تحميل

إبحث

ماذا لو

وثائق اللاجئين… معركة محو الذاكرة الفلسطينية

palestinian_memory_archive
لم تَعُد المأساة الفلسطينية اليوم مقتصرة على شعبٍ يُقتل تحت القصف، بل باتت مأساة شعبٍ يضطر إلى تهريب ذاكرته خوفًا من أن يتواطأ العالم على محوها. فالقصة التي كشفتها صحيفة The Guardian حول العملية السرية لإنقاذ أرشيف اللاجئين الفلسطينيين التابع لـ UNRWA ليست مجرد حدث إداري أو لوجستي، بل فضيحة سياسية وأخلاقية تكشف حجم الانهيار الدولي أمام القضية الفلسطينية.
ماذا لو؟

على مدى أشهر، كانت وثائق الفلسطينيين تُهرَّب سرًا من غزة والقدس الشرقية إلى الأردن، ليس خوفًا من كارثة طبيعية أو زلزال، بل خوفًا من حرب يعرف العالم كله من يشنّها، ويعرف من يدفع ثمنها، ثم يختار، رغم ذلك، الاكتفاء بالمشاهدة وإصدار بيانات القلق الباردة. لقد تحوّل الفلسطيني في القرن 21 إلى إنسان يخبّئ أسماء عائلته، وشهادات ميلاده، وسجلات قراه، كما لو أنه يهرّب آخر بقايا وجوده من مقصلة التاريخ.

النفاق الدولي

هذه الوثائق ليست أوراقًا بيروقراطية. إنها الذاكرة القانونية والسياسية لشعب كامل. في كل ملف لاجئ هناك قرية هُجّرت، وفي كل بطاقة تموين هناك منزل سُرق، وفي كل سجل عائلي هناك جريمة اقتلاع ما زالت مستمرة منذ النكبة وحتى اليوم. ولذلك، فإن استهداف أرشيف الفلسطينيين لا ينفصل عن استهداف الإنسان الفلسطيني نفسه. فحين تعجز القوة عن قتل الحقيقة، تبدأ بمحاولة إخفاء أدلتها.

لكن الأخطر من الحرب ذاتها هو النفاق الدولي الذي يحيط بها. فالدول التي تتحدث يوميًا عن حقوق الإنسان والقانون الدولي، وقفت عاجزة — أو متواطئة — أمام تدمير غزة ومؤسساتها وأرشيفها وذاكرتها. المجتمع الدولي، الذي يستطيع خلال ساعات حماية أرشيفات أوروبا وآثارها عند أي حرب، ترك الفلسطيني يقاتل وحده لإنقاذ وثائقه من تحت الركام، ثم يطالب العالم بعد ذلك الفلسطيني بأن يثبت “حقه التاريخي” بالأدلة.

أي سخرية أكثر مرارة من أن يُطلب من الضحية أن تحافظ بنفسها على أدلة الجريمة، بينما القاضي الدولي يشاهد الحريق بصمت؟

هياكل مرتبكة

لقد تحوّلت المؤسسات الدولية، التي أُنشئت أصلًا لحماية الشعوب، إلى هياكل مرتبكة تخشى حتى الدفاع عن وجود اللاجئ الفلسطيني. بل إن الحرب السياسية المفتوحة ضد UNRWA لم تَعُد خفية، لأنها تمثل آخر اعتراف دولي حيّ بأن هناك شعبًا اسمه اللاجئون الفلسطينيون، وأن هناك جريمة تهجير لم تُحلّ بعد. ولهذا، يبدو استهداف الوكالة، ماليًا وسياسيًا ومعنويًا، جزءًا من مشروع أوسع لإطفاء القضية نفسها، لا فقط تجفيف خدماتها.

والمؤلم أن الفلسطيني لم يَعُد يخشى فقط فقدان أرضه، بل فقدان روايته أيضًا. فالعالم الذي سمح بإبادة الحجر والبشر في غزة، كان قادرًا في أي لحظة على أن يسمح كذلك بإبادة الذاكرة. ولهذا، كان تهريب الأرشيف فعل مقاومة وطنية بامتياز، لأن حماية الوثيقة الفلسطينية اليوم تعني حماية حق العودة غدًا، وحماية اسم القرية من التحول إلى مجرد هامش في كتب التاريخ.

وربما تختصر هذه الحادثة المشهد الفلسطيني كله: شعب أعزل يهرّب ذاكرته من تحت النار، بينما العالم المتحضّر يناقش ما إذا كانت هذه الذاكرة تستحق أصلًا أن تبقى.

الخوف من ورقة

ومع ذلك، ورغم كل هذا الخذلان، بقي الفلسطيني أوفى من العالم نفسه للحقيقة. حمل أوراقه كما يحمل المقاتل بندقيته، وحفظ أسماء قراه كما تُحفظ الأناشيد الوطنية، لأن الفلسطيني يعرف جيدًا أن الاحتلال لا يخاف من السلاح فقط، بل يخاف أكثر من ورقة تثبت أن هذه الأرض كان لها أصحاب… وما زالوا.

Survivor amidst a ruined cityscape

حين يهرب الفلسطيني بوثيقته من تحت الركام، فهو لا ينقذ ورقة… بل ينقذ وطنًا يحاول العالم محوه من الذاكرة

العلامات

أترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

تفعيل التنبيهات نعم كلا