قفْ أمامَ خريطةِ منطقتِنا واسألِ السُّؤالَ البديهي: شرقُ مَن؟ وأوسطُ ماذا؟ تبدو عبارةُ «الشرقِ الأوسط» كأنَّها حقيقةٌ جغرافيةٌ بديهية، لكنَّها في الواقع جملةٌ جيواستراتيجية صيغت بوعيٍ إمبراطوري. ليست وصفًا محايدًا للمكان، بل ترتيبٌ للعالَم حول نقطةِ نظرٍ بعينِها. زمنُ إعادةِ التشكُّلتبلور مصطلحُ الشرقِ الأوسط مطلعَ القرنِ العشرين في معجمِ الإمبراطوريةِ البريطانية، حين كانت لندن تؤمِّن طرقَ الهند، جوهرتَها الاستعمارية. بين «الشرقِ الأدنى» المتاخمِ لأوروبا و«الشرقِ الأقصى» في شرقِ آسيا، ظهر ممرٌّ وسيطٌ على الخرائطِ البحرية: ما بين السويسِ والخليجِ صار «شرقًا أوسط».هكذا وُلِد الاسمُ من خطوطِ الملاحة قبل أن يُسقَط على الشعوب. غير أنَّ الأسماءَ ليست بطاقاتِ تعريفٍ فحسب؛ إنَّها تعيد تموضعَ العالم حول مركزٍ متخيَّل. حين نُسمَّى «الشرقَ الأوسط»، تُثبَّت أوروبا كصفرٍ كارتوغرافي: نحن شرقٌ قياسًا إلى غربٍ أوروبي، و«أوسط» قياسًا إلى أطرافٍ يعرِّفها المركزُ نفسُه. التسميةُ تُطبِّع هرميَّةً ظلَّت قائمةً حتى بعد رحيلِ المدافع. الشرق الأوسط…جغرافيا على مقاس الإمبراطوريات، الاسم الذي وضعنا على الهامش قبل بوصلةِ أوروبااقلبِ المنظورَ تتكشَّف المفارقة. تخيَّل عالَمَ المحيطِ الهندي يسمّي بريطانيا «الغربَ الأوسط»، أو أطلسًا من عهدِ أسرةِ مينغ يجعل أوروبا شبهَ جزيرةٍ بعيدةً عن دوائرِ الثراء. لقرونٍ طويلة، دارت مراكزُ التجارة عبر الصينِ والهندِ وحوضِ المحيطِ الهندي، وكانت أوروبا اقتصاديًا على الهامش. تبدَّل المركزُ لاحقًا، وتبدَّلت معه الخرائطُ والأسماء. مع صعودِ أوروبا البحرية، صار العالمُ يُرسَم من على ظهرِ السفنِ الأوروبية: خطوطُ طولٍ تمرّ بغرينتش، ومحيطاتٌ تُقاس بمسافاتِ الأساطيل، ومناطقُ تُسمَّى وفق حاجاتِ السيطرة.في هذا الإطار، أُعيد توصيفُ الفضاءِ العربي-الإسلامي بعبارةٍ تقنيةٍ تُفرغه من طبقاتِه الحضارية: لا «بلادُ الشام» ولا «جزيرةُ العرب» ولا «المشرق»، بل «شرقٌ أوسط» قابلٌ للإدارة، والتجزئة، وإعادةِ الهندسة. التسميةُ هنا أداة: تُبسِّط التعقيد، وتحوِّل التاريخَ إلى مسرحِ عمليات، وتُذيب الهويّاتِ في نطاقٍ وظيفي. هكذا تصبح الجغرافيا خادمةً للقوة، لا العكس. الاسمُ كبرنامجاليوم، يعود المصطلحُ في ثوبٍ مُحدَّث: «الشرقِ الأوسطِ الجديد». لكن ما الجديد؟ غالبًا ما يُقصَد إعادةُ ترتيبِ شبكاتِ الطاقة، وممرّاتِ التجارة، والتكنولوجيا، والأمن وفق توازناتٍ تُعيد وصلَ المنطقة بمنظوماتٍ تقودها قوى خارجية.