في السياسة، ليست الشجاعة في ارتفاع الصوت، ولا في استعراض القوة، بل في القدرة على رؤية الواقع كما هو، واتخاذ القرار الضروري حين يصبح التردد أكثر خطرًا من القرار نفسه. في لبنان، حيث تتقاطع الحسابات الداخلية مع التحولات الإقليمية، وحيث ينعكس كل موقف على توازنات دقيقة، تصبح القيادة مسؤولية مضاعفة: أن تحمي الدولة من كلفة الانقسام، وأن تُميّز بين ما يخدم اللحظة وما يحمي المستقبل. فالقرارات الكبرى لا تكون برفع الصوت، ولا برفع الإصبع، بل برفع الإحساس بالمسؤولية. رفع الصوت لا يعوّض غياب الرؤية، ورفع الإصبع في وجه الخصم لا يصنع دولة. القوة الحقيقية أن يعرف صاحب القرار كلفة ما يختار، وأن يقف أمام الناس مستعدًا لتحمّل نتائجه. القرار يبدأ قبل إعلانه القرار المصيري لا يُولد لحظة إعلانه. يسبقه فهم للواقع، وقراءة للتحولات، ومقارنة للخيارات، وبناء للثقة. في لبنان تحديدًا، لا يمكن فرض قرار كبير على مجتمع أنهكته الأزمات والانقسامات من دون أن يفهم الناس لماذا وصلنا إلى هذه النقطة، وما البدائل المتاحة، وما كلفة كل طريق. تهيئة الجمهور ليست صناعة تصفيق، إنها صناعة وعي. حين يشعر الناس أن القيادة تصارحهم ولا تستعملهم لتغطية قراراتها، يصبحون أكثر استعدادًا لتحمّل الخيارات الصعبة، حتى عندما تكون مؤلمة أو غير شعبية. skip render: ucaddon_material_block_quote القيادة لا تتبع المزاج بل تقود الوعي السياسي قد يختار ما يرضي جمهوره، أما القائد فيختار ما يراه ضروريًا لمصلحة بلده، ثم يتحمّل مسؤولية إقناع الناس به. الاستماع إلى الجمهور ضرورة، لكن تحويل المزاج العام إلى بوصلة وحيدة ليس قيادة. في بلد متنوع كلبنان، لا يمكن أن تقوم السياسة على منطق الغالب والمغلوب. المطلوب صلابة في المبادئ ومرونة في الوسائل، والبحث عن المخارج التي تحمي الدولة وتمنع الخلاف السياسي من التحول إلى انقسام وطني. قد يكون القرار الصحيح صعبًا في لحظته، وقد تكون كلفته السياسية مرتفعة، لكن المعيار ليس مقدار التصفيق عند الإعلان عنه، بل أثره على لبنان بعد أن تهدأ العاصفة. شجاعة ما بعد القرار القرار ليس لحظة إعلان، بل بداية مسؤولية. القائد الحقيقي لا يختبئ خلف قراره عندما تظهر نتائجه، ولا يتمسك بخطأ واضح حفاظًا على صورته. يراجع، ويصحح، ويتراجع عندما يصبح التراجع أكثر حكمة، ويتمسك عندما يكون التمسك ضروريًا. هنا تلتقي الشجاعة بالحكمة: أن تعرف متى تتقدم، ومتى تنتظر، ومتى تفاوض، ومتى تقول إن كلفة الاستمرار في الوضع القائم أصبحت أكبر من كلفة التغيير. لبنان لا يحتاج إلى مزيد من الضجيج السياسي، بل إلى شجاعة القرار وصدق المصارحة ففي النهاية، يجب أن يعود كل قرار لبناني إلى سؤال واحد: هل يقوّي الدولة أم يضعفها؟ هل يعيد الثقة بالمؤسسات أم يبددها؟ هل يفتح طريقًا للاستقرار أم يعمّق الانقسام؟ هل يحمي قدرة لبنان على النهوض أم يؤجل أزماته إلى مرحلة أكثر كلفة؟ لا يحتاج لبنان إلى مزيد من الضجيج السياسي، بل إلى قيادة تملك شجاعة القرار وحكمة التوقيت وصدق المصارحة. فالسياسي قد يسأل: كيف أربح هذه اللحظة؟ أما القائد فيسأل: ماذا سيبقى للبنان بعد أن تنتهي اللحظة؟ وهنا تبدأ القيادة الحقيقية: أن تمتلك شجاعة القرار، وبصيرة التوقيت، وحكمة الحساب، وصدق المصارحة، ثم تقف في مقدمة المسؤولية لا خلفها. لأن القوة ليست أن تقول: «أنا أقرر». القوة أن تستطيع أن تقول: «أنا أقرر، وأعرف لماذا، وأعرف الكلفة، وأنا مستعد لتحمّلها من أجل لبنان». في التجربة اللبنانية، يبرز سعد الحريري بوصفه نموذجًا لسياسة أدركت أن المسؤولية الوطنية لا تُقاس بارتفاع الخطاب، بل بقدرة القائد على قراءة اللحظة وتحمّل كلفتها. فقد اختار في محطات مفصلية أن ينظر إلى لبنان بوصفه مساحة للتسوية والحوار وحماية الاستقرار، لا ساحة لتسجيل الانتصارات على الخصوم. skip render: ucaddon_box_testimonial
