روسيا تخسر الأسد… وتربح المتوسط؟
لم تعد القواعد الروسية في سوريا مجرد إرث عسكري من زمن بشار الأسد، ولا مجرد تفصيل في علاقة موسكو بدمشق الجديدة. ما جرى بين روسيا وسوريا خلال الأيام الأخيرة يكشف عن إعادة رسم هادئة لخريطة النفوذ في شرق المتوسط، وقد يكون لبنان أحد أكثر البلدان تأثراً بتداعياتها، حتى لو لم يكن طرفاً مباشراً فيها.
الاتفاق الجديد يعيد تنظيم الوجود الروسي في طرطوس وحميميم، مع انتقال إدارة المنشآت المدنية إلى الدولة السورية وتحويل المنشآت العسكرية إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة. وبذلك لا تخرج موسكو من الساحل السوري، بل تعيد تعريف وجودها بطريقة أقل استفزازاً للسلطة الجديدة وأكثر قابلية للاستمرار. وقد بدأت بالفعل عملية انتقال بعض المرافق المدنية في طرطوس إلى الإدارة السورية، بينما تؤكد موسكو أن الاتفاق يعزز التعاون العسكري والعلاقات مع دمشق. هنا تبدأ القصة التي تتجاوز سوريا.
فطرطوس ليست مجرد ميناء، وحميميم ليست مجرد قاعدة جوية. الموقعان يشكلان عقدة لوجستية روسية على البحر المتوسط، ويمكن أن يمنحا موسكو طريقاً أكثر ملاءمة للحركة والإمداد باتجاه مناطق نفوذها في إفريقيا. ولذلك فإن السؤال ليس فقط ماذا بقي لروسيا في سوريا، بل ماذا تستطيع روسيا أن تفعل بما بقي لها في سوريا.
ما بعد الأسد
لقد خسرت موسكو حليفها بشار الأسد، لكنها لم تخسر الجغرافيا. وهذه ربما تكون أهم نقطة في المعادلة الجديدة. فبدلاً من التمسك بنظام سياسي سقط، تتعامل روسيا مع السلطة السورية الجديدة باعتبارها شريكاً محتملاً في الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية. وهذه ليست رومانسية دبلوماسية، بل براغماتية صلبة: الدول تتغير، أما الموانئ والممرات والمواقع الجغرافية فلا تتغير بسهولة.
بالنسبة إلى لبنان، فإن إعادة تثبيت الدور الروسي على الساحل السوري تحمل أكثر من دلالة. فلبنان يقع في منطقة تتقاطع فيها ثلاثة مسارات متنافسة: إعادة بناء سوريا، النفوذ الإسرائيلي، ومحاولة القوى الدولية والإقليمية إعادة ترتيب وجودها في شرق المتوسط.
عقدة المتوسط
وأي حضور روسي مستقر على الساحل السوري يعني أن المتوسط الشرقي لن يصبح مساحة نفوذ حصرية لقوة واحدة. وهذا قد يمنح لبنان هامشاً إضافياً في لعبة التوازنات، لكنه في الوقت نفسه يجعله أكثر ارتباطاً بالتنافس الدولي على المنطقة. فلبنان لا يملك ترف العزلة عن التحولات السورية؛ حدوده البرية، واقتصاده، وملف اللاجئين، وأمنه، وحتى علاقاته مع القوى الدولية، كلها تتأثر بما يحدث على الجانب الآخر من الحدود.
الأخطر أن إعادة ترتيب النفوذ الروسي في سوريا قد تتزامن مع إعادة تعريف وظيفة لبنان نفسه في الخريطة الإقليمية. فإذا تحولت سوريا تدريجياً إلى دولة أكثر انفتاحاً على الغرب والدول العربية وتركيا، مع احتفاظها بعلاقة استراتيجية مع موسكو، فإن لبنان سيجد نفسه أمام بيئة إقليمية مختلفة تماماً عن تلك التي عرفها خلال العقد الماضي.
لبنان في المنتصف
وفي هذه البيئة، قد يصبح المطلوب من لبنان ليس أن يكون ساحة للصراع، بل أن يتحول إلى مساحة تواصل بين مراكز النفوذ المتنافسة. وهذه فرصة، لكنها أيضاً امتحان. فالبلد الذي عجز طويلاً عن إدارة موقعه الجغرافي لمصلحته قد يجد نفسه مرة أخرى يدفع ثمن التحولات التي تجري حوله.
أما بالنسبة إلى روسيا، فإن المسألة أبعد من لبنان وسوريا معاً. موسكو تحاول الحفاظ على موطئ قدم في المتوسط، وفي الوقت نفسه تأمين خطوط حركة لعملياتها ونفوذها في إفريقيا. ومن هنا يصبح الساحل السوري جزءاً من منظومة استراتيجية تمتد جنوباً وغرباً، لا مجرد قاعدة متبقية من الحرب السورية.
لقد تدخل بوتين في سوريا عام 2015 لإنقاذ الأسد وتغيير مسار الحرب. وبعد سقوط الأسد، كان يمكن أن تتحول النتيجة إلى هزيمة روسية كاملة. لكن موسكو اختارت مساراً آخر: خسارة الحليف، مع محاولة الاحتفاظ بالموقع.
روسيا لم تعد تدافع عن سوريا الأسد؛ إنها تدافع عن سوريا التي تحتاج إليها روسيا. أما لبنان، فعليه أن يفهم أن تغير قواعد اللعبة في طرطوس وحميميم لا يعني أن اللعبة بعيدة عنه. فكلما أعادت القوى الكبرى توزيع مواقعها في سوريا، أعادت بصورة غير مباشرة رسم البيئة التي يتحرك فيها لبنان.
وفي الشرق الأوسط، لا تحتاج إلى أن تكون على طاولة المفاوضات كي تتأثر بنتائجها. أحياناً يكفي أن تكون جالساً على الكرسي المجاور.
