تحميل

إبحث

في الصميم

“السؤال الأكبر” بين 7 حزيران 2026 و7 أكتوبر 2023

The chessmaster's control over chaos

في العقلية الإسرائيلية – الصهيونية، لا يُقاس الخطر دوماً بحجم الخسائر المادية، بل بحجم الكسر الذي يصيب صورة الردع. من هذا المنظور، لا يبدو ما جرى في 7 حزيران 2026 أقلّ رمزية وخطورة عمّا جرى في 7 أكتوبر 2023.

ففي 7 أكتوبر، تلقت إسرائيل ضربة قاسية في عمق صورتها الأمنية والاستخبارية، واهتزّت أسطورة “الدولة التي لا تُفاجأ”. أما في 7 حزيران، فالمسألة مختلفة في الشكل، لكنها متقاربة في الجوهر: صواريخ إيرانية تُطلق باتجاه إسرائيل للمرة الأولى منذ وقف إطلاق النار في نيسان، بعد ضربات إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية تتقاطع فيها الحرب مع المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية.

هنا لا تصبح الصواريخ وحدها هي الحدث، بل السؤال الذي تطرحه: هل انتقلت إيران من موقع الردّ غير المباشر عبر الساحات الحليفة إلى موقع تثبيت معادلة اشتباك مباشرة؟ وهل تستطيع إسرائيل، التي بنت عقيدتها الأمنية على مبدأ الردّ القاسي والسريع، أن تتعايش مع معادلة جديدة تقول إن ضرب لبنان قد يستدعي ردًا من إيران نفسها؟

السؤال الأكبر الآن: هل تقبل إسرائيل بمقايضة "الخطر الوجودي" الذي شعرت به بعد "طوفان الأقصى"، بقبول قواعد جديدة تكبح بعضًا من طغيان آلتها الحربية؟ أم أن قبولها بذلك يعني، في الوعي الإسرائيلي، بداية تآكل الردع لا ترميمه؟
The big question

الإجابة عن هذه الأسئلة لا تبدو في تل أبيب وحدها، بل في واشنطن أيضًا. فإسرائيل قد تملك قرار النار، لكنها لا تملك دائمًا قرار السقف. وحين تكون الولايات المتحدة منخرطة في مفاوضات شاقة مع إيران، وحين يكون الرئيس الأميركي دونالد ترامب حريصًا على عدم انهيار مسار تفاوضي يراه قريبًا من الإنجاز، يصبح الردّ الإسرائيلي محكومًا بحسابات أميركية لا تقل أهمية عن الحسابات العسكرية الإسرائيلية. وقد نقلت تقارير أن ترامب حضّ نتنياهو على عدم الردّ، خشية انهيار المفاوضات القريبة مع طهران.

من هنا يولد السؤال الأكثر حساسية: من يحكم إيقاع العالم اليوم؟ واشنطن أم تل أبيب؟ القرار الأميركي أم الحاجة الإسرائيلية إلى الثأر؟ المصالح الكبرى أم هواجس الأمن الوجودي؟ وفي الخلفية، تبدو اللوبيات وشبكات النفوذ ومراكز الضغط جزءًا من معادلة القرار، لا بديلاً عنها.

شكل الردّ الإسرائيلي، مهما يكن، سيحسم الصورة الملتبسة لـ”المنتصر” و”المهزوم” في جولات الحروب التي تشهدها المنطقة منذ سنوات. فإذا ردّت إسرائيل بعنف واسع، فهي تقول إنها ما زالت قادرة على كسر أي معادلة تُفرض عليها. وإذا ردّت ردًا محدودًا ومحسوبًا، فهي تعترف ضمنًا بأن واشنطن هي التي تمسك بسقف النار. أما إذا امتنعت عن الردّ، أو اكتفت بردّ رمزي، فسيُقرأ ذلك في طهران وبيروت وصنعاء والمنطقة بوصفه قبولًا إسرائيليًا اضطراريًا بمعادلة احتواء جديدة.

وهذه هي المعضلة الإسرائيلية الحقيقية: الردّ قد يفتح حربًا أوسع، وعدم الردّ قد يفتح بابًا أخطر في وعي الخصوم، هو باب الاعتقاد بأن إسرائيل باتت قابلة للردع. وبين الخطرين، تقف تل أبيب أمام اختبار بالغ الحساسية: كيف تحفظ صورتها من دون أن تشعل المنطقة؟ وكيف تضرب من دون أن تُفشل واشنطن؟ وكيف تثأر من دون أن تمنح إيران نصرًا سياسيًا أكبر من فعلها العسكري؟

فإيران، حتى لو لم تُحدث صواريخها دمارًا كبيرًا، تسعى إلى تثبيت صورة سياسية مفادها أنها لم تعد تكتفي بإدارة الاشتباك عبر الوكلاء. وهي تريد أن تقول إن الضاحية ليست ساحة منفصلة عن طهران، وإن لبنان لم يعد صندوق بريد إقليميًا تستعمله إسرائيل من دون كلفة. وقد أعلنت طهران، عبر مسؤولين فيها، أن قواعد أميركية وأصولًا إسرائيلية في المنطقة قد تصبح أهدافًا مشروعة إذا توسّع التصعيد.

في المقابل، تعرف إسرائيل أن أي تراجع عن الردّ سيُقارن فورًا بما بعد 7 أكتوبر. يومها، اختارت حربًا طويلة ومدمّرة لاستعادة الهيبة. أما اليوم، فهي أمام خصم مختلف، وساحة أوسع، وراعٍ أميركي يريد احتواء الانفجار لا توسيعه. لذلك لن يكون السؤال: هل تستطيع إسرائيل الردّ؟ بل: هل تستطيع تحمّل نتائج الردّ؟

في عالم ترامب، قد يكون لا مكان إلا لترامب وحده. فالرجل الذي يريد أن يظهر بوصفه صانع الصفقات الكبرى لا بوصفه مدير الحروب المفتوحة، لن يسمح بسهولة بأن يتحول الردّ الإسرائيلي إلى تفجير لمسار تفاوضي قد يقدّمه لاحقًا كإنجاز شخصي. من هنا، قد لا تكون إسرائيل أمام قرار عسكري فقط، بل أمام امتحان طاعة سياسية للبيت الأبيض.

اليوم لا يُقرَّر فقط ما إذا كانت إيران ستخرج منتصرة، ولو صوريًا، مما جرى لها بعد الحرب عليها. بل يُقرَّر أيضًا ما إذا كانت إسرائيل لا تزال قادرة على فرض قواعد اللعبة وحدها، أم أن زمن الردّ المفتوح بلا سقف بدأ يتراجع أمام زمن المعادلات الثقيلة، حيث كل ضربة تحتاج إلى إذن، وكل ردّ يحتاج إلى حساب، وكل انتصار يحتاج إلى موافقة أميركية مسبقة.

ما جرى في 7 حزيران 2026 ليس مجرد هجوم صاروخي عابر، بل اختبار لمعادلة الشرق الأوسط الجديدة: هل تبقى إسرائيل فوق قواعد الاشتباك، أم تصبح طرفًا داخلها؟

العلامات

يعجبك ايضاً

أترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

تفعيل التنبيهات نعم كلا