تحميل

إبحث

في الصميم

مهندس الدولار يرحل… الدرس الذي لم يتعلمه لبنان

Finance stability versus collapse

برحيل آلان غرينسبان عن عمر ناهز المئة عام، يطوي الاقتصاد العالمي صفحة واحدة من أكثر الشخصيات تأثيراً في رسم السياسات النقدية خلال العقود الأربعة الأخيرة.

كان الرجل الذي قاد مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بين عامي 1987 و2006، وشهدت الولايات المتحدة في عهده أطول فترات النمو الاقتصادي المستدام، كما واجه خلال مسيرته سلسلة من الأزمات المالية والنقدية التي شكّلت اختبارات حقيقية للنظام الاقتصادي الأميركي.

لكن أهمية غرينسبان لا تكمن فقط في كونه رئيساً سابقاً للاحتياطي الفيدرالي، بل في كونه نموذجاً لفهم العلاقة المعقدة بين السياسة النقدية والاقتصاد الحقيقي، وبين نجاح المؤسسات وقابلية الخطأ البشري، وهي العلاقة التي تبدو أكثر إلحاحاً عند النظر إلى التجربة اللبنانية المعاصرة.

رجل هزّ الأسواق

على مدى نحو عشرين عاماً، تولى غرينسبان مسؤولية حماية استقرار الدولار والحفاظ على توازن الاقتصاد الأميركي. وبفضل موقعه الاستثنائي، اعتبره كثيرون الرجل الثاني في الدولة الأميركية بعد الرئيس. وكانت الأسواق العالمية تتابع تصريحاته المحدودة بدقة، لأن كلماته كانت قادرة على تحريك تريليونات الدولارات في مختلف أنحاء العالم.

ومع ذلك، فإن الرجل الذي اعتُبر لسنوات طويلة رمزاً للنجاح الاقتصادي لم يخرج من التاريخ بلا أخطاء. فقد اتُّهم لاحقاً بالمساهمة في خلق بيئة مالية ساعدت على تضخّم فقاعات الأصول، بدءاً من فقاعة شركات التكنولوجيا في أواخر التسعينيات، وصولاً إلى الظروف التي مهّدت لأزمة الرهن العقاري والانهيار المالي العالمي عام 2008.

 

ليست المشكلة في أن تخطئ النخب الاقتصادية، بل في أن تتحول الأخطاء إلى نظام حكم، وأن يصبح الإنكار سياسة رسمية للدولة

المفارقة اللبنانية

هنا تكمن المفارقة المهمة بالنسبة إلى لبنان. فالولايات المتحدة امتلكت مؤسسات قادرة على مراجعة أخطائها. وعندما انفجرت الأزمة المالية، وقف غرينسبان نفسه أمام الكونغرس معترفاً بأن بعض افتراضاته حول كفاءة الأسواق كانت خاطئة، وأنه اكتشف “خللاً” في النموذج الذي آمن به لعقود.

أما في لبنان، فإن أحداً لم يقف حتى اليوم ليقدّم مراجعة مماثلة.

فمنذ أوائل التسعينيات، بُني الاقتصاد اللبناني على فلسفة لا تختلف كثيراً عن بعض المبادئ التي سادت عالمياً في زمن غرينسبان: الاعتماد على التدفقات المالية، وتوسيع الائتمان، واستقطاب الرساميل، وربط الاستقرار الاقتصادي بالاستقرار النقدي. غير أن الفارق الجوهري كان أن الولايات المتحدة امتلكت اقتصاداً منتجاً ومؤسسات رقابية ودولة قادرة على امتصاص الصدمات، بينما اعتمد لبنان على اقتصاد ريعي هشّ، وعلى تدفقات خارجية متقلّبة.

اقتصاد على الثقة

كان غرينسبان يدير الدولار، العملة الاحتياطية الأولى في العالم، فيما كان لبنان يدير نظاماً نقدياً يعتمد بالكامل تقريباً على الثقة. وعندما اهتزّت هذه الثقة، انهار البناء بأكمله.

