في زمنٍ تتسارع فيه التحولات السياسية وتتفاقم فيه الأزمات الحضارية، يعود السؤال عن مصادر الحكمة التي يمكن أن تهدي الإنسان والمجتمع إلى سبيل التوازن والاعتدال. فليست السياسة، في جوهرها العميق، مجرد إدارة للمصالح أو تنظيمٍ للقوة، بل هي قبل ذلك تعبير عن تصوّر الإنسان لنفسه وللعالم ولمعنى العيش المشترك من هنا تبرز أهمية المعرفة العرفانية والحسّ الإنساني بوصفهما رافدين أساسيين لإعادة بناء الوعي الإنساني على أسس أكثر عمقًا واتزانًا. المعنى الكلي تقوم المعرفة العرفانية على إدراكٍ يتجاوز حدود التحليل العقلي المجرّد إلى شهود المعنى الكلي ووحدة الحقيقة وراء مظاهر التعدد. فهي لا تنكر العقل، بل تمنحه أفقًا أرحب يجعله قادرًا على إدراك العلاقات الجامعة بين الأشياء بدل الوقوف عند حدود التجزئة والتفكيك. أمّا الحسّ الإنساني، في أرقى تجلّياته، فهو علم تزكية النفس وتحريرها من سلطان الأهواء، حتى تصبح أكثر قدرة على استقبال الحكمة والعدل والرحمة. إن الأزمة الكبرى التي تعاني منها السياسة المعاصرة ليست أزمة مؤسسات فحسب، بل هي أزمة رؤية. فقد أدى اختزال الإنسان في بعده الاقتصادي أو البيولوجي أو الأيديولوجي إلى نشوء أنماط من الحكم والتدبير تفتقر إلى البعد الأخلاقي والروحي. وحين يغيب المعنى، تتحول القوة إلى غاية في ذاتها، وتصبح المنافسة والصراع المعيار الوحيد للعلاقات بين الأفراد والجماعات والدول. في هذا السياق، تقدم الحكمة الإنسانية إسهامًا بالغ الأهمية؛ إذ تذكّر الإنسان بأن السلطة الحقيقية تبدأ من سلطة المرء على نفسه. فالذي لم يتحرر من نوازع الكِبر والطمع والخوف يصعب عليه أن يقيم عدلًا مستقرًا أو أن يدير شأنًا عامًا بروح المسؤولية. ولهذا ارتبط هذا المفهوم بمعاني الخدمة والتواضع والأمانة قبل ارتباطه بمظاهر النفوذ والتأثير. ترسيخ ثقافة القبول أما من الناحية السياسية، فتسهم الرؤية العرفانية في ترسيخ ثقافة الحوار والاعتراف المتبادل. فإدراك وحدة الأصل الإنساني لا يؤدي إلى إلغاء الاختلاف، بل إلى فهمه باعتباره تنوعًا مشروعًا داخل إطار أوسع من الوحدة. ومن هنا يمكن للمعرفة الروحية أن تشكل أساسًا فلسفيًا لمجتمعات أكثر قدرة على التعايش والتعاون، بعيدًا عن نزعات الإقصاء والاستقطاب التي تمزق المجتمعات المعاصرة. كما أن الحسّ الإنساني يقدم تصورًا مختلفًا للتنمية والتقدم. فالتقدم لا يُقاس فقط بمعدلات الإنتاج والاستهلاك، وإنما بقدرة الإنسان على تحقيق التوازن بين حاجاته المادية ومتطلباته الروحية والأخلاقية. وحين يغيب هذا التوازن تنشأ أشكال من الاغتراب الفردي والجماعي، مهما بلغت مستويات الرفاه الاقتصادي أو التطور التقني. skip render: ucaddon_material_block_quote تقوم المعرفة العرفانية على إدراكٍ يتجاوز حدود التحليل العقلي المجرّد إلى شهود المعنى الكلي ووحدة الحقيقة إن استحضار البعد العرفاني في المجال العام لا يعني إقامة سلطة دينية أو فرض رؤية عقدية بعينها، بل يعني إعادة الاعتبار للقيم الكونية المشتركة: العدل، والرحمة، والكرامة، والمسؤولية، والتواضع أمام الحقيقة. وهذه القيم هي الشرط الضروري لأي مشروع حضاري قادر على الاستمرار.