ما إن تناهى إلى مسامع جهاتٍ حزبيةٍ معروفة تحضيرُ سكان حيّ البرغوث في صيدا لتوقيع عريضةٍ ترفض إعادة بناء “مجمع الزهراء”، وتقديمها إلى وزير الداخلية ونواب المدينة وقواها السياسية والاجتماعية قاطبةً، لمنع إعادة إعمار المجمع بالشكل الذي كان عليه، حتى رصدت مصادر أهلية متابعة إطلاقَ حملةِ تحشيدٍ طائفيةٍ وشعبويةٍ لشدّ العصب المذهبي، وجمع التبرعات بسرعة بهدف البدء بإطلاق ورشة إعمار المجمع دون انتظار أحد. وفي هذا الإطار، تداول ناشطون مقاطعَ صوتيةً لشخصياتٍ معروفةٍ ومجهولة، إضافةً إلى بياناتٍ وُزّعت على نطاقٍ واسع على مجموعات واتساب، تدعو إلى تحفيز تقديم التبرعات لبناء المجمع، وتهاجم وتخوّن وتشتم كلَّ من قد يعترض هذه الخطوة من أهالي صيدا الأصليين الرافضين لها. أسلوبٌ قديمٌ مكشوف، بات مدعاةً للسخرية أكثر ممّا يستدعي الاستفزاز، وهو اتهام كلّ معارضٍ بالعمالة والصهيونية والإمبريالية العالمية، وصولًا إلى حدّ القذف بالنجاسة. قد يسكت أغلب سياسيّي صيدا وقواها عن القيام بأيّ تحرّكٍ حيال هذا الأمر، لأسبابٍ عديدةٍ تتوزّع بين الخوف والانبطاح والسذاجة والغفلة، لكن الأكيد أنّ جلّهم، كما أكثرية الصيداويين، يعلمون جيّدًا في داخلهم أنّ “مجمع الزهراء” لم يكن يومًا دارَ عبادةٍ فحسب، فالكثير من أهل المدينة الذين لا يزالون أحياءً يروون الكثير من الأحداث التي جرت معهم في أقبِيته وبين غرفه المظلمة. لو كان هذا الأمر في قريةٍ مسيحيةٍ في أعالي جرود جبيل، لكان الكلام مختلفًا، لكن في صيدا، حيث لا أحد يجرؤ على قول الحقّ والحقيقة، ستسلك القضية منحًى مختلفًا، لكنه لن يختلف عمّا تشهده المدينة منذ سنين من تغييرٍ في الهوية والديموغرافيا، لا يُتطرّق إليه إلا في البيوت وعلى كراسي المقاهي.
خلال العدوان الأخير، لم تكتفِ إسرائيل باستهداف مواقع عسكرية في جنوب لبنان، بل وسّعت ضرباتها لتشمل الجسور والمعابر الحيوية، في ما بدا سياسةً ممنهجة لعزل الجنوب وقطع شرايين الحركة والإمداد. في 16 نيسان/أبريل 2026 دمرت إسرائيل آخر جسر يربط جنوب لبنان ببقية البلاد، فيما تحدثت تقارير أخرى عن تدمير عدة جسور فوق الليطاني خلال الأسابيع الماضية. ولم يقتصر أثر هذه الضربات على الجانب العسكري، بل امتدّ إلى حياة المدنيين وحركة التنقّل والعودة، ما جعل البنية التحتية نفسها جزءًا مباشرًا من بنك الأهداف في الحرب.
لكلّ هذا، وأكثر، نرفضكم.لأنكم لا تشبهون معنى الدولة، ولا منطق الحياة المشتركة، ولا قيم العيش الإنساني.لأنكم أينما دخلتم خرّبتم، وأينما حضرتم زرعتم الفوضى والانقسام..لأنكم تعتاشون على السفسطة والفوضى، ولا مكان في مشروعكم لأيّ حياةٍ إنسانيةٍ متحضّرة.لأنكم تهدرون الدماء، وتصنّفون الناس، وتحتفلون بما تزعمون أنّكم تعادونه.شعب مفصوم…