قبل ساعاتٍ فقط من إقفال ملفّ “الاختلاس” الذي شهدته بلدية صيدا مؤخرًا على صيغةٍ هادئة تُبقي الموضوع في إطار اللفلفة الإدارية الداخلية، أقدم جهازُ أمنِ الدولة على مداهمةٍ “سينمائية”، فاقتحم مؤسسةً عامةً بشكلٍ غير مسبوقٍ في الشكل والمضمون، ليخرج الملفّ من عِقاله عبر أخبارٍ وتسريباتٍ ومبالغاتٍ حوّلت المدّعين إلى متّهمين، وأساءت إلى سمعة المدينة وموقعها وصيتها. الأسئلةُ التي تتردّد اليوم بكثرةٍ في أروقة البلدية والمدينة، كما في أذهان الناس والأعضاء أنفسهم، من قام بذلك؟ وهل الموضوع مقصود، أم دعسةٌ ناقصةٌ غير محسوبة العواقب فاقمت الأمر، وقد تكون سببًا لفتح ملفاتٍ كثيرةٍ شابت العمل الإداري والمالي في البلدية منذ سنوات؟ في هذا الإطار، توقّفت مصادرُ صيداويةٌ متابعةٌ لـ”البوست” عند تركيز الاهتمام من قبل وسائل إعلامٍ من خارج المدينة، ولا سيّما إحدى محطّات التلفزة ذات الطابع الطائفي المُعيَّن، على ما حصل مؤخرًا، مستغرِبةً هذا الاهتمام المستجدّ بعاصمة الجنوب، الذي لا يتمظهر إلا في الجوانب السلبية للمواضيع، وكأنّ هناك أياديَ خفيّةً تُحرّك هذا الملفّ لمآرب قد تكون مناطقية وسياسية، ردًّا على موقفٍ اتّخذته البلدية مؤخرًا. وترى هذه المصادر أنّ زجَّ أسماء موظّفين وأعضاء بعينهم في تقارير إعلامية مبالغٍ فيها، إضافةً إلى زجّ اسم رئيس البلدية السابق في هذا الموضوع، على الرغم من أنّ التحقيقات خلصت إلى حصر الموضوع برمّته بموظّفةٍ واحدةٍ، وبمبلغٍ لا يتعدّى 10,000 دولار، هو محاولةٌ غير بريئة لضرب سمعة المدينة بأكملها، لا البلدية فحسب، تحت عناوين محقّة يُراد بها باطل.
في بلدٍ اعتاد مواطنوه قراءة الأخبار كأنها نكات سوداء، لم يعد مستغربًا أن يتحوّل أي حكمٍ قضائي إلى مادّة تهكّمٍ جماعي. المفارقة الأخيرة التي شغلت الشارع اللبناني لم تكن مجرّد ملفٍ قضائي، بل مرآةً فاقعةً لنظام عدالةٍ يبدو، في نظر كثيرين، كأنه يقيس الأفعال بميزانين مختلفين: واحدًا للمواقف السياسية، وآخر لما يُوصَف إعلاميًا بملفات المخدرات والسلاح غير الشرعي خروج شخصية مثل نوح زعيتر بعد مدّةٍ قصيرةٍ نسبيًا أثار دهشةً واسعة، ليس لأن القضاء لا يملك صلاحية إصدار أحكامه، بل لأن صورته في الوعي العام ارتبطت لسنواتٍ بقضايا ثقيلة. فجأةً، بدا الحكم كأنّه يهمس للبنانيين: لا تقلقوا كثيرًا… فبعض الملفات يمكن أن تصبح خفيفةً مثل بالون هواء إذا هبّت الرياح السياسية المناسبة. في المقابل، ما زالت أسماء مثل فضل شاكر حاضرةً في النقاش العام، حيث يرى مؤيدوه أن تصريحاتٍ ومواقفَ سياسية، من بينها الدعوة إلى حصر السلاح بيد الدولة، تحوّلت إلى تُهَمٍ ثقيلةٍ في مرحلةٍ سياسيةٍ مضطربة، بينما يؤكد خصومه أن الملف قضائيٌّ بحت.