بلا مقدمات، وفي لحظةٍ لبنانيةٍ دقيقة، حيث تختلطُ الدماءُ بالسياسة، وتتشابكُ الجبهاتُ مع الروايات، يبرزُ سؤالٌ جوهري: مَن يملكُ حقَّ تعريف المقاومة؟ ومَن يجرؤُ على احتكارها في وطنٍ كُتِب تاريخهُ بالنضال المشترك، لا بالأحادية؟ المقاومة في لبنان لم تكن يومًا ملكًا حصريًا لجهة، ولا وُلدت من رحم تنظيمٍ واحد، بل هي مسارٌ وطنيٌّ تراكمي، تشكّل عبر عقودٍ من المواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي والمشروع الصهيوني. منذ البدايات، كانت الساحات مفتوحة لكلّ مَن حمل فكرة التحرر، من الأحزاب الوطنية واليسارية، إلى الحركات الإسلامية، إلى قوى قومية وشعبية، التقت جميعها على بوصلة واحدة: فلسطين، ورفض الاحتلال. في قلب هذا التاريخ، برزت جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية كإطارٍ جامعٍ قادته قوى اليسار اللبناني، وعلى رأسها الحزب الشيوعي اللبناني ومنظمة العمل الشيوعي في لبنان، حيث خاضت هذه القوى عملياتٍ نوعية ضد الاحتلال، وبرزت أسماء مناضلين وقادة مثل جورج حاوي ومحسن إبراهيم، كما سقط شهداء أمثال خالد علوان، الذين جسّدوا روح المقاومة الشعبية، إلى جانب مناضلين مثل أنور ياسين وسهيل طويل. ولم تكن هذه التجربة معزولة، بل ترافقت مع حضور قوى أخرى، كالتنظيم الشعبي الناصري بقيادة أبو معروف، وحركة المرابطون التي ارتبطت باسم إبراهيم قليلات، والجماعة الإسلامية وقوات الفجر، من الشيخ محرم عارفي إلى جمال الحبال، إلى جانب حركة المحرومين التي أسسها موسى الصدر… حين يحتكرُ طرفٌ ما المقاومة، يُفرغها من معناها الوطني، ويحوّلها من قضيّة شعبٍ إلى مشروعِ إقصاءٍ سياسي كما لا يمكن إغفال دور حزب الله، الذي برز لاحقًا كقوة عسكرية أساسية في مواجهة الاحتلال، وارتبط اسمه بقياداته، مثل عماد مغنية، الذي تدرّج وتدرّب ضمن ألوية وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية، ضمن سياق تطور المقاومة وتحولاتها. وإلى جانب هذه القوى، حضرت تنظيماتٌ وأطرٌ أخرى في مواجهة الاحتلال والاجتياح، مثل الأحزاب القومية التي قدّمت عمليات مقاومة بارزة، والحزب التقدمي الاشتراكي بقيادة كمال جنبلاط، حيث شاركت مجموعاته في مراحل معينة من المواجهة، إضافة إلى أطرٍ طلابية ونقابية وشعبية لعبت دورًا ميدانيًا وإعلاميًا في مقاومة الاحتلال. وإذا كان لا بدّ من استحضار الرموز العابرة للحدود، فلا يمكن تجاوز إرث جورج حبش، مؤسس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، إلى جانب فصائل فلسطينية أخرى كثيرة جدًّا عملت انطلاقًا من لبنان، مثل الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، والجبهة الشعبية، وحركة فتح بقيادة ياسر عرفات وأعوانه، من “النمر الأحمر” إلى منفذي عمليات خطف الطائرات وميونيخ… أما على المستوى المسيحي اللبناني، فقد شهدت مراحل معينة بروز شخصيات ومجموعات رفضت الاحتلال الإسرائيلي، رغم التعقيدات السياسية، كما سقط مقاومون مثل سهى بشارة، التي نفّذت عملية ضد أنطوان لحد، إلى جانب حالات رفض داخل بيئات مختلفة للتعامل مع الاحتلال. إن الإشكالية لا تبدأ حين نُجمع على أن إسرائيل هي العدو، بل حين يحاول طرفٌ ما تحويل هذه الحقيقة الجامعة إلى ملكية خاصة، أو إلى أداة إقصاء وتخوين. فالمقاومة، حين تُختزل، تفقد معناها، وحين تُحتكر، تتحول من فعلٍ تحرري إلى مشروعٍ سياسي مغلق. لا أحد يستطيع إنكار صمود المقاتلين اليوم على الحدود، ولا التضحيات التي تُقدَّم في مواجهة آلة الحرب الإسرائيلية. لكن، في المقابل، لا يمكن القبول بتحويل هذا الصمود إلى أداةٍ لإسكات أي صوتٍ نقدي، أو لإغلاق النقاش العام، أو لإعادة تعريف الوطنية بمعايير ضيقة. المقاومة ليست فقط بندقية. هي أيضًا كاميرا توثّق، وقلمٌ يفضح، وصوتٌ يروي الحقيقة. حين تسقط الصحافة في الميدان، فإنها تُثبت أن معركة الوعي لا تقلّ أهمية عن معركة الحدود. توثيق الجرائم، ملاحقة الانتهاكات، وكشف خروقات القانون الدولي، كلّها أشكالٌ أصيلة من المقاومة، لأنها تحمي الحقيقة من التزييف. من هنا، فإن التحدي الحقيقي اليوم ليس في تعدد أشكال المقاومة، بل في القدرة على توحيدها ضمن رؤية وطنية جامعة. مقاومةٌ لا تلغي أحدًا، ولا تُقصي تاريخًا، ولا تُعيد إنتاج الانقسامات. مقاومةٌ لبنانية-فلسطينية مشتركة، تعترف بتنوعها، وتستثمر فيه بدل أن تخشاه. إن الدعوة اليوم ليست لفتح سجالاتٍ داخلية حول شعاراتٍ مثل “الثالوث”، ولا للانجرار إلى نقاشاتٍ طائفية تُضعف الجبهة الداخلية وتمنح خصوم لبنان ذرائع مجانية للتطبيع أو الاختراق. بل هي دعوة للارتقاء فوق الانقسامات، والتمسك بالثابت الوحيد: أن العدو واضح، وأن المواجهة معه تتطلب جبهة وطنية عريضة، لا منصة احتكار. في زمنٍ تتكاثر فيه مشاريع التفكيك، يصبح الحفاظ على المعنى الحقيقي للمقاومة مسؤولية جماعية. لا يحقّ لأحد أن يقول: “نحن وحدنا نعرف كيف نقاوم”. فلبنان، بكل تناقضاته، علّم العالم أن المقاومة الحقيقية لا تُختصر، ولا تُؤطَّر، بل تُبنى بالشراكة، وتُحمى بالتعدد، وتنتصر حين تتحول إلى قضية شعب، لا شعار حزب.
