لم تعد المسألة إن كانت المواجهة ستقع، بل متى وكيف. فالشرق الأوسط يقف اليوم على حافة لحظة تاريخية قد تعيد رسم خرائط القوة والنفوذ لعقود مقبلة. التصعيد المتسارع بين الولايات المتحدة وإيران لم يعد مجرد تبادل تهديدات أو استعراض قوة، بل تحوّل إلى مسارٍ يتقدّم بثبات نحو نقطة اللاعودة. الدبلوماسية، التي كانت يومًا صمام الأمان، تبدو الآن منهكةً ومجرَّدة من أدوات التأثير. جولات التفاوض المتقطعة لم تُنتج تسوية، بل كشفت عمق الهوّة بين الطرفين. واشنطن ترى في البرنامج النووي الإيراني تهديدًا استراتيجيًا لا يمكن التعايش معه، وطهران تعتبره ضمانة بقاء في بيئة إقليمية معادية. بين هذين المنطقين المتصادمين، تضيق مساحة الوسط حتى تكاد تختفي. التعزيزات العسكرية الأمريكية في المنطقة ليست رسائل ردع فحسب، بل ترتيبات عملياتية توحي بأن خيار القوة بات حاضرًا على الطاولة بجدية غير مسبوقة. حاملات الطائرات، المقاتلات المتقدمة، وإعادة التموضع العسكري ليست أدوات ضغط سياسية، بل لغة ما قبل الحرب — لغة الاستعداد لما قد يأتي. في المقابل، لا تبدو إيران في موقع من يقبل الضربة بصمت. فالنظام الذي بنى استراتيجيته على مبدأ الردع غير المتكافئ يدرك أن عدم الرد سيعني انهيار صورته كقوة إقليمية. لذلك، فإن أي هجوم لن يبقى محدودًا بالضرورة، بل قد يشعل سلسلة ردود تمتد من الخليج إلى شرق المتوسط، مرورًا بممرات الطاقة الأكثر حساسية في العالم. العامل الأكثر خطورة ليس قوة الأطراف، بل هشاشة التوازن بينها. فكل طرف يعتقد أن بإمكانه السيطرة على التصعيد، لكن التاريخ الحديث يثبت أن الحروب الكبرى غالبًا ما تبدأ بسوء تقدير صغير. ضربة «محسوبة» قد تتحول إلى مواجهة مفتوحة، ورد «محدود» قد يشعل جبهة بأكملها. داخليًا، قد يرى بعض صناع القرار في واشنطن أن اللحظة مواتية: اقتصاد عالمي قادر على امتصاص صدمات النفط نسبيًا، وإيران منهكة بعقوبات وأزمات داخلية. لكن هذه القراءة قد تكون مضللة، لأن الأنظمة تحت الضغط تميل أحيانًا إلى سلوك أكثر عدوانية، لا أقل. أما إسرائيل، فتدفع باتجاه الحسم العسكري انطلاقًا من عقيدة أمنية ترى أن منع إيران من امتلاك قدرات استراتيجية متقدمة هو مسألة وجود، لا خيار سياسي. ومع تقاطع المصالح والضغوط، يتشكل مثلث تصعيدي يصعب تفكيكه. السيناريو الأكثر واقعية ليس حربًا شاملة منذ اللحظة الأولى، بل ضربة محدودة تتدحرج تدريجيًا إلى مواجهة أوسع. فالحروب الحديثة لا تُعلن بوضوح كما في الماضي؛ إنها تبدأ كعمليات «جراحية» ثم تتسع مع كل ردّ وردٍّ مضاد. السؤال الحقيقي إذن ليس من سيربح، بل من سيدفع الثمن. فالحروب في هذه المنطقة نادرًا ما تبقى محصورة بين الجيوش؛ إنها تمتد إلى الاقتصادات والمجتمعات والاستقرار العالمي بأسره. ملايين البشر قد يجدون أنفسهم رهائن لقرار يُتخذ في غرف مغلقة. ما يجعل اللحظة الراهنة أكثر خطورة هو شعور جميع الأطراف بأن الوقت يعمل ضدها. وعندما يتقاطع الإحساس بالإلحاح مع فائض القوة وسوء الثقة، يصبح الانفجار احتمالًا راجحًا لا استثناءً. قد لا تكون الضربة حتمية بمعنى القدر، لكنها تقترب من الحتمية السياسية: نتيجة تراكمات طويلة من الصراع غير المحسوم. وفي منطقةٍ اعتادت أن تكون ساحة لتصفية الحسابات الكبرى، قد يكون الشرر المقبل كافيًا لإشعال حريق لا يمكن احتواؤه بسهولة. إنها لحظة ما قبل العاصفة — لحظة صمتٍ ثقيل تعرف فيها العواصم أن شيئًا كبيرًا يقترب، لكن أحدًا لا يعرف كيف سيتوقف.