بين الروايتين، يقف المواطن متسائلًا بسخريةٍ مُرّة: هل المطلوب أن تحمل بندقيةً كي تحظى بالمرونة… أم أن تقول رأيًا لتدفع الثمن سنوات؟ عدالة “اللايت” لا يطلب اللبنانيون قضاءً ثوريًا ولا محاكم شعبية. يريدون فقط فهمًا بسيطًا لمنطق الأحكام. لكن ما يشاهدونه يشبه قائمة طعامٍ غريبة: أحكام “دايت” لملفاتٍ يراها الشارع خطيرة، وأحكام “سوبر سايز” لملفاتٍ مرتبطةٍ بالرأي أو الموقف السياسي.هذا التناقض يخلق انطباعًا قاتلًا بأن العدالة ليست ميزانًا، بل تطبيق توصيلٍ سريع؛ بعض الملفات تصل إلى نهايتها في وقتٍ قياسي، بينما أخرى تبقى “قيد التحضير” سنواتٍ طويلة، حتى يملّ أصحابها من الانتظار… أو من الحياة نفسها. المشكلة ليست في قاضٍ واحد ولا في حكمٍ منفرد، بل في منظومةٍ كاملةٍ تجعل العدالة تبدو شديدة الحساسية لتغيّرات الطقس السياسي دولة تخاف الكلمات أكثر من البنادق في أي دولةٍ تسعى لبناء احتكارٍ شرعيٍ للقوة، يُفترض أن يكون السلاح غير الشرعي خطًا أحمر. لكن في لبنان، يبدو المشهد أحيانًا معكوسًا: الدعوة إلى حصر السلاح بيد الدولة تتحوّل إلى مادة اشتباه، بينما يبقى السلاح الفعلي موضوع تفاوضٍ ومساوماتٍ وتسويات. هذا الواقع يطرح سؤالًا جارحًا: هل الدولة تخاف الكلمات أكثر من البنادق؟ وإذا كان الجواب نعم، فكيف يمكن إقناع المواطنين بأن القانون ليس مجرد أداةٍ سياسيةٍ تُستخدم ضد الضعفاء أو المختلفين؟ المشكلة ليست في قاضٍ واحد ولا في حكمٍ منفرد، بل في منظومةٍ كاملةٍ تجعل العدالة تبدو شديدة الحساسية لتغيّرات الطقس السياسي. في لبنان، لا تُقاس بعض الملفات بالنصوص القانونية فقط، بل بدرجة الحرارة السياسية المحيطة بها. وعندما يبرد الملف سياسيًا… قد يبرد معه الحكم أيضًا. النتيجة؟ مواطن يرى أن العدالة قد تكون شديدة الصرامة عندما يتعلق الأمر برأيٍ أو موقف، لكنها تصبح مرنةً بشكلٍ مفاجئ عندما تدخل حسابات النفوذ والوساطات. من مسرح العدالة… إلى مسرح العبث القضية ليست نوح زعيتر ولا فضل شاكر ولا أي اسمٍ آخر. القضية هي دولةٌ تريد أن تُقنع العالم بأنها دولة قانون، بينما يراها مواطنوها أحيانًا مسرحًا عبثيًا تُوزَّع فيه الأدوار وفق النص السياسي لا النص القانوني. اللبنانيون لا يحتاجون إلى إصلاحاتٍ تجميلية ولا إلى مؤتمرات مانحين جديدة. هم يحتاجون إلى شيءٍ بسيطٍ جدًا — وربما مستحيل في الظروف الحالية — عدالةٍ لا تضحكهم من شدّة التناقض. عدالةٍ لا تجعلهم يشعرون أن الموقف السياسي قد يكون أخطر من السلاح الفعلي، ولا تُقنعهم بأن القانون مجرد ورقة… تُقرأ بلهجاتٍ مختلفةٍ حسب اسم المتهم. لأن الدولة التي تتحوّل فيها الأحكام إلى مادةٍ للسخرية اليومية، لا تخسر فقط ثقة مواطنيها… بل تخسر أيضًا آخر ما تبقّى من هيبتها أمام العالم.