وكأنّه لم يعد في بلدة الهلالية (شرق صيدا) من مخالفات إلا بضع شجرات وكمّ وردة، وكأنّ احتكار أحد المحظيّين للمولدات الخاصة، و«السيرك» في رخص البناء وغيرها من التجاوزات، باتت أمورًا ثانوية. فجأة، استفاق رئيس البلدية على أنّ هناك قطعة أرض يريد أن يحوّلها إلى قصر بلدي يليق به وبالمنظومة الحاكمة معه، فأراد استرجاع ما يعتبره حقًّا له. فبحسب معلومات «البوست»، فوجئ عدد من العائلات الصيداوية المعروفة والمقيمة في البلدة منذ سنوات، بينهم (أبو عمر الدندشلي، وأرملة الدكتور جودت الدادا، والسفير السابق عبد المولى الصلح)، بتلقّي كتب إنذار تتهمهم بمخالفة القوانين المرعية الإجراء، على خلفية إشغال أرض مشاع وزراعة عدد من الشتلات فيها. لكنّ اللافت، وفق متابعين للملف، ليس إصدار الإنذارات بحد ذاته، بل الانتقائية التي رافقته. إذ تتقاطع المعلومات عن أنّ أحد الأشخاص الذين يشغلون الأرض المذكورة أو يستفيدون منها لم يشمله الإنذار، في وقت تزامن استثناؤه لعدم توقيعه على العريضة التي سبق أن رُفعت ضد البلدية من قِبل عدد من الأهالي والأشخاص الذين طالتهم الإنذارات، علمًا أنّ الخلاف بين الأفرقاء لا يزال في مساره القانوني الذي لم يُحسم بعد.
تعكف منذ أشهر جهات متموّلة على البحث عن موقع استراتيجي ومميّز في مدينة صيدا، تمهيدًا لتشييد مستشفى جديد قد يشكّل واحدًا من أكبر المشاريع الطبية المستحدثة في المدينة. في الظاهر، قد يبدو الخبر سارًّا لصيدا وأهلها، استثمار جديد، مستشفى جديد، وفرص إضافية في قطاع صحي تحتاج إليه المدينة. لكن خلف هذه الصورة، تفاصيل تثير أسئلة مريبة أكثر مما تقدّم إجابات. بحسب مصادر «البوست»، تقف خلف «الواجهة» الاستثمارية والطبية للمشروع جهات ذات ارتباطات حزبية لا تنتمي إلى النسيج الطبيعي للمدينة، وهي غير مرحّب بها من قبل أغلبية أهلها. وفي حين لم يُحسم حتى الآن، بحسب مصادر عقارية، الموقع النهائي للمستشفى، يؤكد مطّلعون أنّ الجهة التي تقف خلف المشروع أبلغت من يعنيهم الأمر أنّها تفضّل إقامة الصرح الطبي المزمع تشييده على الأطراف الجنوبية للمدينة، ولا سيما في المنطقة الممتدة من “دوّار السراي” حتى “حسبة الخضار” ومحيطها. وبعد السقوط المدوّي لمستشفى حمود وانتقاله إلى يد جهات «وافدة» على المدينة، يخشى متابعون أن يكون المشهد مرشّحًا للتكرار، لكن بصورة أكثر وضوحًا وفجاجة هذه المرة. فالخشية ليست من بناء مستشفى جديد، بل من أن يتحوّل القطاع الصحي نفسه إلى بوابة جديدة لتوسيع النفوذ والإمساك تدريجيًا بمزيد من مفاصل المدينة الاقتصادية والخدماتية والحياتية، تمهيدا للأسوء. هنا لا يعود السؤال، هل تحتاج صيدا إلى مستشفى جديد؟ بالتأكيد تحتاج. بل مَن يقف خلف هذا المستشفى؟ ولماذا هذا الموقع تحديدًا؟ وهل نحن أمام فصل جديد من إعادة رسم خريطة النفوذ للإطباق على المدينة؟ في صيدا، يبدو أنّ «الغرباء» لا يكتفون بالدخول إلى المدينة، بل يتمدّدون ويتشعّبون وسط صمت ولا مبالاة واستسلام تام…