تحميل

إبحث

في الصميم

الصورة تتحول إلى هدف

Surveillance urban plaza with AI overlays

قد تظنّ أنك مجرد شخص مرّ مصادفةً في خلفية فيديو، أو أنك ظهرت لثوانٍ معدودة في صورة التقطها شخص آخر. لكن بالنسبة إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي، قد لا تكون مجرد عابر في المشهد، بل نقطة بداية لعملية تحليل كاملة.

فهل يستطيع الذكاء الاصطناعي التعرّف إليك من لقطة عابرة؟ الإجابة هي نعم… لكن ليس في جميع الحالات.

تعتمد الإجابة على جودة الصورة، وزاوية التصوير، والإضاءة، والمسافة، والأهم من ذلك نوع النظام المستخدم والبيانات التي يمتلكها مسبقًا. فعندما يلتقط النظام وجهًا واضحًا، فإنه لا يرى ملامحك كما يراها الإنسان، بل يحوّلها إلى بصمة رقمية فريدة، ثم يبدأ بمقارنتها بملايين الصور المخزّنة في قواعد البيانات. وكلما كانت الصورة أوضح، ازدادت فرص الوصول إلى تطابق دقيق.

لكن ماذا لو كان الوجه غير واضح؟ أو ظهر من الجانب؟ أو كان مخفيًّا جزئيًّا؟

لم تعد الخصوصية تعني إخفاء وجهك، بل إخفاء السياق الذي يعرّف بك

هنا تبدأ المرحلة الأكثر إثارة. فالأنظمة الحديثة لا تتوقف عند حدود الوجه، بل تحاول جمع أجزاء الصورة كما لو كانت تحلّ لغزًا. وقد تستفيد من طول الشخص وبنية جسمه، ومن ألوان ملابسه، ومن طريقته في المشي، وهي تقنية تُعرف باسم «التعرّف على المشية» (Gait Recognition)، بل قد تربط وجوده بالأشخاص المحيطين به، أو بالمكان والزمان اللذين التُقطت فيهما الصورة. وإذا احتوى الفيديو على صوت واضح، فقد يصبح الصوت نفسه وسيلة إضافية للمقارنة، إذا كانت هناك تسجيلات مرجعية متاحة.

والمفاجأة أن الصورة نفسها قد تُخبر النظام بأشياء لا ينتبه إليها صاحبها. فقد تحتوي على بيانات تحدد الموقع الجغرافي، إذا كانت معلومات نظام تحديد المواقع (GPS) محفوظة داخل الملف، أو تكشف وقت التقاطها، ونوع الهاتف أو الكاميرا المستخدمة، وحتى اتجاه التصوير. أما الخلفية، فقد تكون أكثر ثرثرةً من الشخص نفسه؛ فمبنى معروف، أو شارع، أو لافتة، أو حتى انعكاس بسيط في زجاج نافذة، كلها تفاصيل يمكن أن تتحول إلى أدلة رقمية تربط الصورة بسياق أوسع.

ولهذا، فإن ظهورك في خلفية صورة أو فيديو لا يعني بالضرورة أنك خارج دائرة التحليل. ففي عالم الذكاء الاصطناعي، لا يوجد ما يُسمّى «شخصًا غير مهم» داخل المشهد، فكل عنصر قد يحمل قيمة معلوماتية إذا كان يخدم هدف النظام.

وقد ظهرت تطبيقات عملية لهذه التقنيات في مناطق النزاع، إذ أشارت تقارير عديدة إلى استخدام القوات الإسرائيلية أنظمةً للتعرّف على الوجوه في بعض نقاط التفتيش خلال الحرب في غزة. وعندما كانت الأنظمة تعجز عن إجراء مطابقة بسبب تغيّر ملامح الأشخاص الناتج من الإرهاق، أو ضعف الإضاءة، أو تغطية جزء من الوجه، كان يُطلب من بعض الفلسطينيين إبراز بطاقات هوياتهم أمام الكاميرات، لتُقرأ بياناتها إلكترونيًّا وتُربط بقواعد البيانات المتاحة. ويعكس ذلك كيف يمكن الجمع بين التعرّف على الوجه والتحقق من الهوية بوسائل أخرى، لزيادة دقة المطابقة.

لهذا السبب، فإن إخفاء الوجه لا يعني دائمًا إخفاء الهوية. فالتقنيات الحديثة أصبحت قادرة على الاستفادة من شبكة واسعة من المؤشرات والقرائن التي تتجاوز ملامح الوجه بكثير، وهو ما يجعل حماية الخصوصية اليوم أكثر تعقيدًا مما كانت عليه قبل سنوات.

تذكّر أن كل صورة أو فيديو تنشره على الإنترنت قد يحتوي على معلومات أكثر بكثير مما تراه بعينك. ففي عصر الذكاء الاصطناعي، لا يجري تحليل الوجوه فقط، بل تُحلَّل الأماكن، والأصوات، والعلاقات، والسياق، وكل تفصيل يمكن أن يساعد في بناء صورة أكثر اكتمالًا عن الأشخاص الموجودين داخل المشهد.

لقد تغيّر مفهوم الخصوصية. فلم يعد يعني فقط إخفاء وجهك، بل أن تدرك أن كل ما يظهر حولك قد يكون جزءًا من هويتك الرقمية.
al-Post
العلامات

يعجبك ايضاً

أترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

تفعيل التنبيهات نعم كلا