كشفت مصادر أمنية عربية مطلعة ل”البوست” عن ما وصفته بـ”اختراق استخباراتي بالغ الخطورة”، تمثّل في قيام إسرائيل، على مدى سنوات، بزرع شرائح مجهرية داخل حشوات الأسنان لعدد من القادة والمسؤولين الإيرانيين، من بينهم المرشد الأعلى السابق علي خامنئي. وبحسب المصادر، فإن التحقيقات التي باشرتها الأجهزة الأمنية الإيرانية خلال الأيام الأخيرة أدت إلى اكتشاف كميات كبيرة من هذه الحشوات، التي يُشتبه بأنها تحتوي على شرائح دقيقة يمكن استخدامها لأغراض تتعلق بالتتبع أو جمع المعلومات. وأشارت المصادر إلى أن السيناريو الذي يجري التحقيق فيه داخل إيران يشبه، من حيث طبيعته، العملية المعقدة التي كُشف عنها قبل عامين في لبنان، حين تبيّن أن أجهزة “البايجر” التي كانت بحوزة عناصر وقادة في حزب الله قد زُرعت فيها آليات تفجير دقيقة قبل سنوات من استخدامها. ووفق المعطيات الأولية، فإن ما يجري كشفه الآن قد يشير إلى عملية استخباراتية طويلة الأمد، اعتمدت على اختراقات غير تقليدية استهدفت الدوائر القريبة من القيادة الإيرانية. ووصفت المصادر العملية بأنها “لعبة استخباراتية صامتة امتدت لسنوات”، قبل أن تبدأ ملامحها بالظهور تباعاً. ولا تزال السلطات الإيرانية، بحسب المصادر نفسها، تتكتم على تفاصيل التحقيقات الجارية، في حين يُتوقع أن تثير هذه المعطيات، في حال تأكدت صحتها، جدلاً واسعاً حول مستوى الاختراق الأمني الذي تعرضت له مؤسسات الدولة الإيرانية.
شهدت بيروت، عصر اليوم، يوماً تاريخياً لم تعرفه بهذا الحجم والشكل من قبل تمثل في حركة نزوح كثيفة عقب التهديد الإسرائيلي الذي دعا سكان عدد من المناطق لا سيما الضاحية الجنوبية لبيروت إلى الإخلاء الفوري. وبدت الطرقات المؤدية إلى بيروت الكبرى وجبل لبنان مكتظة بالسيارات، في مشهد أعاد إلى الأذهان صور النزوح التي رافقت جولات التصعيد السابقة. وأفاد شهود عيان بأن العائلات سارعت إلى مغادرة منازلها باتجاه مناطق أكثر أماناً لدى أقارب لاسيما في بيروت ومناطق أخرى قريبة، فيما شهدت محطات الوقود والمتاجر ازدحاماً ملحوظاً مع تزايد المخاوف من اتساع رقعة المواجهة. في المقابل، عملت فرق الدفاع المدني وبعض الجمعيات الأهلية على مساعدة العائلات، لا سيما كبار السن والأطفال، في عملية المغادرة، وسط حالة من القلق والترقب تسود المنطقة بانتظار ما ستؤول إليه التطورات الميدانية خلال الساعات المقبلة.
في لحظات نادرة من التاريخ، تتوقف الحروب عن كونها أدوات ضغط سياسية، وتتحول إلى مسارات كسرٍ شامل لا يمكن التراجع عنها. ما يجري اليوم في الشرق الأوسط يقترب سريعاً من هذه اللحظة فالمواجهة المتصاعدة بين إيران والولايات المتحدة لم تعد مجرد جولة جديدة في لعبة الردع المتبادل، بل تبدو كأنها تنزلق إلى حربٍ تتبنى منطق اللاعودة. في هذا النوع من الصراعات، لا تُغلق الأبواب تدريجياً، بل تُحرق المفاتيح خلفها. منطق اللاعودة المؤشرات الميدانية والسياسية توحي بأن طهران تخوض المواجهة بعقلية مختلفة عن منطق إدارة الأزمات التقليدي. الحديث عن إغلاق مضيق هرمز، واستهداف منشآت الطاقة، وتوسيع بنك الأهداف ليشمل مصالح أمريكية مباشرة وغير مباشرة، لا يبدو كأدوات تفاوضية لرفع السقف قبل التسوية، بل كخطوات تصعيدية تضع المنطقة على مسار حرب تتدحرج خارج السيطرة. إيران لا تراهن على انتصار عسكري كلاسيكي، بل على معادلة أكثر قسوة: جعل الحرب مكلفة للجميع. فإذا كان ميزان القوة العسكرية يميل نظرياً إلى الولايات المتحدة وحلفائها، فإن ميزان كلفة الفوضى قد يميل في الاتجاه المعاكس. ضرب إمدادات الطاقة، رفع أسعار النفط، تعطيل سلاسل الإمداد العالمية، وإبقاء الأسواق في حالة قلق دائم؛ كلها أدوات يمكن أن تحول