افتتح مهرجان البستان الدولي فعاليات نسخته الثانية والثلاثين، معلنًا بذلك انطلاق موسم المهرجانات الثقافية والفنية في لبنان لعام 2026، في أمسية فنية وثقافية حاشدة عكست إصرار لبنان على مواصلة حضوره الإبداعي رغم التحديات. وجرى حفل الافتتاح بحضور عقيلة رئيس مجلس الوزراء القاضي نواف سلام، سحر سلام، إلى جانب عدد من الوزراء والنواب وشخصيات سياسية واجتماعية وثقافية، إضافة إلى حشد من محبي الفن والموسيقى. وأحيا الأمسية الافتتاحية الفنانان مارسيل خليفة وشربل روحانا، في حفل حمل عنوان «العائلة والأصدقاء»، قدّما خلاله باقة من الأعمال الموسيقية التي تمزج بين التراث والحداثة، وسط تفاعل كبير من الجمهور الذي ملأ قاعة الحفل. وشكّل هذا الافتتاح رسالة ثقافية تؤكد استمرار الحياة الفنية في لبنان، ودور الموسيقى في جمع اللبنانيين حول مساحة مشتركة من الإبداع والجمال، بعيدًا عن الانقسامات. يُعد مهرجان البستان الدولي من أبرز المهرجانات الموسيقية في لبنان والمنطقة، إذ تأسس عام 1994 في فندق البستان في بيت مري، ونجح على مدى أكثر من ثلاثة عقود في ترسيخ مكانته كمنصة عالمية للفنون الكلاسيكية والموسيقى الراقية. يتميّز المهرجان ببرامجه المتنوعة التي تجمع بين الموسيقى الكلاسيكية والأوبرا وموسيقى الجاز والأعمال المعاصرة، مستضيفًا نخبة من الفنانين العالميين والعرب، إضافة إلى دعمه المستمر للمواهب اللبنانية الشابة. كما يُنظر إلى المهرجان بوصفه أحد أعمدة المشهد الثقافي اللبناني، لما يؤديه من دور في الحفاظ على صورة لبنان كبلدٍ للثقافة والفن، وكجسر تواصل حضاري بين الشرق والغرب.
قفْ أمامَ خريطةِ منطقتِنا واسألِ السُّؤالَ البديهي: شرقُ مَن؟ وأوسطُ ماذا؟ تبدو عبارةُ «الشرقِ الأوسط» كأنَّها حقيقةٌ جغرافيةٌ بديهية، لكنَّها في الواقع جملةٌ جيواستراتيجية صيغت بوعيٍ إمبراطوري. ليست وصفًا محايدًا للمكان، بل ترتيبٌ للعالَم حول نقطةِ نظرٍ بعينِها. زمنُ إعادةِ التشكُّلتبلور مصطلحُ الشرقِ الأوسط مطلعَ القرنِ العشرين في معجمِ الإمبراطوريةِ البريطانية، حين كانت لندن تؤمِّن طرقَ الهند، جوهرتَها الاستعمارية. بين «الشرقِ الأدنى» المتاخمِ لأوروبا و«الشرقِ الأقصى» في شرقِ آسيا، ظهر ممرٌّ وسيطٌ على الخرائطِ البحرية: ما بين السويسِ والخليجِ صار «شرقًا أوسط».هكذا وُلِد الاسمُ من خطوطِ الملاحة قبل أن يُسقَط على الشعوب. غير أنَّ الأسماءَ ليست بطاقاتِ تعريفٍ فحسب؛ إنَّها تعيد تموضعَ العالم حول مركزٍ متخيَّل. حين نُسمَّى «الشرقَ الأوسط»، تُثبَّت أوروبا كصفرٍ كارتوغرافي: نحن شرقٌ قياسًا إلى غربٍ أوروبي، و«أوسط» قياسًا إلى أطرافٍ يعرِّفها المركزُ نفسُه. التسميةُ تُطبِّع هرميَّةً ظلَّت قائمةً حتى بعد رحيلِ المدافع. الشرق الأوسط…جغرافيا على مقاس الإمبراطوريات، الاسم الذي وضعنا على الهامش قبل بوصلةِ أوروبااقلبِ المنظورَ تتكشَّف المفارقة. تخيَّل عالَمَ المحيطِ الهندي يسمّي بريطانيا «الغربَ الأوسط»، أو أطلسًا من عهدِ أسرةِ مينغ يجعل أوروبا شبهَ جزيرةٍ بعيدةً عن دوائرِ الثراء. لقرونٍ طويلة، دارت مراكزُ التجارة عبر الصينِ والهندِ وحوضِ المحيطِ الهندي، وكانت أوروبا اقتصاديًا على الهامش. تبدَّل المركزُ لاحقًا، وتبدَّلت معه الخرائطُ والأسماء. مع صعودِ أوروبا البحرية، صار العالمُ يُرسَم من على ظهرِ السفنِ الأوروبية: خطوطُ طولٍ تمرّ بغرينتش، ومحيطاتٌ تُقاس بمسافاتِ الأساطيل، ومناطقُ تُسمَّى وفق حاجاتِ السيطرة.في هذا الإطار، أُعيد توصيفُ الفضاءِ العربي-الإسلامي بعبارةٍ تقنيةٍ تُفرغه من طبقاتِه الحضارية: لا «بلادُ الشام» ولا «جزيرةُ العرب» ولا «المشرق»، بل «شرقٌ أوسط» قابلٌ للإدارة، والتجزئة، وإعادةِ الهندسة. التسميةُ هنا أداة: تُبسِّط التعقيد، وتحوِّل التاريخَ إلى مسرحِ عمليات، وتُذيب الهويّاتِ في نطاقٍ وظيفي. هكذا تصبح الجغرافيا خادمةً للقوة، لا العكس. الاسمُ كبرنامجاليوم، يعود المصطلحُ في ثوبٍ مُحدَّث: «الشرقِ الأوسطِ الجديد». لكن ما الجديد؟ غالبًا ما يُقصَد إعادةُ ترتيبِ شبكاتِ الطاقة، وممرّاتِ التجارة، والتكنولوجيا، والأمن وفق توازناتٍ تُعيد وصلَ المنطقة بمنظوماتٍ تقودها قوى خارجية.الاسمُ يسبق الفعل: قبل أن تتغيَّر الوقائع، تُعاد تسميةُ المسرح، كأنَّ اللغةَ تمهِّد للهندسةِ السياسية. ثمَّة مفارقة: يُطلَب من المنطقة أن تتكامل اقتصاديًا عبر خرائطٍ عابرةٍ للحدود، بينما تُترك أسئلتُها المركزية — السيادة، العدالة، فلسطين، الفجوات التنموية — في الهامش. «الجديد» يُقاس بمؤشراتِ الاتصالِ والبنية، لا بترميمِ المعنى والشرعية. مرَّةً أخرى، التسميةُ تؤطِّر الممكن. لو سمَّينا العالمَ من منظورِناالسؤالُ ليس لغويًا بل سيادي: ماذا لو أعدنا تسميةَ فضائِنا انطلاقًا من تاريخِنا ومجالِنا التداولي؟ «المشرقُ العربي»، «غربُ آسيا»، «حوضُ المتوسطِ الجنوبي»، «المجالُ العربي-الإسلامي» تسمياتٌ تُعيد المركزَ إلى شبكاتِنا الحضارية، لا إلى بوصلةٍ خارجية.ليست دعوةً للانكفاء، بل لاستعادةِ القدرةِ على التعريف: أن نكون موضوعًا فاعلًا في الخريطة، لا مجرَّد موقعٍ فيها. الشرق الأوسط: خريطة بلا سيادة في زمنِ إعادةِ التشكُّل، أخطرُ ما يمكن فقدانُه هو حقُّ التسمية. لأنَّ من يملك الاسمَ يملك الإطار؛ ومن يملك الإطارَ يضيِّق أو يوسِّع أفقَ الفعل. لعلَّ «الجديد» الحقيقي يبدأ حين نتخلّى عن مركزٍ مُستعار، ونرسم خرائطَنا على قياسِنا، لا على مقاسِ الإمبراطورياتِ التي عبرت، ولا تلك التي تعود بأسماءٍ مُحدَّثة.