميم المعنويات في لحظة عسكرية وسياسية صعبة.
استراتيجيًا، قد يشكّل غياب الحداد ضربة مؤلمة لبنية القيادة العسكرية في القسام، خصوصًا إذا صحّت التقديرات التي تضعه في موقع مركزي بعد مقتل عدد من القادة البارزين. غير أن التجارب السابقة أظهرت أن التنظيمات المسلحة، ولا سيما تلك التي تعمل في بيئات سرية طويلة الأمد، لا تقوم عادة على شخص واحد، بل على طبقات متداخلة من القيادة والبدائل.
لذلك فإن السؤال الأهم ليس فقط: من سيخلف الحداد؟ بل: إلى أي حد لا تزال البنية العسكرية للقسام قادرة على إنتاج قيادة جديدة وسط الحصار، والاختراقات، والاستهداف المكثّف؟
بهذا المعنى، فإن اغتيال عزّ الدين الحداد لا يطوي صفحة “شبح القسام” بقدر ما يفتح فصلًا جديدًا في الصراع بين إسرائيل وحماس؛ صراع لا يدور فقط على الأرض، بل أيضًا على الذاكرة والرمزية والقدرة على البقاء. بالنسبة إلى إسرائيل، هو هدف ثمين سقط بعد مطاردة طويلة. وبالنسبة إلى حماس وأنصارها، هو قائد غادر بعد أن رسّخ صورة المقاتل الخفي الذي طاردته أجهزة الاستخبارات سنوات قبل أن تصل إليه.
بين الروايتين
تبقى الحقيقة السياسية الأوسع أن غزة تدخل مرحلة أكثر تعقيدًا بعد اغتيال أحد أبرز قادتها العسكريين. فكل ضربة من هذا النوع قد تضعف بنية، لكنها قد تعيد أيضًا إنتاج سردية المواجهة. وكل قائد يسقط يترك خلفه فراغًا تنظيميًا، لكنه يترك أيضًا رمزًا جديدًا في ذاكرة الصراع. هكذا يغيب عزّ الدين الحداد عن المشهد العسكري المباشر، لكنه يحضر بقوة في سؤال المرحلة المقبلة: هل كان اغتياله نهاية فصل في قيادة القسام، أم بداية تحوّل جديد في شكل المواجهة داخل غزة؟
