عقيدة نتنياهو الجديدة… الحرب التي لا تنتهي

هنا تكمن دلالة العقيدة الأمنية الجديدة التي أعلنها نتنياهو في 18 أكتوبر 2026: ليس اختراع أدوات عسكرية جديدة بقدر ما هو تحويل استخدام القوة من خيار استثنائي إلى نهج مستمر لإدارة الإقليم وإعادة تشكيل توازناته.
تأتي الوثيقة، المؤلّفة من عشرة مبادئ، في أعقاب حروب ما بعد أكتوبر 2023، وفي توقيت انتخابي بالغ الحساسية، قبل الانتخابات الإسرائيلية المقرّرة في 27 أكتوبر. وهي تحاول تقديم العمليات العسكرية السابقة باعتبارها أساسًا لاستراتيجية طويلة الأمد، لكن السؤال الذي تتجنّبه الحسابات السياسية يظل قائمًا: هل تستطيع القوة العسكرية إنتاج أمن مستدام، أم أنّها تعيد باستمرار صناعة التهديدات التي تبرّر استخدامها؟
الردع الذي لا يعرف الاكتفاء
لم تكن المبادأة والضربات الاستباقية غائبتين عن العقيدة الإسرائيلية التقليدية؛ الجديد هو توسيع نطاق المبرّرات التي تسمح باستخدامهما، بحيث لا يقتصر الهدف على ردع الخصم، بل يمتد إلى تدمير قدراته ومنعه من إعادة بنائها. وبذلك يتحوّل الردع من وسيلة لمنع الحرب إلى عملية عسكرية مفتوحة، لا تملك بالضرورة نقطة نهاية واضحة.
تريد إسرائيل تحصين جبهتها الداخلية، وتوسيع المناطق العازلة، وتطوير دفاعاتها الجوية والصاروخية، بالتوازي مع الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والفضاء والصناعات العسكرية. غير أنّ هذه الطموحات تكشف تناقضًا جوهريًّا: فالدولة التي تسعى إلى تقليص اعتمادها على الخارج تظل مرتبطة بالولايات المتحدة في التسليح المتقدّم والذخائر والدعم اللوجستي والعملياتي.
كما أنّ المناطق العازلة، مهما وفّرت من مزايا تكتيكية، قد تتحوّل إلى مساحات استنزاف دائمة، تتطلّب قوات وموارد وتخلق احتكاكات جديدة. فالسيطرة على الأرض ليست مرادفًا للسيطرة على إرادة سكانها، والتفوّق في الجو لا يضمن حسم الصراع على الأرض أو في الوعي السياسي.
تدمير القدرات واستحالة الحسم
تحتل إيران مركز الثقل في الحسابات الأمنية الإسرائيلية، بما تمثّله من تحديات نووية وصاروخية وإقليمية. لكن التعامل مع هذا التحدي يتطلّب التمييز بين منع امتلاك السلاح النووي، وتقليص القدرات العسكرية، وتغيير سلوك النظام أو إسقاطه؛ وهي أهداف مختلفة لا تقود إحداها بالضرورة إلى الأخرى.
قد تنجح الضربات في تأخير برامج عسكرية أو إلحاق أضرار كبيرة بالبنية التحتية، لكنها لا تضمن القضاء على المعرفة التقنية أو إرادة إعادة البناء. وإذا أصبحت كل محاولة إيرانية لاستعادة قدراتها مبرّرًا لضربة إسرائيلية جديدة، فإنّ المنطقة ستكون أمام دورة من الحروب المتقطّعة، لا أمام تسوية أمنية مستقرة.
والخطر الأكبر ليس بالضرورة قرارًا مسبقًا بشنّ حرب شاملة، بل انزلاق مواجهة محدودة إلى صراع واسع بفعل سوء التقدير، أو المبالغة في نتائج الضربة الأولى، أو تجاوز الردود المتبادلة حدود السيطرة.
واشنطن والتحالفات المتحرّكة
يمنح دعم دونالد ترامب لنتنياهو الأخير مكسبًا سياسيًّا في توقيت انتخابي حساس، لكنه لا يعني تطابق الحسابات الأميركية والإسرائيلية. فواشنطن معنية بأمن الخليج والملاحة وأسواق الطاقة وحماية قواتها، وقد تجد نفسها أمام كلفة استراتيجية لا ترغب في تحمّلها إذا اتّسعت الحرب.
كذلك لا ينبغي قراءة الخرائط الإقليمية التي يعرضها نتنياهو باعتبارها دليلًا على تشكّل محاور عسكرية مكتملة. فالتقارب السياسي ليس تحالفًا دفاعيًّا، والتعاون الأمني لا يعني التزامًا تلقائيًّا بخوض الحرب. تتحرّك دول المنطقة وفق مصالح متقاطعة ومتغيّرة، ولا تختزلها بسهولة ثنائية إسرائيل وخصومها.
الأمن أم إدارة الصراع إلى الأبد؟ تتجاوز العقيدة الجديدة المجال العسكري إلى الهوية القومية والاستيطان ومواجهة نزع الشرعية الدولية عن إسرائيل. وهنا تتّضح خطورة دمج الأمن بالأيديولوجيا: حين تتحوّل السيطرة على الأرض والوعي إلى أهداف استراتيجية، تصبح التسوية السياسية أكثر صعوبة، وتتزايد الأعباء الاقتصادية والاجتماعية والعزلة الدولية. وبالنسبة إلى الفلسطينيين، لا يمكن فصل هذا التوجّه عن استمرار الاحتلال والاستيطان ومحاولات فرض الوقائع بالقوة. فالأمن الذي يُبنى على حرمان شعب من حقوقه لا ينتج سلامًا، بل يعيد تدوير أسباب الصراع، مهما بلغت القدرات العسكرية المستخدمة في إدارته.
ما بعد الانتخابات
قد يكون لتوقيت الإعلان غرض انتخابي واضح، لكن التحوّل الذي يعكسه أعمق من حملة نتنياهو. ومن المرجّح استمرار الاستثمار في التفوّق التكنولوجي والدفاعات الجوية والقدرات الهجومية، مع إبقاء خيار الضربات الوقائية حاضرًا. أمّا تجدّد الحرب مع إيران فيظل احتمالًا قائمًا، لا نتيجة حتمية.
المعضلة الإسرائيلية ليست في القدرة على توجيه الضربة، بل في تحويل نتائجها إلى واقع سياسي مستقر. فالتفوّق العسكري يستطيع تدمير منشآت وإضعاف جيوش، لكنه لا يستطيع وحده إنتاج الشرعية أو إنهاء الخصومات أو فرض سلام دائم.
إنّ العقيدة التي تمنح الدولة حقّ الضرب كلّما شعرت بالخطر قد تمنحها تفوّقًا مؤقتًا، لكنها لا تمنحها أمنًا بلا نهاية. وحين تصبح الحرب سياسة دائمة، لا تعود القوة ضمانة للخلاص من التهديد، بل قد تتحوّل إلى آلية لإدامته.