الاسمُ يسبق الفعل: قبل أن تتغيَّر الوقائع، تُعاد تسميةُ المسرح، كأنَّ اللغةَ تمهِّد للهندسةِ السياسية. ثمَّة مفارقة: يُطلَب من المنطقة أن تتكامل اقتصاديًا عبر خرائطٍ عابرةٍ للحدود، بينما تُترك أسئلتُها المركزية — السيادة، العدالة، فلسطين، الفجوات التنموية — في الهامش. «الجديد» يُقاس بمؤشراتِ الاتصالِ والبنية، لا بترميمِ المعنى والشرعية. مرَّةً أخرى، التسميةُ تؤطِّر الممكن. لو سمَّينا العالمَ من منظورِناالسؤالُ ليس لغويًا بل سيادي: ماذا لو أعدنا تسميةَ فضائِنا انطلاقًا من تاريخِنا ومجالِنا التداولي؟ «المشرقُ العربي»، «غربُ آسيا»، «حوضُ المتوسطِ الجنوبي»، «المجالُ العربي-الإسلامي» تسمياتٌ تُعيد المركزَ إلى شبكاتِنا الحضارية، لا إلى بوصلةٍ خارجية.ليست دعوةً للانكفاء، بل لاستعادةِ القدرةِ على التعريف: أن نكون موضوعًا فاعلًا في الخريطة، لا مجرَّد موقعٍ فيها. الشرق الأوسط: خريطة بلا سيادة في زمنِ إعادةِ التشكُّل، أخطرُ ما يمكن فقدانُه هو حقُّ التسمية. لأنَّ من يملك الاسمَ يملك الإطار؛ ومن يملك الإطارَ يضيِّق أو يوسِّع أفقَ الفعل. لعلَّ «الجديد» الحقيقي يبدأ حين نتخلّى عن مركزٍ مُستعار، ونرسم خرائطَنا على قياسِنا، لا على مقاسِ الإمبراطورياتِ التي عبرت، ولا تلك التي تعود بأسماءٍ مُحدَّثة.
أوكل المرشد الأعلى في إيران علي خامنئي إلى السياسي المخضرم علي لاريجاني مهمة حسّاسة تتجاوز الأمن التقليدي، وتتمحور حول ضمان بقاء النظام في مواجهة سيناريوات الحرب والاغتيال والانهيار الداخلي ففي مطلع يناير، وبينما كانت إيران تواجه احتجاجات واسعة النطاق وتهديدات أميركية متصاعدة بتوجيه ضربات عسكرية، لجأ خامنئي إلى أحد أكثر رجاله خبرة وولاءً لإدارة المرحلة الحرجة. ومنذ ذلك الحين، برز لاريجاني — البالغ 67 عامًا — بوصفه الرجل الأقوى فعليًا في الدولة، متقدّمًا على المؤسسات الرسمية، بما فيها الرئاسة. سياسي مخضرم وقائد سابق في الحرس الثوري، يشغل حاليًا موقعًا محوريًا في منظومة الأمن القومي، ويقود عمليًا إدارة الدولة في ظل تراجع واضح لدور الرئيس مسعود بزشكيان، جرّاح القلب الذي دخل المعترك السياسي حديثًا. وقد أمضى بزشكيان عامًا صعبًا في منصبه، مكرّرًا علنًا عبارة لافتة: «أنا طبيب، لست سياسيًا»، في إشارة إلى محدودية قدرته على معالجة الأزمات المتشابكة التي تواجهها البلاد. تستند هذه الصورة عن صعود لاريجاني إلى شهادات عدد من المسؤولين الإيرانيين الحاليين والسابقين، بينهم شخص مرتبط بمكتب المرشد، وأعضاء في الحرس الثوري، ودبلوماسيون سابقون، إضافة إلى تقارير إعلامية داخلية. خطة طهران لا تفترض النجاة… بل الاستمرار مهما كان الثمن. طهران تستعد للحرب ولليوم الذي قد يغيب فيه المرشد دولة تُدار من خلف الستار خلال الأشهر الأخيرة، توسّعت صلاحيات لاريجاني بشكل غير مسبوق. فقد أشرف على قمع الاحتجاجات المطالبة بإنهاء الحكم الإسلامي، باستخدام القوة المميتة، ويتولى حاليًا ضبط