لم يعد جائزًا لرئيس بلديّة صيدا ولا لمجلسها الحالي أن يختبئ خلف الأعذار الواهية لتبرير ما يجري في المدينة. ما يحصل لم يعد تفصيلا عابراً، ولا مخالفةً يمكن التستّر عليها، إنه مسارٌ خطيرٌ من التفكّك والانكفاء والتواطؤ الصامت، سيدفع ثمنه أهل صيدا وحدهم لاحقا إن لم يعالج من اليوم، فيما سيتحمّل مصطفى حجازي، ومعه كلّ من تولّى أو غطّى أو سكت، مسؤوليّة الصدام الآتي. المدينة اليوم أمام مشهدٍ مقلقٍ ومهين. تعدّيات تتمدّد، وفوضى تتكاثر، ووجوهٌ غريبة عن نسيج صيدا تفترش الشوارع والأرصفة والمساحات العامّة، بلا حسيبٍ ولا رقيب، فيما البلديّة تقف في موقع المتفرّج العاجز، أو المتواطئ الخانع، وكأنّ ما يجري لا يعنيها. والأخطر أنّ هذا المشهد لم يعد هامسًا في المجالس الضيّقة، بل صار على كلّ لسان، يتداول به الناس بقلقٍ وغضبٍ ومرارة. المفارقة الفاضحة أنّ المدينة نفسها كادت تقوم ولا تقعد سابقًا بسبب تراخيص مُنحت لـ”كيوسكات” محدّدة، استوفيت عنها رسوم بلديّة مقطوعة، يومها ارتفعت الأصوات، وامتلأت المنابر بالاعتراضات والاعتراضات المضادّة، أمّا اليوم، ومع اجتياحٍ أكثر وقاحةً وخطورة، فقد خرس كثيرون، وابتلعت الألسن نفسها التي كانت لا تهدأ. الأشدّ استفزازًا أنّ بعض أبناء صيدا، حين حاولوا في مراحل سابقة فتح أكشاكٍ أو نصب خيمٍ أو الاستفادة من مساحةٍ هنا أو هناك، وُوجهوا بالقمع والمنع والتشدّد. أمّا اليوم، فالمشهد معكوس، البلدية نفسها التي شدّدت على أهل المدينة، تنحني أمام هجمةٍ وافدة تتمدّد على الطرقات، وتحتلّ الأملاك العامّة، وتفرض مشهديّةً نافرةً وغريبة، بأوشامها وسلوكها الفجّ، تُدفع بصيدا، نحو صورةٍ هجينةٍ لا تشبهها، أقرب إلى نسخةٍ منقحة عن “حيّ السَّلَم” وتشعّباته. والكل يعلم أن قصصهم غالبا ما تبدأ ب”إسبرس” ومقهى وكراسي ونرجيلة…وتنتهي بطغيان. إن استمرار هذا الواقع لا يفتح باب الفوضى فحسب، بل يفتح بابين معًا، كلاهما أسوأ من الآخر: إمّا أن يشعر أهل المدينة بأنّ من حقّهم هم أيضًا التعدّي، ما دام القانون لا يُطبَّق إلا انتقائيًّا، وإمّا أن تنزلق الأمور إلى احتكاكاتٍ وصداماتٍ مباشرة بين أبناء المدينة والمخالفين الجدد من الوافدين، على قاعدة أنّ ما سُمِح لهؤلاء حُرِّم على غيرهم. الذي يجري اليوم على الكورنيش البحري، والتعديات أمام مراكز الإيواء، وصفةٌ جاهزة لإشعال نزاعٍ أهليٍّ واجتماعيٍّ داخل مدينةٍ مثقلة أصلًا بالأزمات. وليست المسألة هنا شكلًا أو ذوقًا أو حساسيّاتٍ مناطقيّة، بل هيبة مدينة، وحقّ أهلها في شوارعهم، ومفهوم القانون نفسه: هل هو قانونٌ على البعض فقط، أم على الجميع؟ لا تخدعكم ابتساماتُ النفاق تحت عدسات الكاميرات، ولا العباراتُ الإنشائية، ولا شعار “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”. هذه حجّة الجبناء دائمًا حين يريدون إسكات الناس عن حقوقهم. الحقيقة أبسط وأوضح، صوت الحقّ يعلو، ولا يُعلى عليه. ومن حقّ صيدا أن تسأل، وأن تغضب، وأن ترفض تحويلها إلى مدينةٍ مستباحة باسم “الخنوع البلدي” والتواطؤ المقنّع من جميع الساكتين.