تحميل

إبحث

في الصميم

«الشيطان الثاني»… فناء العالم ورقة تفاوض

Cold War Missile Standoff

لم يعد العالم بحاجة إلى حرب عالمية جديدة كي يستعيد كوابيس الحرب الباردة؛ تكفيه مناورات عسكرية تتسع كل عام، وصواريخ تتباهى بقدرتها على محو مدن كاملة من الخريطة. فمع إطلاق روسيا واحدة من أكبر نسخ مناورات الردع النووي السنوية، وبمشاركة غير مسبوقة للطائرات والقوات، تتجدد رسائل القوة المتبادلة بين موسكو وحلف شمال الأطلسي، في مشهد يعيد إلى الأذهان زمنًا كانت فيه المناورات العسكرية تُقرأ بوصفها مقدمات محتملة لمواجهة لا يعرف أحد كيف تنتهي.

في قلب هذا الاستعراض يقف سلاح يحمل اسمًا يكاد يكون كافيًا لإثارة الرعب، «الشيطان الثاني»، وهو اللقب الذي أطلقه حلف الناتو على الصاروخ الروسي العابر للقارات «سارمات»، أحد أبرز رموز العقيدة النووية الروسية، والذي يُشار إليه في التحليلات العسكرية الغربية باعتباره سلاحًا قادرًا على تحويل مفهوم الردع إلى تهديد وجودي.

عشرة رؤوس ورسالة واحدة

تراهن موسكو على «سارمات» بوصفه جيلًا متقدمًا من الصواريخ الاستراتيجية القادرة على حمل حمولة نووية ضخمة، تصل وفق التقديرات المتداولة إلى عشرة أطنان، مع إمكانية تزويده بعدة رؤوس نووية مستقلة التوجيه، قد يصل عددها إلى عشرة رؤوس، بحسب طبيعة التجهيز.

ويبلغ طول الصاروخ نحو 35.3 مترًا، وقطره قرابة ثلاثة أمتار، فيما صُمّم ليقطع آلاف الكيلومترات بسرعة هائلة، مستفيدًا من تقنيات ومسارات طيران معقدة تهدف إلى إرباك منظومات الإنذار والدفاع الصاروخي.

لكن خطورة «الشيطان الثاني» لا تكمن في حجمه أو حمولته وحدهما، بل في الرسالة التي يحملها: مهما تطورت الدرع الدفاعية الغربية، تريد روسيا أن تقول إن لديها دائمًا وسيلة للعبور من فوقها أو الالتفاف حولها. وهي رسالة موجّهة إلى واشنطن والعواصم الأوروبية قبل أن تكون استعراضًا تقنيًا لقدرات الصناعة العسكرية الروسية.

يوم القيامة ليس استعارة أدبية

تُضفي الترسانة النووية الروسية على الصاروخ هالة من الرعب، خصوصًا مع الترويج لقدرات تدميرية هائلة تصل في بعض التقديرات الإعلامية إلى عشرات الميغاطن. غير أن الحديث عن قدرة تفجيرية تبلغ أربعين ميغاطنًا لا ينبغي التعامل معه باعتباره مواصفة مؤكدة لكل تجهيزات الصاروخ، كما أن المقارنة بقنبلتي هيروشيما وناغازاكي تكشف حجم الكارثة المحتملة أكثر مما تقدم وصفًا دقيقًا لسيناريو استخدامه.

فالسلاح النووي لا يُقاس فقط بعدد القتلى الذين يمكن أن يسقطوا في لحظة الانفجار، بل بما يتركه من إشعاعات وتلوث وانهيار للبنية الصحية والاقتصادية والبيئية، فضلًا عن احتمال اتساع المواجهة إلى تبادل نووي شامل.

هنا يصبح لقب «سلاح يوم القيامة» أكثر من مجرد دعاية عسكرية؛ إنه تذكير بأن امتلاك القدرة على تدمير العالم لا يعني امتلاك القدرة على النجاة منه.

في الحروب النووية لا يوجد منتصرون... بل ناجون مؤقتون إن وُجدوا

أوروبا… الخوف والحسابات الخاطئة

تجد دول البلطيق وأوروبا الشرقية نفسها في موقع بالغ الحساسية، بحكم الجغرافيا والتاريخ واحتكاكها المباشر بالتوتر الروسي الغربي. ومع كل مناورة نووية روسية، تتعزز المخاوف من أن تتحول رسائل الردع إلى أدوات ضغط سياسي وعسكري، وأن يصبح التلويح بالسلاح النووي جزءًا من إدارة الأزمات اليومية.

لكن المشكلة الأعمق لا تكمن في «سارمات» وحده، بل في سباق تسلح يتغذى على خوف كل طرف من قدرات الآخر. فروسيا ترى في توسيع الدفاعات الغربية تهديدًا لتوازن الردع، فيما تعتبر دول الناتو الترسانة الروسية خطرًا يستوجب تعزيز قدراتها العسكرية. وبين الحسابين تتقلص مساحة الثقة، وتتسع احتمالات سوء التقدير.

cold-war-shadow-cover
العالم بات يتعايش مع الجنون النووي كأنه خبر عسكري عابر

 

قد يكون «سارمات» أحد أخطر الأسلحة الاستراتيجية في العالم، لكن الشيطان الحقيقي ليس في الصاروخ وحده، بل في العقل الذي يتعامل مع نهاية العالم باعتبارها ورقة تفاوض، وفي السياسة التي تجعل من الخوف ضمانة للأمن.

فحين يتباهى الخصوم بقدرتهم على إفناء بعضهم بعضًا، لا يكونون قد صنعوا سلامًا، بل أقاموا هدنة معلّقة على أعصاب قادة وجيوش وأنظمة إنذار قد تخطئ في قراءة إشارة أو تقدير لحظة.

والأكثر رعبًا أن العالم بات يتعايش مع هذا الجنون كأنه خبر عسكري عابر. أما الحقيقة فهي أن «الشيطان الثاني» لا يحتاج إلى إطلاق صاروخه كي يؤدي مهمته؛ يكفي أن يظل حاضرًا في الحسابات السياسية، حتى تتحول البشرية كلها إلى رهينة زرّ لا يحق لأحد أن يضغط عليه.

 

العلامات

يعجبك ايضاً

أترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

تفعيل التنبيهات نعم كلا