شهدت بيروت، عصر اليوم، يوماً تاريخياً لم تعرفه بهذا الحجم والشكل من قبل تمثل في حركة نزوح كثيفة عقب التهديد الإسرائيلي الذي دعا سكان عدد من المناطق لا سيما الضاحية الجنوبية لبيروت إلى الإخلاء الفوري. وبدت الطرقات المؤدية إلى بيروت الكبرى وجبل لبنان مكتظة بالسيارات، في مشهد أعاد إلى الأذهان صور النزوح التي رافقت جولات التصعيد السابقة. وأفاد شهود عيان بأن العائلات سارعت إلى مغادرة منازلها باتجاه مناطق أكثر أماناً لدى أقارب لاسيما في بيروت ومناطق أخرى قريبة، فيما شهدت محطات الوقود والمتاجر ازدحاماً ملحوظاً مع تزايد المخاوف من اتساع رقعة المواجهة. في المقابل، عملت فرق الدفاع المدني وبعض الجمعيات الأهلية على مساعدة العائلات، لا سيما كبار السن والأطفال، في عملية المغادرة، وسط حالة من القلق والترقب تسود المنطقة بانتظار ما ستؤول إليه التطورات الميدانية خلال الساعات المقبلة.
لم يكن مقتل علي خامنئي حدثًا إيرانيًا صرفًا يمكن احتواؤه ضمن جغرافيا الدولة وحدودها، بل زلزالًا في البنية الرمزية والسياسية لمحورٍ كاملٍ امتدّ من طهران إلى ضفاف المتوسط في بيروت، حيث يتجسّد هذا المحور بأوضح صوره عبر حزب الله، بدا الغياب أكثر من فراغٍ قيادي؛ بدا كأنه اختبارٌ قاسٍ لفكرة الاستمرارية نفسها: هل يستطيع التنظيم الذي بنى شرعيته على الولاء العقائدي للمرشد أن يتصرّف كفاعلٍ وطنيٍّ باردِ الحسابات، أم أنه محكومٌ بمنطق الثأر الرمزي الذي لا يقبل الصمت؟ معنى القتال في الأيام التي تلت الصدمة، انشغلت المنطقة بقراءة صمت الضاحية الجنوبية كما تُقرأ خرائط الزلازل: ليس ما يظهر هو الأهم، بل ما يُحتمل أن ينكسر تحت السطح. ذلك أن المساس برأس الهرم في العقيدة السياسية للحزب لا يوازي اغتيال قائدٍ عسكريٍّ أو استهداف بنيةٍ ميدانية؛ إنه مساسٌ بالمرجعية التي تمنح المعنى للقتال نفسه.ومع ذلك، لم يتدفّق الردّ كالسيل. بدا الحزب، على غير ما اعتادت عليه صورته، كمن يقف على حافة قرارٍ تاريخي، يزن فيه بين حدّين قاتلين: تآكل الردع إن سكت، وانفلات الحرب إن تكلّم بالنار. في زمن ما بعد المرشد، لم يعد الخطر قرارَ الحرب، بل سهولةَ الوصول إليها؛ بين شرارةٍ موضعية وانفجارٍ شامل يقف لبنان معلّقًا على حافة الردع المتكسّر على الحدود الجنوبية، حيث تُختبر عادةً نيات الأطراف قبل أن تُعلَن، يتكثّف الاحتمال الأكثر واقعية: حادثٌ أمنيٌّ محدود، بجهةٍ معلومة أو مبهمة، يُنتج الشرارة اللازمة لإعادة تثبيت المعادلات من دون إعلان حرب.