الإيقاع الداخلي، والتنسيق مع الحلفاء الدوليين — ولا سيما روسيا — إلى جانب إدارة قنوات التواصل مع قوى إقليمية مثل قطر وسلطنة عُمان. كما يشرف على ملف المفاوضات النووية مع واشنطن، ويضع خطط الطوارئ لإدارة الدولة في حال اندلاع حرب محتملة، في وقت تعزّز فيه الولايات المتحدة حضورها العسكري في المنطقة. تشير مصادر مطّلعة إلى أن خامنئي أصدر تعليمات مباشرة إلى لاريجاني ودائرة ضيقة من القادة السياسيين والعسكريين لضمان استمرار النظام تحت أي ظرف، بما في ذلك احتمال اغتيال القيادة العليا أو المرشد نفسه. العلاقة بين الرجلين قديمة ومتينة، ويُنظر إلى لاريجاني بوصفه أحد أكثر الشخصيات التي يثق بها خامنئي. وتؤكد مصادر مطلعة أن المرشد يعتمد عليه في تقديم تقارير واقعية ونصائح براغماتية، ويراه الأنسب لقيادة المرحلة في ظل تصاعد المخاطر. ينحدر لاريجاني من عائلة دينية وسياسية بارزة، وتولى رئاسة البرلمان لمدة 12 عامًا، كما قاد عام 2021 مفاوضات اتفاق استراتيجي طويل الأمد مع الصين يمتد 25 عامًا. هندسة الخلافة… والدولة البديلة ضمن إجراءات الطوارئ، وجّه خامنئي بوضع ما يشبه «خطة خلافة متعددة الطبقات» للمناصب الحساسة، بحيث يُعيَّن أربعة بدلاء محتملين لكل موقع قيادي، عسكري أو حكومي. كما فوّض مجموعة محدودة باتخاذ القرار في حال انقطاع الاتصال به أو مقتله. وخلال اختفائه في يونيو الماضي أثناء حرب استمرت 12 يومًا مع إسرائيل، سمّى المرشد ثلاثة مرشحين محتملين لخلافته، لم تُكشف أسماؤهم. ويُرجّح أن لاريجاني ليس بينهم، لعدم كونه رجل دين شيعيًا بارزًا، وهو شرط أساسي لتولي منصب المرشد. ومع ذلك، يظل لاريجاني جزءًا من الحلقة الضيقة المحيطة بخامنئي، إلى جانب شخصيات نافذة مثل اللواء يحيى رحيم صفوي، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، ومدير مكتب المرشد علي أصغر حجازي. دروس الحرب… وإعادة تشكيل القيادة جاءت هذه الترتيبات بعد صدمة هجوم إسرائيلي مفاجئ في يونيو، أدّى إلى القضاء على عدد من كبار القادة العسكريين في الساعات الأولى. وبعد وقف إطلاق النار، عيّن خامنئي لاريجاني أمينًا للمجلس الأعلى للأمن القومي، وأنشأ مجلسًا وطنيًا للدفاع برئاسة الأدميرال علي شمخاني لإدارة الشؤون العسكرية في زمن الحرب. ويقول الخبير في الشأن الإيراني ولي نصر إن المرشد «يتعامل مع واقع يتوقع فيه احتمال استشهاده، ويسعى لضمان بقاء النظام حتى في أسوأ السيناريوات». الدولة تُعيد هندسة نفسها تحسبًا للحظة فقدان رأسها تأهّب عسكري شامل بحسب المصادر، تتعامل طهران مع فرضية الضربة الأميركية باعتبارها احتمالًا قريبًا، رغم استمرار المسار الدبلوماسي. وقد رفعت مستوى التأهب العسكري إلى الحد الأقصى، ونشرت منصات صواريخ باليستية