وفي عالم يزداد تعقيدًا وتشابكًا، تبدو الحاجة إلى الحكمة أشد من الحاجة إلى المعرفة التقنية وحدها. فالمعرفة تمنح الإنسان القدرة، أمّا الحكمة فتهديه إلى كيفية استخدام هذه القدرة. وإذا كانت السياسة فنّ إدارة الممكن، فإن الحكمة العرفانية تذكّرنا دائمًا بأن الممكن لا يكتمل إلا حين يظل متصلًا بالحق والخير والجمال.من هنا، فإن العلاقة بين المعرفة العرفانية والحسّ الإنساني ليست علاقة خاصة بمجال ديني أو روحي محدود، بل هي مساهمة حضارية كبرى في بناء إنسان أكثر وعيًا بذاته، ومجتمع أكثر عدلًا، وسياسة أكثر اتزانًا، وعالم أكثر سلامًا.وإذا كان الحسّ الإنساني يعلّم أن العمران الحق يبدأ من عمران الإنسان، فإن بعض التجارب السياسية في المشرق العربي قد سعت، بدرجات متفاوتة، إلى ترجمة هذا المعنى في المجال العام. ومن بين هذه التجارب تبرز المدرسة التي ارتبطت باسم الشهيد رفيق الحريري، ليس بوصفها مشروعًا سياسيًا عابرًا، بل بوصفها رؤية للعمران الإنساني قائمة على مركزية الإنسان في عملية النهوض الوطني.لقد أدركت هذه المدرسة أن بناء الأوطان لا يتحقق بالمنشآت والطرق والمؤسسات وحدها، على أهميتها، وإنما ببناء الإنسان القادر على حمل رسالة العمران. فالجامعة، والمدرسة، وفرص المعرفة، والانفتاح على العالم، ليست مجرد أدوات للتنمية الاقتصادية، بل هي وسائل لترقية الكائن الإنساني وتمكينه من أداء دوره في الاستخلاف الحضاري. وهنا يلتقي الفعل السياسي مع إحدى أعمق حقائق الحكمة التقليدية: أن الثروة الحقيقية ليست ما تملكه الأمم، بل ما تصنعه من إنسان.ومن منظور عرفاني أرحب، يمكن النظر إلى الاعتدال الذي بشّرت به هذه المدرسة بوصفه تعبيرًا سياسيًا عن مبدأ التوازن الذي يشكل أحد قوانين الوجود الكبرى. فالحكمة ترى أن كل انحراف نحو الإفراط أو التفريط يقود إلى الاختلال، وأن العدل ليس مجرد قيمة قانونية، بل هو انسجام بين القوى المختلفة داخل الفرد والمجتمع والدولة. ومن هذا المنطلق يصبح الاعتدال أكثر من خيار سياسي؛ إنه صورة من صور الحكمة العملية التي تسعى إلى جمع المتقابلات ضمن وحدة أعلى تحفظ التنوع وتمنع التنازع.كما أن فكرة إعادة بناء المدينة واستعادة دورها الحضاري تتجاوز في معناها العميق حدود الإعمار المادي. فالمدينة، في التراث الإنساني والروحي، ليست مجرد كتلة من الحجر والإسمنت، بل هي فضاء لتجلّي القيم والمعاني والعلاقات الإنسانية. وحين يُنظر إلى العمران من هذه الزاوية، يصبح تشييد المؤسسات الثقافية والتربوية والاقتصادية فعلًا حضاريًا يهدف إلى إعادة وصل الإنسان بمستقبله وبثقته في إمكان النهوض.إن القيمة الفلسفية الأبرز في هذه الرؤية تكمن في رفضها القطيعة بين الأصالة والمعاصرة، وبين الانتماء والانفتاح. فهي تفترض أن الهوية الحقيقية لا تنغلق على ذاتها، بل تزداد رسوخًا كلما ازدادت قدرة على الحوار والتفاعل والإبداع. وهذه الفكرة تلتقي مع جوهر الرؤية العرفانية التي ترى أن الوحدة لا تنفي الكثرة، وأن الانفتاح على الآخر لا يعني الذوبان فيه، بل اكتشاف أفق أوسع للحقيقة المشتركة.ومن هنا يمكن فهم التنمية الإنسانية المستدامة باعتبارها مشروعًا أخلاقيًا وروحيًا بقدر ما هي مشروع اقتصادي أو إداري. فغاية التنمية ليست مضاعفة الأرقام والمؤشرات فحسب، بل تمكين الإنسان من تحقيق كرامته، وتوسيع آفاق حريته، وتعميق إحساسه بالمسؤولية تجاه مجتمعه ووطنه. وعندما تتأسس السياسة على هذا الفهم، فإنها ترتقي من مستوى إدارة المصالح إلى مستوى رعاية المعنى. skip render: ucaddon_box_testimonial
