ابن العم في الكونغرس…أم ابن العم سام؟
لم تكد صناديق الاقتراع تُغلق في ولاية ميشيغان ويُعلَن فوز عبد الرحمن السيد بمقعد مجلس الشيوخ، حتى نُصبت خيام الاحتفالات الافتراضية في منطقتنا.
تعالت أصوات التهليل من أنصار حركات الإسلام السياسي، وكأن «عبد الرحمن» قد فتح ثغرة في جدار النظام العالمي من الداخل. وفي المقابل تمامًا، وبالمستوى ذاته من الكوميديا السوداء، كانت هناك أصوات تستنفر قبل إعلان النتائج بساعات، حيث نشطت حملات من بعض أبناء الجالية العربية المسيحية تحذّر بلهجة طائفية فاقعة من «الأجندة الإخوانية» للمرشح، وتدعو للتصويت الكثيف لصالح منافسه الجمهوري مايك روجرز.
كلا الطرفين يمارس العبث المنهجي ذاته؛ إذ يستوردان زواريب الشرق الأوسط وصراعاته الهوياتية ليُسقطاها عنوة على مسار انتخابي أميركي محلي، متناسيين أن المعركة هناك لم تكن يومًا دينية، بل هي معركة مرشح أميركي في نظام مؤسساتي لا يقرأ سوى لغة المصالح والدستور.
أمام هذا الانفصام المنهجي العنيف في مقاربة الحدث، أجد نفسي، بحكم تخصصي الأكاديمي، مستحضرًا الفجوة المعرفية العميقة التي ندرسها في حقل «الثقافة الشفاهية والكتابية» (Orality and Literacy). في هذا الحقل المعرفي، يُقال دائمًا إن العقل «الكتابي» المُقولَب بالمؤسسات والتجريد، يكاد يكون من المستحيل عليه أن يفهم أو يتخيّل كيف يعمل العقل الذي يعيش في فضاء «شفاهي/ما قبل حداثي»، وكيف يرى هذا الأخير الكون ويفسّره، والعكس صحيح أيضًا.
هذا بالضبط ما أشعر به في كل مرة أقرأ فيها رسائل التهاني والتبريكات المتبادلة في أوساطنا إثر فوز المرشح المسلم. يبدو هذا العقل وكأنه ينتمي إلى كون موازٍ؛ فهو يقرأ العالم بأدوات عصبية وشخصانية، ويختزل تعقيدات النظم والدساتير في رابطة الهوية والاسم، فيرى في وصول اسم كـ«عبد الرحمن» نصرًا مباشرًا للقبيلة والأمة، عاجزًا عن فهم الآليات الهيكلية التي أنتجت هذا الحدث، ومخطئًا في قراءة العالم الذي يعيش فيه وكيفية مقاربته.
والحقيقة التي يجب أن نصارح بها أنفسنا من الداخل، بعيدًا عن أوهام الانتصار، هي أن هذا المرشح لم يفز لأنه يحمل مشروعًا لأسلمة أميركا أو تفكيكها، بل لأنه أميركي بامتياز.
لقد خاض الرجل غمار المنافسة مقدّمًا برنامجًا محليًا يعالج قضايا ولايته. لو كان يمتلك العقلية ذاتها التي تؤمن بشيطنة الولايات المتحدة وترى فيها شرًا مطلقًا، وهي العقلية الرائجة لدى من يحتفلون به اليوم، لما تجرّأ أصلًا على الترشح، ولما قُبل في هذا المسار الديمقراطي من الأساس.
إن المفارقة المضحكة المبكية تكمن في أن من يحتفلون اليوم يعادون في أدبياتهم وخطاباتهم السياسية كل ما تمثّله تلك المنظومة، ورغم ذلك، تتملّكهم نشوة الانتصار حين تُفرز هذه المنظومة ذاتها شخصًا يشاركهم الانتماء الديني.
إن المنهجية والصدق مع الذات يتطلّبان وقفة جادّة أمام التناقضات. فإذا كان أولئك الذين طالما اصطفّوا خلف المحور الإيراني وما يشبهه من مشاريع سياسية، مقتنعين حقًا بخطابهم الصدامي، فكيف تستقيم فرحتهم العارمة برجل يعتبرون أنه يمثّلهم، وقد وصل إلى موقعه عبر آليات الديمقراطية التي يناصبونها العداء؟
إن كانوا منسجمين مع أنفسهم، ويعتبرون هذا الفوز سابقة تاريخية ومصدر فخر، فإن المنطق يفرض عليهم توجيه الشكر والتهنئة للنظام الأميركي ذاته؛ فهذا النظام الذي يحاربونه ويعدّونه نقيضًا لهم، هو بالذات من سمح لـ«عبد الرحمن» بالترشح، وهو من ضمن له فرصة المنافسة والفوز.