الاقتصاد العالمي إلى رهينة لحرب طويلة النفس. إنها صيغة ردع معكوسة: إذا لم أستطع أن أربح وحدي، يمكنني أن أجعل الجميع يخسرون. ما يجري اليوم ليس مجرد اشتباك قابل للاحتواء، بل حرب تتبنى منطق اللاعودة، حيث كل خطوة لا تُغلق باباً فحسب… بل تُحرق المفاتيح خلفه حسابات وإرادات صحيح أن إيران تلقت ضربات موجعة وخسرت موارد ومواقع حساسة، غير أن حساباتها لا تُبنى على الخسارة اليومية، بل على النتيجة النهائية للصراع. في هذا المنطق، كل يوم لا تُهزم فيه إيران هو يوم انتصار، وكل يوم لا تحقق فيه واشنطن نصراً حاسماً هو يوم تآكل إضافي في هيبتها الردعية. إنها حرب إرادات بقدر ما هي حرب أسلحة. أما الخليج، فيجد نفسه اليوم على مفترق تاريخي. استهداف منشآته النفطية وممراته البحرية الحيوية لا يهدد اقتصاده فقط، بل يطرح سؤالاً أعمق: إلى أي مدى ما زالت المظلة الأمريكية قادرة على ضمان الأمن؟ العلاقة الاستراتيجية التي قامت لعقود بين واشنطن وعواصم الخليج تدخل اختباراً غير مسبوق. فإما أن تعود الولايات المتحدة لتأكيد دورها كضامن أمني مطلق، أو أن تبدأ دول المنطقة تدريجياً في البحث عن توازنات جديدة، عبر تنويع تحالفاتها بين الشرق والغرب، أو حتى عبر تفاهمات إقليمية تعترف بأن إيران أصبحت جزءاً دائماً من معادلة القوة في المنطقة. لكن السيناريو الأكثر قتامة يبقى احتمال انزلاق المنطقة إلى حرب طويلة، تُدار فيها المواجهة عبر ساحات متعددة ووكلاء متعددي الجنسيات. الحديث عن تدمير شامل لقدرات إيران الصاروخية يواجه معضلة واقعية. فهذه القدرات ليست مجرد مخازن يمكن تدميرها بضربات جوية، بل منظومة إنتاج ومعرفة متجذرة في بنية عسكرية وصناعية معقدة. القضاء عليها بالكامل ليس عملية جراحية سريعة، بل مشروع حرب مفتوحة زمنياً ومكلفة استراتيجياً. وإذا كان التدخل البري الأمريكي داخل إيران خياراً شبه مستبعد في الحسابات العسكرية، فإن البديل المرجح سيكون تكثيف الحرب غير المباشرة: دعم قوى معارضة، تحريك أوراق إثنية، واستثمار التوترات الداخلية. غير أن تجارب العقود الماضية في المنطقة تُظهر أن هندسة الداخل الإيراني من الخارج قد تكون أكثر تعقيداً مما تبدو عليه على الورق. في الإقليم الأوسع، تبدو عدة ساحات مرشحة للانفجار. العراق يقف في موقع حساس بين موازين النفوذ المتشابكة، بينما يمكن أن يتحول لبنان واليمن إلى جبهتين إضافيتين إذا قررت قوى حليفة لطهران رفع مستوى الانخراط. عند تلك النقطة، لن تكون المنطقة أمام حرب محدودة، بل أمام صراع إقليمي طويل يعيد رسم خرائط النفوذ بالقوة. النجاة والبقاء داخل الولايات المتحدة نفسها، لا تبدو هذه الحرب محل إجماع. تقارير إعلامية أمريكية تتحدث عن غياب رؤية واضحة لليوم التالي، وعن انقسامات داخل النخب السياسية والشارع حول أهداف المواجهة وحدودها. مثل هذه الانقسامات ليست تفصيلاً ثانوياً؛ فهي قد تتحول إلى عنصر ضغط حقيقي على مسار الحرب ونتائجها. في المقابل، يبدو هدف إيران أكثر بساطة ووضوحاً: النجاة أولاً. البقاء، ثم إعادة التموضع. وبين استراتيجية أمريكية تبدو ملتبسة، وهدف إيراني وجودي واضح، تتشكل فجوة قد تطيل أمد الصراع إلى ما هو أبعد من حسابات البداية. الحروب الكبرى غالباً ما تبدأ بقرارات محسوبة، لكنها مع الوقت تتحول إلى كائنات مستقلة تتغذى من زخمها الذاتي. عند تلك اللحظة، يفقد اللاعبون قدرتهم على ضبط إيقاعها، وتصبح الحرب هي التي تفرض إيقاعها عليهم. حينها، لا يعود السؤال من بدأ. بل من يستطيع إيقاف الوحش الذي خرج من القفص. الشرق الأوسط يقف اليوم على أعتاب لحظة إعادة تعريف شاملة. والسؤال الذي سيلاحق الجميع ليس فقط من سينتصر، بل أي شرق أوسط سيولد من رحم حرب بلا سقف.