هذا النمط، الذي يجمع بين الإنكار الممكن والتصعيد القابل للضبط، يمنح الحزب فرصة الردّ على المسّ الرمزي الذي أصابه، ويمنح إسرائيل هامش المبادرة التدريجية التي تتجنّب المجازفة الشاملة. في هذا الفضاء الرمادي، لا أحد يعترف بأنه بدأ، ولا أحد يستطيع التراجع من دون أن يخسر صورة الردع.ومع ذلك، فإن القراءة الأكثر قلقًا لا تكمن في نية أي طرفٍ للحرب، بل في قابلية المسار نفسه للانزلاق. إذ يكفي، في لحظات ما بعد الاغتيال الكبير، أن تُقرأ إشارةٌ استخبارية على أنها تعبئة، أو حركةٌ لوجستية على أنها استعدادٌ للهجوم، حتى تتقدّم الضربة الاستباقية خطوةً إلى الأمام. نافذة نادرة إسرائيل، التي ترى في ارتباك المركز الإيراني نافذةً نادرة لتقليص التهديد البنيوي الذي يمثّله الحزب، قد تجد في أي مؤشرٍ غير اعتيادي مبرّرًا لعملٍ أوسع من المعتاد. عندها يصبح الردّ من الطرف المقابل مسألة بقاءٍ لا خيارًا، ويغدو التصعيد التراكمي قدرًا لا قرارًا.ومع أن القدرة الصاروخية للحزب ما زالت كافية لإحداث أثرٍ ميدانيٍّ كبير إن اختار الضربة الواسعة، فإن حسابات الداخل اللبناني تكبح هذا الخيار. بلدٌ على حافة الانهيار الشامل لا يحتمل حربًا كلية، وتنظيمٌ يرى نفسه حاميًا لبيئته لا يستطيع تجاهل كلفة الدمار عليها. لذلك يبدو أن المسار الأرجح هو استمرار «حرب الظل» بوتيرةٍ أعلى: اغتيالاتٌ مركّزة، وردودٌ محسوبة، وحوادثُ حدودية تتدحرج ثم تُضبط عند العتبة. غير أن هذا التوازن، الذي يبدو للوهلة الأولى عقلانيًا، يخفي هشاشته؛ فكل جولةٍ تُبقي الشرعية المعنوية على قيد الحياة، لكنها تستنزف الواقع المادي للدولة اللبنانية التي لا تملك رفاهية هذا الصراع الطويل. في المعنى الأعمق، يقف لبنان اليوم عند مفترقٍ بين رمزية الثأر وواقعية البقاء. غياب خامنئي لا يفرض على الحزب الردّ فحسب؛ بل يفرض عليه أيضًا إعادة تعريف علاقته بنفسه: أهو ذراعُ محورٍ يُفترض أن يبرهن استمراريته بالنار، أم فاعلٌ لبنانيٌّ مضطرٌّ إلى مراعاة حدود الدولة التي يعيش فيها؟ ما لم يُحسم هذا السؤال، سيبقى الجنوب مسرحًا لاحتمالاتٍ صغيرةٍ قابلةٍ لأن تكبر، وسيبقى لبنان كلّه معلّقًا بين شرارةٍ موضعية وانفجارٍ شامل. في زمن ما بعد المرشد، لم يعد الخطر قرارَ الحرب، بل سهولةَ الوصول إليها.
