تحميل

إبحث

ماذا لو

الاستبدال العظيم… حرب على المسلمين بلا رصاصة

infowar_manufactured_fear_landscape
ماذا لو أمكن صناعة عدوّ لملايين البشر من دون أن يُطلق رصاصة واحدة؟ وماذا لو أمكن تحويل المسلمين والمهاجرين إلى متهمين جماعيين، وإقناع مجتمعات كاملة بأن وجودهم يشكّل تهديدًا لهويتها ومستقبلها، عبر ملايين الدولارات ومقاطع مصطنعة وحملات رقمية منظّمة؟
ماذا لو؟

لم يعد هذا سيناريو افتراضيًا من روايات الحروب النفسية، بل واقعًا تكشفه حملة «الاستبدال العظيم»، التي استهدفت المسلمين والمهاجرين في 30 دولة، في عملية عابرة للحدود سعت إلى صناعة الخوف وتحويل العنصرية إلى خطاب قابل للتسويق والتوظيف السياسي.

نحن أمام نموذج جديد من الحروب، لا يستهدف الجغرافيا وحدها، بل يضرب صورة الإنسان وهويته ومكانه داخل المجتمع. فبدلًا من احتلال الأرض، يجري احتلال الوعي؛ وبدلًا من مواجهة الخصم عسكريًا، يُعاد تشكيله في المخيّلة باعتباره خطرًا ينبغي الخوف منه ومواجهته.

امتدت الحملة 3 سنوات، وأُنفِق عليها نحو 6.12 ملايين جنيه إسترليني، وحققت قرابة 800 مليون ظهور إعلاني. واستندت إلى نظرية مؤامرة عنصرية تزعم وجود مخطط لاستبدال السكان الأوروبيين البيض بمجموعات مهاجرة من أصول غير أوروبية. لم يكن المطلوب إثبات هذه النظرية، بل تحويلها إلى خوف يومي يتغذّى على الصور والمعلومات المفبركة والرسائل التحريضية.

الذكاء الاصطناعي العنصري

اعتمدت العملية على الإعلانات المدفوعة ومقاطع الفيديو المولَّدة بالذكاء الاصطناعي، والأغاني الساخرة ومحاكاة ألعاب الفيديو، فضلًا عن إعادة تدوير مشاهد حقيقية خارج سياقها. وصُوِّر المسلمون والمهاجرون باعتبارهم تهديدًا ديموغرافيًا وثقافيًا، فيما امتدّ التحريض إلى قطر وإيران ودول عربية أخرى.

الأكثر خطورة أن هذه المواد لم تكن تستهدف جمهورًا محددًا، بل انتشرت عبر منصات رقمية في أوروبا والأميركتين وآسيا والشرق الأوسط، مستفيدة من أنظمة التوصية التي تكافئ المحتوى المثير للغضب وتمنحه انتشارًا واسعًا، بصرف النظر عن صدقيته.

لقد انتقلت الدعاية من مرحلة نشر الأكاذيب إلى صناعة بيئة تجعل الجمهور مستعدًا لتصديقها. فحين تتكرّر الصورة نفسها بأشكال مختلفة، يصبح التشكيك فيها أصعب، ويتحوّل التحريض تدريجيًا إلى جزء من النقاش العام.

خيوط إسرائيلية

تكتسب القضية أبعادًا سياسية أكثر حساسية مع ظهور مؤشرات بحثية تربط جهات مشاركة في الحملة بإسرائيل، وتتبع مراحل من نشاطها إلى شركات وسيطة في فيتنام، ثم كيانات تجارية في البرازيل، بعد إجراءات اتخذتها شركة ميتا ضد الشبكة.

ولا توجد أدلة قاطعة تثبت مسؤولية الحكومة الإسرائيلية المباشرة عن إدارة العملية أو تمويلها النهائي. لكن المؤشرات المتعلقة بصلات بعض الجهات المشاركة بعمليات تأثير إسرائيلية سابقة تفتح أسئلة جدية حول دور شركات العلاقات العامة والتسويق الرقمي في إدارة حملات عابرة للحدود، وحول المستفيدين من تحويل المسلمين والمهاجرين إلى مصدر خوف دائم.

