توقّفت مصادر سياسية متابعة عند ظاهرة الغياب التام لشخصية صيداوية فاحشة الثراء عن المشهد العام، على الرغم من صعوبة الظروف التي يمرّ بها الوطن والمواطنون، لا سيما أهالي صيدا، بسبب تداعيات أزمات النزوح التي أفرزتها الحرب على أكثر من صعيد. وكشفت المصادر لـ”البوست” أن أعمال الترميم والتحسين وحتى كنس النفايات التي كانت تقوم بها هذه الشخصية في المدينة، لا سيما في البلدة القديمة، قد توقفت بالكامل بقرار مفاجئ منذ مدة، عازيةً ذلك إلى أسباب لها علاقة بحسابات ضيقة مع أصحاب نفوذ وأمراء أحياء. ولفتت المصادر إلى أن اهتمام الشخصية حالياً، في ظل ظروف الحرب والعدوان والتهجير التي تعيشها البلاد، منصبّ على الإسراع في إنجاز إحدى الحدائق العامة والانتهاء من أعمالها بأسرع وقت، متناسيةً دورها في وضع العصيّ في دواليب البلدية السابقة، وكونها سبباً في إيصال البلدية الحالية الهجينة إلى ما وصلت إليه اليوم من مآسٍ.
في العقلية الإسرائيلية – الصهيونية، لا يُقاس الخطر دوماً بحجم الخسائر المادية، بل بحجم الكسر الذي يصيب صورة الردع. من هذا المنظور، لا يبدو ما جرى في 7 حزيران 2026 أقلّ رمزية وخطورة عمّا جرى في 7 أكتوبر 2023. ففي 7 أكتوبر، تلقت إسرائيل ضربة قاسية في عمق صورتها الأمنية والاستخبارية، واهتزّت أسطورة “الدولة التي لا تُفاجأ”. أما في 7 حزيران، فالمسألة مختلفة في الشكل، لكنها متقاربة في الجوهر: صواريخ إيرانية تُطلق باتجاه إسرائيل للمرة الأولى منذ وقف إطلاق النار في نيسان، بعد ضربات إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية تتقاطع فيها الحرب مع المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية. هنا لا تصبح الصواريخ وحدها هي الحدث، بل السؤال الذي تطرحه: هل انتقلت إيران من موقع الردّ غير المباشر عبر الساحات الحليفة إلى موقع تثبيت معادلة اشتباك مباشرة؟ وهل تستطيع إسرائيل، التي بنت عقيدتها الأمنية على مبدأ الردّ القاسي والسريع، أن تتعايش مع معادلة جديدة تقول إن ضرب لبنان قد يستدعي ردًا من إيران نفسها؟ skip render: ucaddon_material_block_quote الإجابة عن هذه الأسئلة لا تبدو في تل أبيب وحدها، بل في واشنطن أيضًا. فإسرائيل قد تملك قرار النار، لكنها لا تملك دائمًا قرار السقف. وحين تكون الولايات المتحدة منخرطة في مفاوضات شاقة مع إيران، وحين يكون الرئيس الأميركي دونالد ترامب حريصًا على عدم انهيار مسار تفاوضي يراه قريبًا من الإنجاز، يصبح الردّ الإسرائيلي محكومًا بحسابات أميركية لا تقل أهمية عن الحسابات العسكرية الإسرائيلية. وقد نقلت تقارير أن ترامب حضّ نتنياهو على عدم الردّ، خشية انهيار المفاوضات القريبة مع طهران. من هنا يولد السؤال الأكثر حساسية: من يحكم إيقاع العالم اليوم؟ واشنطن أم تل أبيب؟ القرار الأميركي أم الحاجة الإسرائيلية إلى الثأر؟ المصالح الكبرى أم هواجس الأمن الوجودي؟ وفي الخلفية، تبدو اللوبيات وشبكات النفوذ ومراكز الضغط جزءًا من معادلة القرار، لا بديلاً عنها. شكل الردّ الإسرائيلي، مهما يكن، سيحسم الصورة الملتبسة لـ”المنتصر” و”المهزوم” في جولات الحروب التي تشهدها المنطقة منذ سنوات. فإذا ردّت إسرائيل بعنف واسع، فهي تقول إنها ما زالت قادرة على كسر أي معادلة تُفرض عليها. وإذا ردّت ردًا محدودًا ومحسوبًا، فهي تعترف ضمنًا بأن واشنطن هي التي تمسك بسقف النار. أما إذا امتنعت عن الردّ، أو اكتفت بردّ رمزي، فسيُقرأ ذلك في طهران وبيروت وصنعاء والمنطقة بوصفه قبولًا إسرائيليًا اضطراريًا بمعادلة احتواء جديدة. وهذه هي المعضلة الإسرائيلية الحقيقية: الردّ قد يفتح حربًا أوسع، وعدم الردّ قد يفتح بابًا أخطر في وعي الخصوم، هو باب الاعتقاد بأن إسرائيل باتت قابلة للردع. وبين الخطرين، تقف تل أبيب أمام اختبار بالغ الحساسية: كيف تحفظ صورتها من دون أن تشعل المنطقة؟ وكيف تضرب من دون أن تُفشل واشنطن؟ وكيف تثأر من دون أن تمنح إيران نصرًا سياسيًا أكبر من فعلها العسكري؟ فإيران، حتى لو لم تُحدث صواريخها دمارًا كبيرًا، تسعى إلى تثبيت صورة سياسية مفادها أنها لم تعد تكتفي بإدارة الاشتباك عبر الوكلاء. وهي تريد أن تقول إن الضاحية ليست ساحة منفصلة عن طهران، وإن لبنان لم يعد صندوق بريد إقليميًا تستعمله إسرائيل من دون كلفة. وقد أعلنت طهران، عبر مسؤولين فيها، أن قواعد أميركية وأصولًا إسرائيلية في المنطقة قد تصبح أهدافًا مشروعة إذا توسّع التصعيد. في المقابل، تعرف إسرائيل أن أي تراجع عن الردّ سيُقارن فورًا بما بعد 7 أكتوبر. يومها، اختارت حربًا طويلة ومدمّرة لاستعادة الهيبة. أما اليوم، فهي أمام خصم مختلف، وساحة أوسع، وراعٍ أميركي يريد احتواء الانفجار لا توسيعه. لذلك لن يكون السؤال: هل تستطيع إسرائيل الردّ؟ بل: هل تستطيع تحمّل نتائج الردّ؟ في عالم ترامب، قد يكون لا مكان إلا لترامب وحده. فالرجل الذي يريد أن يظهر بوصفه صانع الصفقات الكبرى لا بوصفه مدير الحروب المفتوحة، لن يسمح بسهولة بأن يتحول الردّ الإسرائيلي إلى تفجير لمسار تفاوضي قد يقدّمه لاحقًا كإنجاز شخصي. من هنا، قد لا تكون إسرائيل أمام قرار عسكري فقط، بل أمام امتحان طاعة سياسية للبيت الأبيض. اليوم لا يُقرَّر فقط ما إذا كانت إيران ستخرج منتصرة، ولو صوريًا، مما جرى لها بعد الحرب عليها. بل يُقرَّر أيضًا ما إذا كانت إسرائيل لا تزال قادرة على فرض قواعد اللعبة وحدها، أم أن زمن الردّ المفتوح بلا سقف بدأ يتراجع أمام زمن المعادلات الثقيلة، حيث كل ضربة تحتاج إلى إذن، وكل ردّ يحتاج إلى حساب، وكل انتصار يحتاج إلى موافقة أميركية مسبقة. ما جرى في 7 حزيران 2026 ليس مجرد هجوم صاروخي عابر، بل اختبار لمعادلة الشرق الأوسط الجديدة: هل تبقى إسرائيل فوق قواعد الاشتباك، أم تصبح طرفًا داخلها؟
