في الوقت الذي يواصل فيه بنيامين نتنياهو تسويق رواية الانتصار، تبدو الصورة مختلفة تمامًا داخل إسرائيل نفسها. فالمشهد الإعلامي والسياسي الإسرائيلي يشهد موجة غير مسبوقة من المراجعات والانتقادات، تجاوزت حدود المعارضة التقليدية لتشمل أصواتًا من مختلف الاتجاهات السياسية، تتحدث عن فشل استراتيجي عميق أصاب المشروع الذي قاده نتنياهو طوال سنوات حكمه. لم تعد المسألة خلافًا حول إدارة حرب أو أزمة عابرة، بل تحولت إلى نقاش وجودي حول مستقبل الدولة نفسها، وهويتها، وقدرتها على الاستمرار في ظل الحروب المفتوحة والاستنزاف المستمر. في صحيفة «هآرتس»، يلتقط الكاتب الإسرائيلي جدعون ليفي حالة الإحباط العامة داخل المجتمع الإسرائيلي، ساخرًا من خطاب الحداد الجماعي الذي اجتاح النخب السياسية والإعلامية، وكأن إسرائيل تواجه واحدة من أكبر أزماتها التاريخية. غير أن ليفي لا يكتفي بوصف الأزمة، بل يرى فيها فرصة نادرة لإعادة التفكير في المسار الذي قاد إسرائيل إلى هذا المأزق. فبحسب رؤيته، لا يمكن لدولة تعيش في حالة حرب دائمة أن تضمن أمنها أو استقرارها، ولا يمكن لمشروع الاحتلال أن يستمر إلى ما لا نهاية من دون أن يرتد على أصحابه. ومن هنا يدعو إلى مراجعة شاملة تشمل الانسحاب من الأراضي المحتلة، وإنهاء السياسات العسكرية المفتوحة، وإطلاق الأسرى الفلسطينيين، وحسم السؤال المؤجل منذ عقود: هل تريد إسرائيل دولتين، أم دولة ديمقراطية واحدة لجميع سكانها، أم الاستمرار في نظام فصل عنصري يقودها إلى عزلة وانتحار سياسي وأخلاقي؟ skip render: ucaddon_material_block_quote انهيار مشروع نتنياهو الاستراتيجي أما الكاتب أوري مسجاف، فيذهب أبعد من ذلك عندما يعلن أن نتنياهو يقترب من نهاية مسيرته السياسية. فالرجل الذي بنى مشروعه السياسي على فكرة «الخطر الإيراني» يجد نفسه اليوم أمام واقع مختلف. فبعد سنوات من التحريض والتصعيد ومحاولات حشد العالم ضد طهران، انتهى المسار إلى نتائج لا تتوافق مع الوعود التي قدّمها للإسرائيليين. ويصف مسجاف ما جرى بأنه فشل جيوسياسي مدوٍّ أصاب جوهر المشروع الذي حمله نتنياهو منذ عودته إلى السلطة، مؤكدًا أن الأزمة الحالية ليست أزمة حكومة فحسب، بل أزمة قيادة فقدت قدرتها على إقناع جمهورها بأن التضحيات المتواصلة تحقق أهدافًا حقيقية. الخوف من ما بعد نتنياهو المفارقة أن القلق داخل إسرائيل لم يعد مقتصرًا على بقاء نتنياهو في السلطة، بل بات يشمل أيضًا الطريقة التي قد يتصرف بها خلال ما تبقى من عمره السياسي. فمع تزايد الضغوط القضائية والسياسية والشعبية عليه، ترتفع التحذيرات من إمكانية لجوئه إلى مزيد من التصعيد العسكري أو الأمني للهروب إلى الأمام. وفي هذا السياق، يتحدث بعض المعلقين الإسرائيليين عن احتمال توسيع دائرة المواجهات في الضفة الغربية، أو إبقاء جبهتي غزة ولبنان مشتعلة، وربما