ولعل المقارنة الأكثر دلالة تكمن في مفهوم استقلالية المصرف المركزي. ففي الولايات المتحدة، ورغم الضغوط السياسية الهائلة، ظل الاحتياطي الفيدرالي مؤسسة قادرة على اتخاذ قراراتها ضمن إطار قانوني واضح. أما في لبنان، فقد تحوّلت السياسة النقدية تدريجياً إلى جزء من الصراع السياسي ومنظومة المحاصصة، حتى أصبح من الصعب الفصل بين القرارات الاقتصادية والاعتبارات السلطوية.

لقد واجه غرينسبان انتقادات قاسية بسبب ثقته المفرطة بالسوق الحرة، لكنه ظل يعمل ضمن منظومة مؤسساتية تسمح بالمحاسبة والتصحيح. أما الأزمة اللبنانية فكانت أزمة غياب للمؤسسات نفسها. فالانهيار لم يكن نتيجة قرار نقدي واحد أو خطأ فردي بعينه، بل نتيجة تراكم عقود من السياسات غير المستدامة، وغياب الرقابة، واندماج السلطة السياسية بالمصالح المالية.

أزمة مؤسسات لا أفراد

ومن المفيد التوقف عند مسألة أخرى. فقد كان غرينسبان يؤمن بأن الأسواق قادرة، إلى حد بعيد، على تنظيم نفسها. وبعد أزمة 2008 اعترف بأن هذا الإيمان لم يكن دقيقاً كما تصوّر. أما في لبنان، فإن التجربة ذهبت إلى النقيض الآخر: لم تكن هناك أسواق حرة حقيقية ولا مؤسسات رقابية فعالة، بل مزيج معقّد من الاحتكارات السياسية والمالية التي جعلت الخسائر العامة تتحول إلى خسائر وطنية شاملة.

وعندما نتأمل مسيرة الرجل الذي منحته الولايات المتحدة أعلى أوسمتها، ندرك أن قيمة التجربة الأميركية لم تكن في عصمة المسؤولين من الخطأ، بل في قدرة النظام على الاعتراف بالخطأ ومراجعته. فالدول لا تنهار لأن خبراءها يخطئون، بل لأنها ترفض الاعتراف بالأخطاء بعد وقوعها.

ربما لهذا السبب يحمل رحيل آلان غرينسبان دلالة تتجاوز حدود الولايات المتحدة. فهو يذكّر اللبنانيين بأن الأزمات الاقتصادية الكبرى لا تبدأ عادة بالانهيار، بل تبدأ حين تتحول النجاحات المؤقتة إلى عقائد مقدسة لا يجوز نقدها، وحين يصبح الاستقرار النقدي بديلاً عن الإصلاح الاقتصادي الحقيقي.

لقد ترك غرينسبان وراءه إرثاً متناقضاً؛ فهو مهندس واحدة من أكثر فترات الازدهار الاقتصادي الأميركي، وأحد المتهمين بالمساهمة في خلق الظروف التي سبقت أكبر أزمة مالية عالمية منذ الكساد الكبير. لكن الفارق بين واشنطن وبيروت أن الأميركيين ناقشوا أخطاءه في الكونغرس والجامعات ووسائل الإعلام، بينما لا يزال اللبنانيون مختلفين حتى اليوم على تعريف الأزمة نفسها، وعلى تحديد من تسبب بها، ومن يجب أن يتحمل كلفتها.

هنا تحديداً يكمن الدرس اللبناني الأهم في سيرة آلان غرينسبان: ليست المشكلة في أن تخطئ النخب الاقتصادية، بل في أن تتحول الأخطاء إلى نظام حكم، وأن يصبح الإنكار سياسة رسمية للدولة.
al-Post
العلامات

يعجبك ايضاً

أترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

تفعيل التنبيهات نعم كلا