على حدودها الغربية وسواحل الخليج، ضمن مدى استهداف القواعد الأميركية. كما أجرت مناورات بحرية، واختبارات صاروخية، وأغلقت مجالها الجوي مرارًا، وقيّدت الملاحة في مضيق هرمز لفترات محدودة. وفي حال اندلاع الحرب، ستنتشر وحدات من الشرطة والاستخبارات وقوات الباسيج في المدن الكبرى لإقامة نقاط تفتيش ومنع اضطرابات داخلية، إضافة إلى تعقّب شبكات يُشتبه بارتباطها بجهات أجنبية. من يحكم إذا سقط المرشد؟ لا تقتصر التحضيرات على الجانب العسكري، بل تشمل مستقبل السلطة السياسية. فقد ناقشت القيادة سيناريو إدارة الدولة في حال مقتل خامنئي وكبار المسؤولين، ومن يمكن أن يتولى الحكم الانتقالي. يتصدر لاريجاني هذه القائمة، يليه قاليباف، مع تداول اسم الرئيس السابق حسن روحاني، رغم تراجعه السياسي. غير أن قبول أي من هؤلاء شعبيًا يبقى محل شك بسبب اتهامات الفساد أو الارتباط بالقمع. تراجع الرئاسة… وصعود الرجل القوي في الأسابيع الأخيرة، ازداد الحضور الإعلامي والسياسي للاريجاني، فيما تراجع ظهور الرئيس بزشكيان. فقد زار موسكو للقاء فلاديمير بوتين، وأجرى اتصالات إقليمية مكثفة، وظهر في مقابلات مطولة. أما الرئيس، فيبدو أنه سلّم عمليًا بانتقال مركز القرار. ففي اجتماع حكومي، كشف أنه اقترح على لاريجاني رفع قيود الإنترنت لدعم التجارة الإلكترونية، في إشارة واضحة إلى أن القرار النهائي لم يعد بيده. وفي حادثة أخرى، حاول المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف التواصل مع وزير الخارجية عباس عراقجي، عقب تهديدات أميركية، فطلب الأخير موافقة الرئيس، الذي أحاله بدوره إلى لاريجاني للحصول على التفويض. تُظهر هذه التطورات أن إيران دخلت مرحلة «إدارة الطوارئ» غير المعلنة، حيث تُدار الدولة من قبل دائرة أمنية ضيقة تحسبًا لأسوأ السيناريوات. وفي قلب هذه الدائرة يقف علي لاريجاني — لا بوصفه مسؤولًا عاديًا، بل باعتباره رجل المرحلة الذي كُلِّف بمهمة واحدة: إبقاء النظام قائمًا… مهما كان الثمن.
مرةً جديدةً يَضرِبُ “الحدَفُ” كخبرٍ طريفٍ عن صيدا، فقد علمت “البوست” عن استخدام هذا النوع من الحلويات الذي تشتهر به المدينة في شهر رمضان تحديداً، كسلاحٍ استراتيجي على موائد السياسيين من خارجها. في هذا الإطار، ذكرت مصادر مطّلعة أنّ عددًا من الشخصيات السياسية والعاملين في الشأن العام يعمدون إلى شراء “الحدَف” من أحد محال الحلويات الشهيرة، المعروفة بطريقة تسويقها الغريبة لكمياتٍ محدودةٍ من هذه الحلوى التي تنفد قبل انتصاف النهار، لإهدائها إلى سياسيين كبادرةٍ تعكس التَّغنّي بعادات المدينة في شهر رمضان. وهكذا تتحوّل قطع الحلوى بالجوز إلى سلاحٍ سياسي لفتح الأبواب أمام الساعين إلى خوض غمار العمل السياسي وشؤون البلاد والعباد.