البحث عن مواجهة جديدة تعيد إنتاج حالة الطوارئ التي طالما استفاد منها سياسيًا. إنها لحظة يختلط فيها مصير الدولة بمصير الزعيم، وتصبح القرارات الاستراتيجية رهينة الحسابات الشخصية أكثر من ارتباطها بالمصلحة الوطنية. إسرائيل وحيدة أمام تحولات المشهد الدولي الأكثر دلالة في النقاش الإسرائيلي الراهن هو الشعور المتزايد بأن إسرائيل لم تعد تحظى بالدعم المطلق الذي اعتادت عليه. ففي صحيفة «يديعوت أحرونوت»، تعكس الكاتبة أريئيلا رينغل هوفمان حالة القلق من التحولات التي طرأت على الموقف الأميركي، معتبرة أن المصالح الأميركية بدأت تفرض نفسها على حساب الرغبات الإسرائيلية. وتكشف هذه القراءة عن أزمة أعمق تتمثل في اهتزاز القناعة الإسرائيلية التقليدية بأن واشنطن ستبقى دائمًا مستعدة لخوض المعارك السياسية والعسكرية نيابة عنها أو من أجلها. إن الرسالة التي يقرأها كثيرون في إسرائيل اليوم واضحة: الولايات المتحدة تدير مصالحها أولًا، وعندما تتعارض هذه المصالح مع حسابات تل أبيب، فإن الأولوية ستكون للمصلحة الأميركية لا للرغبة الإسرائيلية. ماذا تعني هذه المراجعات للفلسطينيين؟ لا ينبغي للفلسطينيين والعرب أن ينظروا إلى هذه الأصوات باعتبارها إعلانًا لانهيار إسرائيل أو نهاية الصراع، لكنها تكشف عن حقيقة مهمة لطالما حاولت المؤسسة الإسرائيلية إخفاءها: القوة العسكرية وحدها لا تصنع استقرارًا دائمًا، والتفوق التكنولوجي لا يلغي الحقائق السياسية والتاريخية. فبعد عقود من الاحتلال والحروب والحصار، يعود السؤال الفلسطيني ليحتل مركز النقاش داخل إسرائيل نفسها. وليس مصادفة أن تتزايد الأصوات التي تتحدث عن استحالة إدارة الصراع إلى الأبد، وعن الحاجة إلى حل سياسي جذري يعالج أصل المشكلة لا نتائجها فقط. لحظة مفصلية ما يجري داخل إسرائيل اليوم ليس مجرد سجال إعلامي عابر، بل مؤشر على مرحلة جديدة تتعرض فيها المسلّمات القديمة للاهتزاز. فالمشروع الذي قام على فرض الوقائع بالقوة يواجه أسئلة لم يعد بالإمكان تجاهلها، والقيادة التي وعدت بالأمن تجد نفسها أمام مجتمع أكثر قلقًا وأقل ثقة بالمستقبل. وفي خضم هذه التحولات، تبدو القضية الفلسطينية أكثر حضورًا مما أراد كثيرون الاعتقاد. فكل محاولات تجاوزها أو تهميشها أو الالتفاف عليها انتهت إلى النتيجة نفسها: لا استقرار حقيقيًا في المنطقة من دون معالجة عادلة لجوهر الصراع، ولا أمن دائمًا لدولة تقوم على إنكار حقوق شعب آخر skip render: ucaddon_box_testimonial
على امتداد أكثر من قرن، بدا وكأن العلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة وإسرائيل تستند إلى ما هو أعمق من المصالح الاستراتيجية والتحالفات العسكرية التقليدية. فخلف موازنات الدفاع وصفقات السلاح وقرارات الكونغرس، كانت هناك عقيدة فكرية ودينية تشكّل الوعي السياسي لملايين الأميركيين، وتمنح إسرائيل مكانة استثنائية لا تحظى بها أي دولة أخرى في العالم. هذه العقيدة هي الصهيونية المسيحية. لسنوات طويلة، جرى تقديمها باعتبارها تعبيرًا طبيعيًا عن الإيمان المسيحي، بينما كانت في حقيقتها نتاجًا لتطورات فكرية وسياسية حديثة نسبيًا، لم تكن معروفة لدى المسيحيين الأوائل ولا لدى غالبية الكنائس التاريخية في أوروبا والشرق. واليوم، وبعد حرب غزة وما رافقها من مشاهد غير مسبوقة للدمار والقتل الجماعي، تبدو هذه العقيدة أمام اختبار تاريخي قد يكون الأخطر منذ نشأتها. النبوءة مشروع جيوسياسي المفارقة الكبرى أن إقامة دولة يهودية لم تكن مرتبطة منذ البداية بفلسطين وحدها. ففي العقود الأولى للحركة الصهيونية، طُرحت بدائل متعددة تراوحت بين أفريقيا وأميركا الشمالية ومناطق أخرى من العالم. لكن فلسطين كانت تمتلك ميزة لم تكن متوافرة في أي مكان آخر: قدرتها على استثارة المخيال الديني الغربي. هنا التقت الصهيونية السياسية مع تيار لاهوتي نشأ في القرن التاسع عشر على يد الواعظ الأيرلندي جون نيلسون داربي، الذي أعاد تفسير التاريخ الديني باعتباره سلسلة من “التدابير الإلهية” التي تنتهي بعودة اليهود إلى أرض فلسطين وقيام دولة لهم، تمهيدًا لأحداث آخر الزمان. لم تكن هذه الأفكار في البداية سوى اجتهادات هامشية داخل العالم البروتستانتي، لكنها سرعان ما وجدت طريقها إلى الولايات المتحدة، حيث تحولت من أطروحات لاهوتية إلى ثقافة شعبية واسعة الانتشار عبر الكنائس الإنجيلية ووسائل الإعلام الدينية والمدارس التبشيرية. مع مطلع القرن العشرين، بدأت الحدود الفاصلة بين التفسير الديني والموقف السياسي تتلاشى تدريجيًا. لم يعد دعم إسرائيل خيارًا سياسيًا قابلًا للنقاش، بل أصبح لدى ملايين الأميركيين واجبًا دينيًا يرتبط بطاعة الله وتحقيق النبوءات. skip render: ucaddon_material_block_quote الكنيسة تحكم واشنطن لطالما قدّمت الإدارات الأميركية المتعاقبة دعمها لإسرائيل باعتباره جزءًا من المصالح القومية الأميركية. لكن الواقع السياسي يكشف أن هذا التفسير يبقى ناقصًا. فلا يمكن فهم حجم التأييد الأميركي لإسرائيل من دون فهم القوة الانتخابية الهائلة للتيار الإنجيلي المحافظ، الذي يشكّل إحدى أهم قواعد الحزب الجمهوري. في هذا السياق، لم تعد إسرائيل مجرد حليف استراتيجي في الشرق الأوسط، بل تحولت إلى رمز ديني وثقافي داخل الصراع الأميركي الداخلي نفسه. ولهذا السبب، غالبًا ما تبدو بعض المواقف الأميركية تجاه إسرائيل منفصلة عن المعايير التي تطبقها واشنطن على بقية دول العالم. إنها حالة فريدة يصبح فيها النقاش حول السياسة الخارجية مرتبطًا بتفسيرات دينية أكثر من ارتباطه بحسابات الجغرافيا السياسية. حرب غزة وكسر المحرّمات لكن كل العقائد السياسية تواجه لحظة اختبار. وجاءت غزة لتكون هذا الاختبار. فمشاهد الأطفال تحت الأنقاض، والمستشفيات المدمّرة، والمجاعات الجماعية، والدمار الشامل الذي شاهده العالم مباشرة عبر الهواتف الذكية، أحدثت شرخًا متزايدًا داخل البيئة المسيحية الغربية نفسها. بدأت أسئلة جديدة تظهر داخل الكنائس المحافظة ووسائل الإعلام اليمينية: هل يعني دعم إسرائيل تبرير كل ما تقوم به حكوماتها؟ هل يمكن أن تتحول النبوءة إلى غطاء أخلاقي للحروب؟ وأين يقف الضمير المسيحي عندما تتعارض الرواية السياسية مع المعاناة الإنسانية المشهودة؟ هذه الأسئلة لم تعد تصدر فقط عن اليسار الأميركي أو عن الحركات المؤيدة لفلسطين، بل بدأت تصدر من شخصيات محافظة كانت تاريخيًا جزءًا من البيئة الفكرية نفسها التي دعمت إسرائيل لعقود. جيل جديد من المحافظين التحول الأكثر إثارة يتمثل في ظهور تيار محافظ جديد لا ينظر إلى إسرائيل من منظور النبوءة الدينية بقدر ما ينظر إليها من زاوية المصلحة القومية الأميركية. داخل حركة “أميركا أولًا” المرتبطة بالرئيس دونالد ترامب، برزت أصوات تتساءل عن جدوى استمرار انخراط الولايات المتحدة في صراعات الشرق الأوسط بالوتيرة نفسها. هذا التيار لا يتبنى بالضرورة موقفًا مؤيدًا للفلسطينيين، لكنه يعيد فتح ملفات كانت مغلقة لعقود، ويتعامل مع إسرائيل باعتبارها دولة تخضع للمراجعة السياسية مثل أي دولة أخرى. من هنا تأتي أهمية النقاشات التي بدأت تظهر داخل الإعلام المحافظ الأميركي، لأنها تعكس تحولًا أعمق من مجرد خلاف حول حرب أو حكومة. إنها تعكس صراعًا على تعريف العلاقة نفسها بين المسيحية والسياسة الخارجية الأميركية. واشنطن وإسرائيل… التحالف الذي صنعته النبوءة وتهدده غزة سؤال الحضارة الغربية في جوهره، لا يتعلق الجدل الدائر اليوم بإسرائيل وحدها. السؤال الحقيقي هو: من يحدد أولويات الغرب المعاصر؟ هل هي المصالح القومية؟ أم القانون الدولي؟ أم الاعتبارات الأخلاقية والإنسانية؟ أم تفسيرات دينية نشأت في ظروف تاريخية محددة، ثم تحولت إلى عقائد سياسية فوق المساءلة؟ لقد نجحت الصهيونية المسيحية طوال عقود في تقديم نفسها باعتبارها جزءًا من الإيمان المسيحي ذاته. غير أن النقاش الدائر اليوم يكشف أن عددًا متزايدًا من المفكرين ورجال الدين والسياسيين باتوا يميزون بين المسيحية بوصفها رسالة روحية عالمية، وبين الصهيونية المسيحية بوصفها مشروعًا سياسيًا حديثًا. نهاية اليقين قد يكون من المبكر الحديث عن أفول الصهيونية المسيحية أو انهيار نفوذها داخل الولايات المتحدة. فما زالت تمتلك مؤسسات ضخمة وشبكات إعلامية واسعة وتأثيرًا انتخابيًا هائلًا. لكن المؤكد أن ما كان يبدو قبل سنوات قليلة حقيقة غير قابلة للنقاش، أصبح اليوم موضوعًا للنقد والمراجعة. لقد فتحت غزة نافذة لم تكن موجودة من قبل. نافذة تطل على أسئلة مؤجلة منذ أكثر من قرن: كيف تحولت قراءة دينية محددة إلى عقيدة سياسية تتحكم بجزء من القرار الأميركي؟ وكيف استطاعت أن تجعل دعم دولة أجنبية جزءًا من الهوية الثقافية والدينية لملايين المواطنين الأميركيين؟ وربما يكون السؤال الأكثر أهمية هو ما إذا كانت المأساة الفلسطينية المستمرة ستنجح أخيرًا في تفكيك هذه المعادلة، أم أن الصهيونية المسيحية ستجد طريقًا جديدًا لإعادة إنتاج نفسها بصيغ أكثر حداثة داخل السياسة الأميركية. skip render: ucaddon_box_testimonial
لا مكان لأمثالنا في هذا الزمن. ربما لا بأس برحلة قصيرة إلى الفضاء، لا هرباً من الأرض، بل بحثاً عن مسافةٍ ننظر منها إلى هذا العالم من بعيد، علّنا نفهم كيف وصل إلى كل هذا العبث والسخف والغباء. تخيّل أنك تجلس في مسبارٍ يدور حول الكوكب، تنظر من نافذة ضيّقة إلى الأرض، ماذا كنت سترى؟ كنت سترى عالماً لا تحكمه القيم التي يكثر الحديث عنها، ولا المؤسسات التي تملأ الشاشات ببياناتها، ولا مراكز الدراسات التي ترسم الخرائط وتنتج المصطلحات. كنت سترى شيئاً أبسط وأكثر فجاجة: مزاج رجل، وحقد مشروع، وعجز أمة، واحتلال يعرف كيف يستثمر في كل ذلك. أميركا من هناك، من علوٍّ بارد، ستبدو أميركا أقل شبهاً بالإمبراطورية العاقلة التي روّجت لنفسها طويلاً، وأكثر شبهاً بدولة عظمى يقودها رجل يخلط بين السياسة والاستعراض. كل ذلك الكلام عن المؤسسات العميقة، والتقاليد الديمقراطية، ومراكز التفكير، وغرف العمليات، والعقول التي تحسب دبيب النملة السوداء على الصخرة الصمّاء في الليلة الظلماء، يتهاوى فجأة أمام رجل اسمه دونالد ترامب. يغفو على موقف ويصحو على نقيضه. يهدد في الصباح، يفاوض في المساء، ثم يخرج ليبيع العالم رواية انتصارٍ لا يصدّقها حتى من صاغها له. ليست المشكلة في ترامب وحده، بل في النظام الذي سمح لرجلٍ بهذه الخفّة أن يتحكّم بمصائر دول وأسواق وشعوب. هنا تسقط الأسطورة الأميركية من داخلها. لا تعود أميركا تلك القوة التي لا تُهزم، بل قوة ضخمة مرتبكة، تملك كل أدوات البطش، لكنها لا تملك دائماً حكمة استخدامها. لقد أرادت واشنطن أن تبدو كمن يفرض شروطه على العالم، فإذا بها تكشف أن القوة، حين تُدار بالغرور، تصبح نوعاً آخر من الضعف. إيران على الضفة الأخرى، لا تبدو إيران بريئة ولا مظلومة كما تحب أن تقدّم نفسها. هي ليست مجرد دولة محاصرة تدافع عن سيادتها، بل مشروع عقائدي سياسي طويل النفس، يتقن استخدام المظلومية، ويحوّل التاريخ إلى وقود دائم للنفوذ وتغذية الكراهية. في الخطاب الإيراني كثير من الدين، وكثير من الثورة، وكثير من الشعارات عن المستضعفين. لكن خلف كل ذلك، تقف دولة تعرف جيداً كيف تفاوض، كيف تصبر، كيف تستثمر في الفوضى، وكيف تجعل من جراح الآخرين أوراقاً في يدها. إيران لا تقاتل وحدها، هي تحسن اختيار ساحات الآخرين. وحين يغيب العرب، أو يترددون، أو ينشغلون بزجاج أبراجهم ومواسمهم السياحية، تملأ الفراغ. فالذئاب لا تحتاج