لم يعد محمد السعودي مجرّد رئيس بلدية سابق لصيدا، ككثيرين غيره ممن مرّوا على هذا المنصب. تحوّل الرجل، بخصاله الشخصية وحضوره الاجتماعي والتنموي، إلى لاعبٍ صامتٍ حاضرٍ في المشهد العام، يسعى مع مرور السنين إلى ترسيخ أثرٍ إيجابي في المدينة وفقاً لقناعاته ومفاهيمه الخاصة في الأشهر الماضية، خرج إلى العلن احتدام الخلاف بين السعودي والنائب أسامة سعد على خلفية الإخبار الذي تقدّم به سعد بحقّ معمل معالجة النفايات في صيدا خلال فترة رئاسة السعودي للبلدية، وهو ما اعتبره الأخير استهدافًا مباشرًا لشخصه بصيغةٍ ملتوية. اليوم، ومع تصاعد الحديث عن احتمال قيام تحالف انتخابي بين النائب السابق بهية الحريري وسعد ضمن لائحة واحدة تضم شخصيات وازنة، بما يشبه «ميني محدلة» في مواجهة الخصوم، يبرز اسم السعودي مجددًا كعاملٍ قد يُعقّد هذا المسار أو يحدّ منه. السعودي، في أحاديثه الخاصة والعلنية، لا يخفي رفضه لهذا التحالف. فهو يؤكد استعداده لدعم بهية الحريري إذا قرّرت خوض الانتخابات بوضوح، لكنه في المقابل لا يرى في التحالف مع سعد خيارًا مقبولًا أو منطقيًا بعد سنوات طويلة من الخصومة السياسية والمواجهة المباشرة بين الطرفين، معتبراً أن سعد لا يجيد إلا الاعتراض دون أن يقدم شيء ملموس أو فعلي لصيدا وأهلها. في صيدا، التحالفات لا تُبنى على البرامج… بل على قدرة كل طرفٍ على ابتلاع ذاكرةٍ مليئة بالخصومات هذا الواقع يفتح الباب أمام تساؤلات صيداوية متزايدة حول جدوى التحالف إن تمّ: هل يشكّل فرصةً لتعزيز الحضور السياسي للمدينة، أم إعادة إنتاج لتفاهم ظرفي لا يصمد طويلًا أمام تناقضات الماضي؟ خيارات محدودة تشير مصادر سياسية متابعة لجريدة “البوست” إلى أن بهية الحريري، وبمباركة نجلها أحمد، تميل إلى خيار التحالف مع سعد، معتبرةً أنه يملك حيثية شعبية لا يُستهان بها، وقد أسهمت في الدورة السابقة في وصوله إلى المجلس النيابي. في المقابل، تبدو خيارات سعد محدودة نسبيًا. فخسارته جزءًا من الرافعة التقليدية للصوت الشيعي في صيدا، نتيجة مواقفه الأخيرة من حزب الله، إلى جانب تعذّر التحالف مع «القوات اللبنانية» في جزين، يضيقان هامش المناورة أمامه، فلا يبقى عمليًا سوى خيار التقاطع مع النائب إبراهيم عازار أو التيار الوطني الحر. وتشير المعلومات إلى حصول تواصل انتخابي فعلي مع ممثلين عن “التيار”، وُصف حتى الآن بأنه «إيجابي». فهل يقدم سعد على تجاوز هذه العقدة بفض الاشتباك مع السعودي، لنيل الرضى الحريري؟ أمر يستبعده العارفون بشخصية “الدكتور”، لكنه يبقى متاحا، لا مستحيلا.. غير أن مسار التحالف لا يحظى بإجماع داخل “البيئة الناصرية” نفسها، إذ لا يبدو بعض صقور «الحرس القديم» مستسيغًا لتحالف مع خصمٍ طالما وُجّهت إليه انتقادات حادة في خطاب التنظيم، من «الحريرية السياسية» وفسادها إلى اتهامات «الدولة العميقة» بالهيمنة على مفاصل القرار المحلي. أما في حسابات الحريري، فيُنظر إلى التحالف المحتمل من زاوية مختلفة: شريك معروف يمكن تقدير حجمه السياسي ونقاط ضعفة وقوته، بدل من خصمٍ جديد قد يحمل مفاجآت غير محسوبة في معركة دقيقة. وبين هذه الحسابات المتشابكة، يبرز سؤال أساسي: هل تغامر بهية الحريري بتحالفٍ قد يثير اعتراض قاعدة لا يستهان بها داخل بيئتها؟ وهل يمكن تجاوز وزن شخصيات مؤثرة مثل محمد السعودي في حسابات الحواصل والصوت التفضيلي؟ بعد سنوات من العمل المشترك والتحالف بينهما على أكثر من ملف، ودعم ومساندات مشتركة؟ في النهاية، تبدو معركة التحالفات في صيدا أكثر تعقيدًا من مجرد جمع أسماء على لائحة واحدة؛ فهي اختبار لذاكرة سياسية مثقلة بالخصومات، ولموازين قوى اجتماعية لا تزال قادرة على قلب النتائج. وربما يكون التحالف، إن وُلد، هشًّا إلى درجة أنه لا يصمد أبعد من لحظة إعلان النتائج.