لم تعد المسألة مجرد أزمة نزوح عابرة تتعامل معها عاصمة الجنوب اللبناني بخلفيتها الإنسانية المعهودة، بل تحوّلت في الآونة الأخيرة إلى واقع ضاغط يهدّد السلم الأهلي وهوية المدينة القانونية. الشواهد اليومية في شوارع صيدا، من أسواقها التجارية إلى واجهتها البحرية، باتت توثّق حالات غير مسبوقة من الاستفزاز، والتطاول السافر على عناصر شرطة البلدية، والتعدّيات المستمرة على الأملاك العامة والخاصة من قِبل بعض المجموعات الوافدة. أمام هذا المشهد، يتصاعد الغضب الصيداوي ليعلن نهاية زمن التراخي: صيدا التي فتحت أبوابها ومنازلها انطلاقًا من واجبها الوطني والإنساني، لن تسمح بأن تُستباح كرامتها، أو أن يُفرض عليها واقع الفوضى تحت أي شعار. الاستفزاز الممنهج تجاوزت الأمور حدود “الإشكالات الفردية” لتأخذ منحى التمرّد على الأنظمة المحلية. فشرطة البلدية، التي تمثل السلطة المحلية والوجه التنظيمي للمدينة، تعرّضت لأكثر من محاولة تطاول واعتداء مباشر أثناء قيامها بواجبها في منع البسطات العشوائية وإخلاء الأرصفة والكورنيش البحري. هذا الرصيف، الذي يمثل متنفس المدينة ومرفقها الحيوي، تحوّل في كثير من أجزائه إلى مربعات عشوائية ومظاهر تشوّه الطابع المدني لصيدا، وسط إصرار من المخالفين على ضرب القرارات الرسمية بعرض الحائط. إن هذا التجرؤ على هيبة القانون لا يمثل اعتداءً على عنصر بلدي فحسب، بل هو طعنة في خاصرة الاستقرار الصيداوي. كما أن التراخي الرسمي والأمني في حسم هذه التجاوزات منذ بدايتها أسهم في إعطاء انطباع خاطئ بأن المدينة يمكن تحويلها إلى ساحة مفتوحة للمخالفات، وهو ما ترفضه الفعاليات الشعبية جملةً وتفصيلًا. skip render: ucaddon_material_block_quote من الاستضافة إلى حماية الأرض أثبتت التجارب أن الرهان الأكبر في المحطات المصيرية يقع على عاتق أبناء صيدا أنفسهم. فالأمن لا يبدأ فقط من مخافر الدولة، بل من وعي الشارع وتضامنه. وفي هذه المرحلة الدقيقة، لم يعد مطلوبًا من الصيداويين الاكتفاء بدور المتفرج أو الشاكي؛ بل إن المسؤولية الوطنية تفرض عليهم اليوم الانتقال إلى مربع المبادرة وحماية مدينتهم عبر جبهة أهلية متماسكة. يتجلّى دور أهل المدينة اليوم في فرض معادلة واضحة لا تقبل اللبس “النزوح مسؤولية إنسانية، لكن النظام سيادة كاملة”. لذلك، يجب على العائلات الصيداوية والقوى المحلية رفع الغطاء عن أي شخص، سواء كان من أبناء المدينة أو من الضيوف، يحاول استغلال هذه الأزمة لتحقيق مكاسب مادية غير قانونية، والتبليغ عنه فورًا. كما أن تفعيل لجان الأحياء والشباب في مختلف مناطق صيدا لرصد أي تحرك مشبوه أو تعدٍّ على البنى التحتية، من مياه وكهرباء وشبكات صرف صحي، والتبليغ الفوري عنه، يمثل خط الدفاع الأول الذي يمنع استفحال الفوضى. شرطة البلدية، التي تواجه نقصًا في العديد والإمكانات، بحاجة اليوم إلى “حاضنة شعبية” قوية. فعندما يشعر المخالف أن التعدي على الشرطي سيواجَه بغضب ورفض من كل أبناء الحي، سيفكر ألف مرة قبل الإقدام على أي حماقة. صيدا في عين العاصفة: حين تصبح الفوضى تهديدًا للسلم الأهلي لوضع حدّ للمهزلة يُعدّ استمرار هذا الفلتان التنظيمي مهزلة حقيقية يجب أن توضع لها نهاية فورية. والمطلوب اليوم هو تنسيق رفيع المستوى، وتكثيف غير مسبوق للجهود بين بلدية صيدا، والأجهزة الأمنية الرسمية، وأبناء المدينة، والفعاليات الأهلية، لضرب المخالفات بيد من حديد. فلم يعد هناك متسع للمجاملات أو المداراة على حساب أمن الاستقرار اليومي. صيدا كانت وستبقى مدينة النخوة والشهامة، لكن شهامتها لم تكن يومًا مرادفًا للضعف أو القبول بفرض “أمر واقع” يشوّه معالمها ويهدد سلامة سكانها. إن التضامن الحقيقي لأبناء المدينة اليوم هو المقياس؛ فإما أن ينتفض الوعي الجماعي الصيداوي ليعيد الأمور إلى نصابها ويفرض احترام القانون على الجميع دون استثناء، وإما أن تُترك المدينة لقمة سائغة للتخبط والفوضى. skip render: ucaddon_box_testimonial
على الطريقة الارتجالية و”الولادية” عينها، التي تفتقر إلى الخبرة والحنكة، والتي تُدار بها العديد من الملفات الأساسية في بلدية صيدا، تخرج إلى العلن اليوم فصول “فضيحة” جديدة تُنذر بتفاقم المشكلات الداخلية التي تعصف بهذه البلدية منذ اليوم الأول لولادتها. فبحسب مصادر مطلعة، علمت “البوست” أن بلدية صيدا كانت قد حسمت تأجير الواجهة البحرية لملعب صيدا البلدي لـ”جهات معينة”، بهدف تنظيم احتفاليات بمناسبة كأس العالم لكرة القدم، تمتد على فترة 39 يوماً، بمبلغ لا يتعدى 5000 دولار. نعم، 5000 دولار فقط لا غير، بحسب ما يؤكده عارفون، على أن يدخل المبلغ إلى صندوق التكافل البلدي المستقل، لا حتى إلى حساب البلدية الرسمي. ضآلة المبلغ، مقارنة بالعوائد الكبيرة المرتقبة من حدث بهذا الحجم، من رسم دخول بـ10 دولارات، ورعايات قد تصل إلى 30 ألف دولار، وتأجير مطاعم ومقاهٍ ودكاكين، أدت إلى نشوب خلاف بين بعض الأعضاء والرئيس، وهو ما فجّر سلسلة من الفضائح المتتالية في عملية التلزيم التي كان يُفترض أن تمرّ من دون ضجيج. أسئلة كثيرة باتت تُطرح، وصولاً إلى التلويح باللجوء إلى النيابات العامة المالية: من هي الجهات والشركات الكامنة خلف تنظيم حدث بهذا الحجم؟ هل يُعقل أن يظهر اسم “مؤثر” صُوِّر يوماً مع رونالدو، ليصبح الموضوع بحكم المنجز؟ هل طار الحدث من يد البلدية ليحط في صالة خاصة بالقرب من نهر الأولي؟ هل سيقبل الرئيس “كسرته” بهذا الشكل أمام أعضاء متربصين؟ ومن الأسئلة التي تطرح في المدينة اليوم، كيف يتم الترويج لكتيّب عن رعايات بآلاف الدولارات، مذيل برقم هاتف شخصي وبريد إلكتروني على “ياهو”، من دون أي ذكر للبلدية، أو لشركة، أو لجهة منظمة حقيقية؟ مهما تكن النتائج التي ستؤول إليها محاولات رئيس البلدية، من إسطنبول، للملمة الموضوع، يبدو أن ملف تنظيم الأنشطة الرياضية والفعاليات السياحية في بلدية صيدا مرشح ليكون “صندوقاً أسودا” وأن يُفتح على من جديد، ليدخل أصحابه في حلقة جديدة من الاستجوابات التي لم تنتهِ فصولها بعد حتى اليوم. لكن، في هذه المرة، لن يتدخل أحد…