إلى دعوة حين تكون الحظائر مفتوحة. العرب ثم تشيح بوجهك قليلاً، فترى العرب. ترى أمة تملك المال، والجغرافيا، والطاقة، والممرات، والتاريخ، واللغة، والمقدسات، لكنها تتصرف غالباً كمن لا يملك قراره. تراهم وقد أضاءوا ليل الصحراء بمدن مذهلة، وشيّدوا أبراجاً تناطح السحاب، وبنوا عواصم ذكية، وفتحوا أبواب الترفيه والتسوّق… لا عيب في العمران، ولا في الفرح، ولا في الحداثة. العيب أن يصبح كل ذلك ستاراً ناعماً فوق هشاشة سياسية وعسكرية ودينية لا يمكن إخفاؤها. مئات المليارات صُرفت على صفقات السلاح. طائرات، ومنظومات، وقواعد، وتحالفات، واستعراضات عسكرية. ثم تأتي لحظة الحقيقة، فإذا بأبرز ما يراه المواطن هو تطبيق إنذار على هاتفه يطلب منه التوجّه إلى مكان آمن، احتماءً من صاروخ أو مسيّرة رخيصة أطلقتها قوة تعرف كيف تستثمر في خوفه أكثر مما تستثمر دولته في حمايته. المشكلة ليست في العرب، فالشعوب تُرهق وتُخذل وتُدفع إلى اليأس. المشكلة في أنظمة كثيرة أتقنت إدارة الرفاه أكثر مما أتقنت إدارة السيادة، وأجادت شراء السلاح أكثر مما أجادت استخدامه، ورفعت شعارات القوة فيما كانت عاجزة عن حماية سمائها وقرارها وكرامتها. هنا يصبح الوهن أخطر من الهزيمة. فالهزيمة قد تكون عابرة، أما الوهن حين يتحول إلى نمط حكم وثقافة انتظار، فإنه يصير قدراً محتوماً من الصعب كسره. إسرائيل أما هناك، في تلك الأرض المغتصبة، فتكمن الحكاية في أصلها وخواتيمها. إسرائيل لا تحتاج إلى أن تكون الأقوى دائماً. يكفيها أن يكون الآخرون متفرقين. لا تحتاج إلى أن تنتصر وحدها، ما دام خصومها يقدّمون لها الهدايا تباعاً: أميركا مرتبكة، إيران توسّع نفوذها بما يخدم سردية الخطر، والعرب عاجزون عن بناء موقف واحد متماسك. هناك تُصنع السياسات ببرودة لا تشبه صخب المنطقة. تُدار الحروب كملفات، وتُرتّب الأولويات على قاعدة المصلحة العارية، وتُستثمر كل فجوة عربية، وكل تهوّر إيراني، وكل مزاج أميركي، لصناعة واقع جديد على الأرض. إسرائيل أصل الجرح، لكنها ليست وحدها سبب النزيف. فالجرح يكبر حين يجد جسداً ضعيف المناعة، وبيئة سياسية عاجزة عن المواجهة، ونظاماً عربياً يكثر من البيانات ويقلّ فيه الفعل. عالم لا يُطاق من نافذة ذلك المسبار، سيبدو العالم أكثر وضوحاً، وربما أكثر قسوة. لا أسف على عالمٍ كهذا. عالمٌ تتقدّم فيه الغريزة على الحكمة، والثأر على الدولة، والاستعراض على السيادة، والاحتلال على العدالة. لكن الأسف الحقيقي ليس على العالم. الأسف علينا، نحن الذين نرى كل شيء، ونفهم كثيراً مما يجري، ثم نعود كل مرة إلى الأرض نفسها، وإلى العجز نفسه، وإلى انتظار معجزة لا تأتي. فالفضاء يمنحك المسافة، لكنه لا يمنحك الخلاص. الخلاص يبدأ حين تكفّ الأمم عن تبرير ضعفها، وحين تدرك أن من لا يملك قراره، سيبقى دائماً مجرد تفصيل صغير في خرائط الآخرين.