الهوية تهمة

لا يمكن عزل هذه الحملات عن المناخ السياسي الذي أعقب حرب غزة، حيث تحوّلت صورة الفلسطيني والمسلم إلى ساحة صراع إعلامي. فالترويج للمسلمين باعتبارهم تهديدًا حضاريًا يهيّئ الأرضية لتهميش قضاياهم السياسية والإنسانية، وتصوير التضامن مع فلسطين باعتباره مشكلة أمنية أو علامة على التطرّف، بدلًا من التعامل معه باعتباره موقفًا سياسيًا وحقوقيًا.

وهكذا تتجاوز الدعاية استهداف المهاجرين إلى التأثير في النقاش حول الاحتلال وحقوق الفلسطينيين، وتمنح الخطابات المتطرفة مساحة أوسع لتبرير التمييز والإقصاء، تحت عناوين الأمن والهوية وحماية المجتمعات.

 

بالنسبة إلى لبنان، لا يتعلق الأمر بمجرّد انعكاسات بعيدة لحملة تستهدف المسلمين في الغرب، بل ببيئة سياسية واجتماعية يمكن أن تتحوّل إلى أرض خصبة لحروب التأثير. فلبنان يقف عند تقاطع الصراع الإسرائيلي الإيراني، ويعيش انقسامًا داخليًا عميقًا، ويضمّ مجتمعًا متعدّد الطوائف تتداخل فيه الهويات الوطنية والدينية والسياسية بصورة شديدة الحساسية. وفي ظلّ الحرب الإسرائيلية على لبنان، يمكن استثمار الصور والمعلومات المضلّلة لاختزال بلد كامل في حزب أو جماعة، وتحميل مجتمع بأسره مسؤولية خيارات قوى سياسية وعسكرية داخله. كما يمكن توظيف مشاهد الدمار والنزوح بصورة انتقائية، إمّا لتبرير العمليات العسكرية الإسرائيلية، أو لإثارة الانقسامات اللبنانية وتعميق العداء بين مكوّنات المجتمع. ولا يتوقف الاستهداف عند الحدود اللبنانية. فالجاليات اللبنانية والعربية في أوروبا وأميركا الشمالية قد تدفع ثمن تصاعد خطاب الكراهية، خصوصًا عندما تُدمج قضايا فلسطين ولبنان والإسلام في صورة أمنية واحدة، تُعامل العرب والمسلمين باعتبارهم كتلة متجانسة موضع اشتباه. والأخطر أن الانقسام اللبناني قد يتحوّل إلى مادة قابلة للتصدير والاستثمار الخارجي، فتُضخَّم الخلافات الطائفية، وتُعاد صياغة الصراعات السياسية باعتبارها مواجهات هويّاتية، بما يضعف قدرة اللبنانيين على بناء موقف وطني مشترك من السيادة والحرب ومستقبل الدولة.

Digital Eye Over a Displaced World

معركة العقول قبل الحدود

تكشف هذه الحملة أن الأمن القومي لم يعد محصورًا بحماية الحدود والمنشآت، بل أصبح مرتبطًا بحماية المجتمعات من التلاعب المنظّم بوعيها. ومواجهة ذلك لا تكون بدعاية مضادة أو باتهامات بلا أدلة، بل بكشف شبكات التمويل، ومحاسبة الجهات المتورطة، وتعزيز استقلال الإعلام وقدرة الجمهور على التحقق من المعلومات.

إن «الاستبدال العظيم» ليس مجرّد نظرية عنصرية تخوّف الأوروبيين من الآخر، بل نموذج لكيفية تحويل الخوف إلى صناعة سياسية مربحة. وبالنسبة إلى لبنان وفلسطين والعالم العربي، فإن الخطر يتجاوز تشويه الصورة إلى إعادة تشكيل البيئة التي تُناقَش فيها قضاياهم وحقوقهم.

فحين يصبح العربي عدوًا في المخيّلة قبل أن يكون إنسانًا في الواقع، تصبح تبرئة المعتدي أصعب من إدانة الضحية، وتتحوّل الكراهية من خطاب على الشاشات إلى غطاء لسياسات قد تُمارَس على الأرض. تلك هي الحرب التي لا تحتاج إلى إعلان، ولا تعترف بالحدود، وقد تسبق الرصاصة وتمنحها المبرّر.

 

العلامات

يعجبك ايضاً

أترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

تفعيل التنبيهات نعم كلا