ليس السؤال اليوم ما الذي يجري في بلديّة صيدا، بل ما الذي يُراد لها أن تكونه. فبين ضجيج المداهمات، وتسريبات التحقيقات، والعروض الأمنيّة التي بدت أقرب إلى مشهدٍ استعراضيٍّ منها إلى إجراءٍ روتيني، وجدت المدينة نفسها فجأةً في قلب روايةٍ بوليسيّةٍ بنهايةٍ باهتة، لا تليق بمكانتها ولا بحجمها. في الظاهر، قد تبدو القضيّة مجرّد مخالفةٍ ماليّةٍ محدودة، لا يتجاوز سقفها 10 آلاف دولار. أمّا في العمق، فالمسألة تتجاوز الأرقام بكثير، لتطال صورة المؤسّسات وهيبتها، وحدود التوازن بين تطبيق القانون وتحويله إلى مشهد قوّة. فالمدن لا تُحرجها الأخطاء بقدر ما يُحرجها الإخراج. ليس ما حدث تفصيلًا إداريًا عابرًا يمكن احتواؤه ببيانٍ توضيحي، ولا هو حدثٌ بريءٌ تُفسّره صدف العمل العام. فحين تُداهم إدارةٌ عامّةٌ في وضح النهار بهذا القدر من الاستنفار، بسبب موظّفةٍ واحدةٍ وفارقٍ ماليٍّ محدود، يصبح السؤال مشروعًا: هل كان الهدف تصويب الخلل… أم صناعة المشهد؟ الأخطر أنّ هذا المشهد جاء في بلدٍ اعتاد مواطنوه رؤية ملفاتٍ أكبر بكثير تنام في الأدراج، وفسادٍ أفدح لا تُفتح له الأبواب الموصدة، ومرتكبين لا تُكسر عليهم الأقفال. عندها، لا يعود الشكل تفصيلًا؛ لأنّ العدالة، لكي تُقنع، لا يكفي أن تكون عادلة، بل يجب أن تبدو كذلك أيضًا. التحقيق، الذي انطلق قبل أشهر بطلبٍ من رئيس البلديّة نفسه، كان يفترض أن يسلك مساره الطبيعي بهدوء المؤسّسات. لكنّ “الاستفاقة المفاجئة” قبل ساعات من إغلاف الملف، على إيقاع المداهمة طرحت أكثر من علامة استفهام حول التوقيت والدوافع، خصوصًا أنّ تحويل ملفٍ إداريٍّ إلى حدثٍ أمنيٍّ صاخب لا يمرّ عادةً بلا رسائل. ليست المسألة مجرّد فسادٍ تتمّ محاربته، بل المسألة استخفافٌ تامٌّ بفريقٍ لم يُثبت حضوره والمكانة التي يحتلّها، يُضاف إليها “نسناتٌ” ولاديّةٌ رخيصة تُظهر بأنّ “دود الخلّ منّو وفيه”. ليست المقارنة هنا ترفًا. فمنذ أسابيع قليلة فقط، سمع اللبنانيّون بتوقيف مختار بلدة الهلاليّة وعددٍ من أعضاء مجلسها البلدي السابق بتهم فسادٍ ورشى تراكمت لسنوات. ومع ذلك، لم تُسجَّل مشاهد استنفارٍ مماثلة، ولم تتحوّل البلديّة هناك إلى مسرحٍ للسيّارات الداكنة والزجاج المظلّل. لماذا هنا إذًا؟ السؤال ليس دفاعًا عن خطأ، ولا تبريرًا لمخالفة، بل دفاعٌ عن معيارٍ واحد لا يتبدّل بتبدّل الجغرافيا أو الأحجام. فانتقائيّة المشهد تُضعف القانون أكثر ممّا تحميه، وتزرع في الوعي العامّ شكًّا لا تحتاجه أيّ دولةٍ تحترم مؤسّساتها. المشكلة، في جوهرها، ليست في شبهة فسادٍ يُفترض أن تُواجَه بلا تردّد، بل في هشاشة الهيبة التي تسمح بتحويل مدينةٍ بحجم صيدا إلى منصّة استعراض. فالهيبة لا تُداهم… الهيبة تُمارَس. وهي لا تُبنى بتحالفاتٍ ظرفيّةٍ ولا بصناديق اقتراعٍ مُروَّضة، بل بقدرة المؤسّسة على فرض احترامها قبل المطالبة به. حين تغيب هذه القدرة، تتكاثر محاولات “التمرجل”، ويصبح الكلام الحقّ مادّةً لرسائل يراد بها ما هو أبعد من الحقيقة نفسها. صيدا، التي قُدِّمت طويلًا بوصفها عاصمة الاعتدال وواجهة الجنوب، أكبر من أن تُختزل في حادثة، وأثقل وزنًا من أن تتحمّل عبء رسائل أمنيّة أو حساباتٍ سياسيّة عابرة. فالمدن الكبرى لا تُقاس بحجم الضوضاء التي تدور فيها، بل بقدرتها على حماية صورتها من الاهتزاز. ما جرى، لا يجب أن يُقرأ كواقعةٍ إداريّةٍ فحسب، بل كاختبارٍ دقيق لميزان السلطة: أين ينتهي تطبيق القانون، وأين يبدأ استعراضه؟ فحين يسبق المشهدُ المؤسّسة، ويعلو الضجيجُ على الحقيقة، يصبح الخلل أعمق من ملفٍّ أو موظّف، يصبح خللًا في طريقة إدارة الوزن العام. السؤال الذي سيبقى مفتوحًا، هل شهدت صيدا تطبيقًا صارمًا للقانون فعلًا… أم عرضَ قوّةٍ في المكان الخطأ؟ الأكثر لفتًا لم يكن ما جرى فحسب، بل الصمت الذي أعقبه. فلا بيانات صدرت عن نائب أو فاعليات وقوى سياسية واجتماعية وفكرية، ولا مواقف سُمعت، ولا اعتراضات كُسرت بها رتابة المشهد. كأنّ ما حدث مرّ بلا وزنٍ سياسي، أو كأنّ المدينة تُركت وحيدةً تفسّر لنفسها ما جرى فيها.