تحميل

إبحث

ماذا لو

بريطانيا وإسرائيل… عقوبات متأخرة على جريمة قديمة

britain_double_standards_settlements_landscape

حلم لم يبصر الضوء (العدسة الذكية)

ليس أكثر وقاحةً من دولة استعمارية سابقة وهي تكتشف، بعد عقود من الاحتلال والاستيطان والتهجير، أن بعض ما تفعله إسرائيل يستحق العقوبة. بريطانيا، التي بنت إمبراطوريتها فوق خرائط الشعوب وركامها، والتي تتحمل مسؤولية تاريخية مباشرة عن المأساة الفلسطينية، تتصرف اليوم كأنها اكتشفت فجأة أن المستوطنات ليست منتجًا زراعيًا إسرائيليًا عاديًا، بل جزء من مشروع لاقتلاع شعب من أرضه وإعادة هندسة الجغرافيا بالقوة.
ماذا لو؟

المشكلة ليست أن لندن اتخذت إجراءات ضد المستوطنات، بل أنها فعلت ذلك بعد أن استنفدت كل قاموس النفاق الدبلوماسي: «نشعر بالقلق»، «نحث على ضبط النفس»، «نؤكد التزامنا بحل الدولتين»، ثم تصمت بينما يجري تدمير الدولة التي تزعم أنها تؤمن بقيامها. بريطانيا لم تكن تجهل حقيقة الاستيطان، لكنها كانت تفضّل جهلًا انتقائيًا؛ ترى الصاروخ الفلسطيني جريمة، وترى المستوطنة الإسرائيلية «تعقيدًا على الأرض».

لقد ظلّت لندن سنوات طويلة تمارس ازدواجية معايير فاضحة: تفرض العقوبات على دول حين تنتهك القانون الدولي، وتلوّح بعزل حكومات حين تتجاوز الحدود، لكنها حين يتعلق الأمر بإسرائيل، تتحول القوانين إلى نصائح، والاحتلال إلى «نزاع»، والاستيطان إلى «خلاف على الأراضي»، والضحايا الفلسطينيون إلى أرقام في تقارير باردة. كأن القانون الدولي في السياسة البريطانية ليس قاعدة عامة، بل خدمة مميزة لا تشمل إسرائيل.

غير أن إسرائيل نفسها ساهمت في إسقاط هذه المسرحية. فالحكومة الإسرائيلية اليمينية لم تعد تترك لحلفائها الغربيين فرصة الادعاء بأن الاستيطان عابر أو قابل للتجميد أو جزء من تسوية مستقبلية. المشروع بات واضحًا: الأرض للفعل الإسرائيلي، والدولة الفلسطينية للخطاب الغربي، والتهجير للواقع، وحل الدولتين للاستهلاك الإعلامي. وفي كل مرة تتحدث فيها لندن عن السلام، كانت الجرافات الإسرائيلية تقدم ردّها الميداني الأكثر صدقًا.

ما تغيّر ليس ضمير بريطانيا، بل كلفة التواطؤ. فقد أصبحت إسرائيل عبئًا متزايدًا على صورتها الدولية، وعلى خطابها الحقوقي، وعلى حزب العمال الذي اكتشف أن فلسطين لم تعد قضية بعيدة في الشرق الأوسط، بل اختبارًا يوميًا لمصداقيته داخل المجتمع البريطاني. 

الناخب الذي يُطلب منه تصديق دفاع لندن عن حقوق الإنسان في أوكرانيا أو في أماكن أخرى، لم يعد مستعدًا لتجاهل التناقض حين يرى حقوق الفلسطينيين تُعامل باعتبارها استثناءً دائمًا.

لقد وصلت ازدواجية المعايير إلى مرحلة لم تعد قابلة للتسويق حتى باللغة الدبلوماسية. كيف يمكن لبريطانيا أن تعاقب روسيا بسبب احتلال أراضٍ أوكرانية، ثم تتردد في التعامل مع منظومة استيطانية إسرائيلية تقوم على الاحتلال والضم والتهجير؟ كيف يمكنها أن تتحدث عن النظام الدولي القائم على القواعد، ثم تسمح لحليفها بأن يتعامل مع هذه القواعد باعتبارها اقتراحات غير ملزمة؟ وأي معنى يبقى للقانون الدولي إذا كان تطبيقه يتوقف على هوية المعتدي وعلاقته بواشنطن ولندن؟

ومع ذلك، فإن الإجراءات البريطانية لا تعني أن لندن قررت مواجهة إسرائيل، بل إنها تحاول إنقاذ نفسها من صورة الحليف الذي يدافع عن كل شيء مهما بلغ سوءه. إنها تعاقب بعض أدوات الاحتلال، لا الاحتلال نفسه؛ تُضيّق على المستوطنات، لكنها لا تزال تحافظ على بنية التحالف؛ ترفع سقف النقد، لكنها لا تقترب من السقف الذي قد يهدد العلاقة الاستراتيجية. إنها سياسة تقول لإسرائيل: «نحن منزعجون من الطريقة التي تجعليننا نبدو بها»، لا: «نحن نرفض ما تفعلينه بالفلسطينيين».

وهنا تكمن المفارقة الأكثر فجاجة: بريطانيا لا تتحرك لأن الفلسطينيين حصلوا أخيرًا على العدالة، بل لأن إسرائيل جعلت الظلم مكلفًا سياسيًا لمن يحميه. لم يصبح الاحتلال أقل وحشية، وإنما أصبح الدفاع عنه أكثر إحراجًا. ولم يتغير ميزان الأخلاق في لندن، بل تغير ميزان الخسائر.

إن كانت هذه الخطوة بداية مسار حقيقي، فعليها أن تتجاوز العقوبات الانتقائية إلى مراجعة شاملة للعلاقة مع دولة تجعل من خرق القانون الدولي سياسة دولة. أما إذا كانت مجرد عملية تجميل للوجه البريطاني، فإنها لن تكون سوى محاولة لغسل اليدين من دماء يعرف الجميع كيف وصلت إليهما.

فبريطانيا لا تحتاج إلى اكتشاف أن الاستيطان غير قانوني؛ تحتاج إلى تفسير لماذا احتاجت كل هذه السنوات كي تتصرف كما لو أنها تصدق ما تقوله. وفي السياسة الدولية، لا يكفي أن تعاقب الجريمة متأخرًا إذا كنت قد أمضيت عقودًا في حماية مرتكبها من تبعاتها.

Britain’s Stamp, Divided Landscape
العلامات

يعجبك ايضاً

أترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

تفعيل التنبيهات نعم كلا