كلما جلستُ لأخطّ حرفاً في الآونة الأخيرة، تراجعتُ. كنتُ أكتب الفكرة ثم أمحوها، ليس عجزاً عن التعبير، بل لأن الحرص على أمن هذه المدينة، وعلى سلامة الوطن، بات يتقدم عندي على أي مقال صحفي أو استعراض مطلبي محق. غير أن الصمت لم يعد خياراً حين تكتشف أن صمتك يتقاطع مع هواجس ومخاوف يهمس بها الجميع في منازلهم وجلساتهم المغلقة الناس في مدينتنا صيدا يعيشون القلق نفسه، ويسألون الأسئلة الحرجة ذاتها: بين بيع الأراضي في “مناطق الخطر”، وشراء شقق متواضعة بأسعار خيالية في صيدا… إلى أين نمضي؟ وهل ما نشهده هو مجرد نزوح عابر، أم أنه ملامح تغيّر ديمغرافي دائم يغذيه الطمع وتفرضه لغة الحرب؟ حين يغيب اليقين ويختلط الخوف بالشك، ندرك أن الموضوع بات خطيراً جداً، فلا يجوز للفيل أن لا يرى ما وراء الشجرة. بورصة الخوف وسماسرة “الاستقرار المستعجل” القصة لا تحتاج إلى تحليلات معقدة، بل تبدأ من تفاصيل بسيطة تشبه حكايات بيوتنا. شقة صغيرة في صيدا، معروضة للبيع منذ سنتين، شقة متواضعة وإن كانت في نظر أصحابها “ستّ النساء”، لم تجد مشترياً بعشرين ألف دولار. فجأة، وبلحظة خاطفة، طار السعر، وبيعت بسرعة بخمسة وأربعين ألفاً! هذه ليست حالة فردية، بل عينة من مشهد يمتد على طول الساحل. ينقل لي أحد السماسرة أن الأسعار من صيدا وصولاً إلى خلدة، وخصوصاً في برجا – حكاية برجا تحتاج مقالاً آخر – قفزت بشكل جنوني وعادت إلى ما كانت عليه قبل انهيار العملة وسقوط السوق العقاري. سمسار آخر، ابن الجنوب الذي يعرف تفاصيل صيدا جغرافياً وبشرياً بحكم عمله المستمر فيها منذ أكثر من عشر سنوات، يروي لي دهشته. يقول إن الطلب الأخير على إحدى الشقق وصل إلى حدود الـ180 والـ200 ألف دولار كاش. المفارقة ليست في الرقم فقط، بل في الشروط: يريدونها “مفروشة” ومع حديقتها، يبحثون عن “السكن السريع” الفوري… يبحثون عن استقرار مستعجل، مهما كان الثمن وبأي شروط. أو أن إشاعة التكليف الشرعي حقيقية بين الاستئجار طويل المدى أو الشراء مهما كلّف الثمن. skip render: ucaddon_material_block_quote استباحة الأرصفة وهواجس الميدان هذا التهافت العقاري يقابله في الميدان مفصل آخر لا يقل خطورة: مشهد الكورنيش والشارع الصيداوي. هناك حالة من الاستباحة الصامتة للأرصفة ومواقف السيارات المجانية العامة التي كانت أصلاً تشكل أزمة لأبناء المدينة. في عينة حية، تجد محلاً مؤجراً حديثاً بات يسيطر بقوة الأمر الواقع على أكثر من ثمانية مواقف للسيارات المحيطة به. المشهد يتجاوز التجارة إلى نمط حياة مريب: نساء تنام داخل المحل، ورجال يبيتون في السيارات المركونة في محيطه، “رابيدات” و”بيك آب” وسيارات أغلبها بلا لوحات، بلا نمر، تتحرك وتتمركز بطريقة تثير الريبة وتزرع القلق في نفوس الجوار، بل وعندما تتحرك آلية ما تُستبدل بغالونات الماء أو منشر غسيل! نحن أمام مشكلة هائلة تتجاوز قدرة المدينة على الاحتمال. لغة الأرقام الصادرة من خلف كواليس الأجهزة الأمنية تصدم العقل. صيدا التي كان يبلغ عدد سكانها، مع أهلنا في المخيمات الفلسطينية، حوالي 300 إلى 350 ألف نسمة، تضم اليوم في أزقتها وشققها وضواحيها أكثر من 700 ألف نازح! نحن نتحدث عن ضِعف العدد الأصلي. ضغط هائل على البنى التحتية، أزمة مياه ومجارٍ، استنزاف للخدمات، واختناق يومي لا تحتمله جغرافيا المدينة ولا قدرتها الاقتصادية، وخوف بين من يستضيف والمضيف، و”كل الناس خير وبركة… احسبها على حالك”. حين ينطق التاريخ: دروس صور وبعلبك هذا المشهد المعقد يعيدنا بالذاكرة إلى دفاتر التاريخ القريب والبعيد، ويجبرنا أن نتمحّص في تحولات الجغرافيا اللبنانية. من يقرأ تاريخ مدينتين عريقتين مثل صور وبعلبك، يعرف جيداً أنهما كانتا في حقب سابقة بتركيبة ديمغرافية ذات أغلبية من طائفة معينة، وكيف تبدلت الموازين والظروف التاريخية والسياسية والاجتماعية عبر العقود ليأخذا حُلّة ديمغرافية مغايرة تماماً، تماهت مع واقع جديد. التاريخ ليس مجرد أحداث مضت، بل هو دروس تمشي على الأرض. والخشية اليوم، بين السطور وفي عمق النفوس، أن تكون صيدا أمام مسار شبيه، يُرسم ببطء تحت وطأة الحاجة والنزوح، ويُنفذ بأموال الطمع العقاري، فتصبح “حدت” أخرى فتُسمى “الحدث”، وهذه مخاوف عاشها العونيون في بداية عودة الجنرال عون الرئيس السابق. حين يُباع الحجر بالخوف، تُشترى المدن على مهل من طوق الشام إلى بوابة الجنوب عند هذا الحد، لا يمكن للعين الصحفية إلا أن تقرأ ما هو أبعد من الحدود اللبنانية. يتملكنا تساؤل قلق الكيان ومريب الاستفهام: هل نحن أمام محاولة لإنتاج “دمشق جديدة” بدلاً من تلك التي حُررت وعُدّلت هويتها؟ التجربة السورية حاضرة كشاهد حي. فالعاصمة دمشق لم تتغير بين ليلة وضحاها، بل خضعت لطوق ديمغرافي محكم عبر خطة ذكية وممنهجة قادها حافظ الأسد المقبور واستكملها بشار الأسد الهارب. بدأت الفكرة قديماً تحت مسميات تنظيمية وإسكانية، من خلال بناء “مساكن الضباط” ثم تجمعات العسكر، لتتحول تلك الأطراف تدريجياً عبر العقود إلى أحياء سكنية شاسعة ومكتظة، تحاوط قلب الشام التاريخي وتخنقه ديمغرافياً وعسكرياً عند أي منعطف، مغيرةً وجه المدينة إلى الأبد، وهذا ما حصل في عاصمة الأمويين التي استُرجعت بملايين المشردين والشهداء والجرحى. فهل ما يجري على طول الساحل الصيداوي اليوم هو محاكاة لتلك “الأطواق” ونحن على أبواب عاشوراء؟ تحركات مريبة تحت غطاء إنساني هذا التوجس يكتسب بُعداً ملموساً وثقه تقرير لافت ومقلق نشره المصدر الإلكتروني “البوصلة” تحت عنوان: “مخاوف في صيدا من تحركات عصائب أهل الحق تحت غطاء إنساني”. التقرير أثار الأنشطة الأخيرة لـ”عصائب أهل الحق” العراقية، المصنفة على قوائم الإرهاب الدولية، في مدينة صيدا وجوارها، حيث يُسجل للمنظمة حركة نشطة في توزيع المساعدات الغذائية والإنسانية، وسط علامات استفهام كبرى يسوقها التقرير في نقاط ثلاث تصيب جوهر المشهد: • الغطاء الإنساني الوهمي: حيث يرى المراقبون أن توزيع تلك المساعدات ليس سوى واجهة ذكية لكسب حاضنة شعبية محلية، وتثبيت نفوذ سياسي وميداني مباشر في عصب “بوابة الجنوب”. • غياب الدولة المريب: وهو ما يطرح تساؤلات حارقة حول غياب الرقابة الرسمية والأمنية للدولة اللبنانية، وسط اتهامات صريحة لـ”حزب الله” بتسهيل دخول الحركة وتأمين حريتها المطلقة في التنقل والنشاط. • التنسيق ووحدة الساحات: تشير القراءات السياسية إلى أن هذا التواجد المستجد يأتي بالتنسيق الكامل مع “حزب الله” لتعزيز مفهوم “وحدة الساحات” على الأرض، والتحضير العملي لسيناريوهات ميدانية وأمنية مستقبلية عبر استخدام فصائل حليفة وعابرة للحدود. skip render: ucaddon_box_testimonial