في مدينةٍ تنامُ على بحرٍ وتستيقظُ على عتمةٍ، لم يعُد المواطنُ الصيداوي يُعاني فقط من الأزمات الكبرى، من الكهرباء إلى النفايات والماء، بل باتت التفاصيلُ اليومية، من ركنِ السيارة إلى دخولِ مقهى أو مطعمٍ أو دكّان، تتحوّلُ إلى ميدانٍ قهريٍّ آخر يُضافُ إلى سجلِّ الإذلالِ اليومي، تحت عنوان: “الفاليت باركينغ” فاليت؟ لا بأس. لكن أن تُحوَّل هذه الخدمةُ إلى وسيلةِ هيمنة، إلى “تشبيحٍ مُقنَّن”، إلى زعرناتٍ تعمُّ المدينةَ من دونِ حسيبٍ ولا رقيب؟ هنا تبدأُ المأساة، لا من بابِ السيارات، بل من بابِ الدولةِ الغائبة، والبلديةِ الصامتة، وأصحابِ المصالحِ المتواطئين. سلطة أمر واقع في شارع القناية مثلاً، يتحدث المواطن خالد ق. عن تجربته في هذا الموضوع، ويقول:“ذهبتُ لتناولِ وجبةٍ سريعةٍ في أحدِ المطاعم. لا مناسبة، لا زحمة. ومع ذلك، شابٌّ يحمل مفتاحًا ويرتدي سترةً يطلب مني تسليمَ السيارة مقابل مئة ألف ليرة، وإلّا فأرضُ الله واسعة. والمفارقة أنّ موقفَ الرصيف كان فارغًا!” هكذا تحوّلت الأرصفةُ العامةُ والمواقفُ المجانيةُ إلى مزارعَ خاصّةٍ يُمنع المواطنُ من استخدامها، تحت سطوةِ مَن يدّعون “التنظيم”، وهم في الحقيقةِ شركاءُ في عمليةِ خطفِ المدينة. لا يختلف اثنان على أنّ هذه الممارسة، حتى وإن لبستْ ثوبَ الخدمة، باتت تُملَى على الناسِ دونَ خيار. حالة إنكار أين البلدية؟ هل تراقب؟ هل تمنح التراخيص؟ وهل تُلزِم هذه الجهات بأسعارٍ محدّدة، بحدودٍ جغرافية، بشروطِ السلامة؟أم أنّ الصمتَ سيّدُ الموقف؟ بل أسوأ: في بعضِ مناطق صيدا – تحديدًا في حارةِ صيدا ومحيطها – تُفرض هذه “الخدمة” من خلال ما يُعرف بـ”الحركة”، وهي تسميةٌ يستخدمها البعضُ للإشارةِ إلى جهاتٍ سياسيةٍ أو أمنيةٍ نافذة، ما يجعل من الاعتراضِ فعلًا محفوفًا بالخطر. بل أكثر، هناك من يتحدث عن شبكاتٍ تعمل تحت غطاءِ أحزابٍ أو مرجعياتٍ سياسيةٍ محلية، تفرض “الفاليت” كـ”حقٍّ مكتسب”، وتُوظِّف شبّانًا يُشكّلون نوعًا من الحرسِ الخاص على المالِ العام. لا تستحقُّ صيدا أن تُدار بهذه الطريقة. لا تستحق أن تصبح رهينة “فاليت باركينغ” تحكمه المصالح والبلطجة، بينما مؤسساتها تصمت، وسكانها يئنّون المطاعم: شركاء في الجريمة؟ وإن كان التعدّي على الأرصفةِ مأساة، فإن تواطؤَ بعضِ المؤسساتِ الخاصة هو الفضيحة. في مطاعمَ راقيةٍ كـ”سموكة”، حيث تتجاوزُ الفاتورة ملايينَ الليرات بسهولة، يُفرَض على الزبونِ خدمةُ “الفاليت” رَغْمًا عنه، حتى لو أراد ركنَ سيارته بنفسه على بعدِ أمتار. والمبرر؟ “هكذا هو النظام”. أحدُ أصحابِ المطاعم، طلب عدمَ ذكر اسمه، قال:”نُجبَر على التعاقدِ مع هذه الشركات. وإلا يُمنَع علينا تنظيمُ السير أمامَ المطعم أو تُقطَع الطرق”. والسؤال: من أعطى هؤلاء سلطةَ فرضِ عقوبات؟ من يملك القرارَ في مدينةِ صيدا؟ الدولة؟ البلدية؟ أم جهاتٌ خارجةٌ عن أيِّ رقابة؟ قانونيًّا، هل من شرعيّة؟ بموجب القانون اللبناني، لا يجوز لأي جهةٍ خاصة أن تحتلَّ الملكَ العام أو تُنظّم خدماتٍ عليه دون ترخيصٍ رسمي من البلدية ووزارة الداخلية، وفقًا للمادة 18 من قانون البلديات. كما أن أي تسعيرةٍ تُفرَض على المواطن يجب أن تكون صادرةً بقرارٍ رسمي ومُعلنةً بوضوح. ما يحصل في صيدا يتناقض مع هذا تمامًا. لا شفافية، لا تراخيص علنية، لا رقابة على الأسعار، ولا خريطة واضحة تُحدّد أين يُسمَح وأين يُمنع. أي أن المواطن يخضعُ لمنطقِ الغلبة لا لميزانِ القانون. البلدية الجديدة… أول اختبار صيدا الآن على مفترقِ طرق. انتخاباتٌ بلديةٌ جديدة، وجوهٌ جديدة تُقسِم على “خدمة الناس”، فأين هم من هذه الكارثة اليومية؟ هل سيتصدّى المجلسُ الجديد لهذه الظاهرة؟هل سيضع خطةً لتحريرِ الشوارع من “البلطجة المُرخّصة”؟ أم أن المصالحَ السياسية ستبقى تحكم القرار البلدي؟ المطلوب ليس كثيرًا: إجراءُ مسحٍ شامل لكافةِ خدمات “الفاليت” في المدينة. إعلانُ موقفٍ واضحٍ من الظاهرة ومحاسبةُ الجهات غير المرخّصة. وقفُ استخدامِ الشارع العام كمصدر ابتزازٍ للمواطنين. تفعيلُ الشرطةِ البلدية لمراقبة أيِّ اعتداءٍ على الأملاك العامة. ديوان خدمات من يستلم إدارة صيدا يجب أن يدرك أن المسؤولية لا تقتصر على تنظيم المهرجانات وزراعة الزهور. المطلوب شخصية قيادية لا تهابُ الاتصالات السياسية ولا تخضعُ لضغوطِ النواب والوجهاءِ. رئيسُ بلديةٍ حقيقي لا يردُّ على اتصالٍ من أيِّ جهةٍ سياسية أو أمنية إذا تعارض الطلب مع مصلحةِ المدينة. فلا قيمة لأيّ سلطةٍ إن لم تمتلك الجرأة على كسر يدِ من يمدُّها على المدينة. كرامة المدينة والمواطن ربما يرى البعضُ أن هذه القضية “تفصيل صغير”، لكنها في الحقيقة تمسُّ كرامةَ المدينةِ والمواطنِ معًا.لأن من لا يستطيع ركنَ سيارته بحرية، لن يجرؤ لاحقًا على المطالبةِ بكهرباء أو ماء أو تعليم أو حتى أبسط حقوقه المدنية. ومن لا يحمي الشارعَ العام، لن يحمي المدرسةَ ولا المستشفى ولا السوق. صيدا، بتاريخها وحضارتها ورجالها، لا تستحقُّ أن تُدار بهذه الطريقة. لا تستحق أن تصبح رهينة “فاليت باركينغ” تحكمه المصالح والبلطجة، بينما مؤسساتها تصمت، وسكانها يئنّون. صيدا تستحقُّ أن تستعيد شوارعها، وأن تعود مدينةً حقيقية… لا موقفَ سياراتٍ مدفوعٍ تحت الاحتلال. في العدد المقبل الشركاتُ المُهيمِنةُ على قطاعِ “الفاليت باركينغ”، والمَحميّاتُ السياسيّة، ومَن يقفُ وراءَها كيف تُوزَّعُ الأموالُ المُستباحةُ من جيوبِ الناس، باستغلالِ المرافِقِ العامّة المُتورِّطونَ بالأسماء، وتوزيعُ الولاءات، وتقاسُمُ الشوارعِ والأرصفةِ بين زُعماءِ الأحياءِ والمُتنفِّذين
في مدينة كانت تُغسل وجهها بماء البحر كل صباح، صار للرماد عنوان دائم. صيدا التي لطالما تغنّت بأنها “مدينة الشمس والسمك”، تحولت بفعل التراكم السياسي والبيئي إلى مدينة النفايات والرماد… حرفيًا.
كانت المشاهد المختلفة عما نراه اليوم في شوارع صيدا العريقة، تلك التي مشت عليها أقدام الفينيقيين، وهتفت فوقها حناجر المقاومين، يتردّد اليوم صدى شعارات انتخابية تثير الحسرة أكثر مما توقظ الأمل «صيدا بدها»؟ وكأن المدينة الفينيقية التي صدّرت الأبجدية للعالم باتت شحّاذة على أبواب الطموحات السياسية.«صيدا بتستاهل»؟ وكأنها في انتظار صدقة مشروطة من هذا المرشّح أو ذاك.«سوا لصيدا»؟ ولو كان هناك فعلاً “سوا”، لكانت اللائحة واحدة، والرؤية موحّدة، والخدمة للمدينة فوق كل اعتبار.“نبض البلد“؟ وكأن آلام الناس لا تُحسّ إلا قبيل موسم الانتخابات فحسب. صيدا اليوم ليست بحاجة إلى لافتة ولا منشور ولا موكب. صيدا بحاجة إلى من يعيد لها كرامتها المصادرة منذ سنوات، لا عبر الاحتلال أو الحروب، بل عبر التهميش، والإفقار، والانقسام، والحملات التي تسوّق لأوهام التنمية بينما ترسّخ واقع الذلّ والخنوع. لقد تحوّلت المدينة، في هذه الانتخابات البلدية، إلى ما يشبه السوق العتيقة؛ تُعرض فيها “بضائع” البرامج الانتخابية الرثّة على أرصفة الكلام المنمّق، بينما الحقيقة أن المدينة هي التي تُباع في المزاد. نعم، صيدا “بدها”، ولكن ما تريده ليس إسفلتًا يُفرش قبل الانتخابات ويُنسى بعد الصورة التذكارية. صيدا لا تريد حفلة تنظيف رمزية عند جبل النفايات، بل تريد إزالة عقلية النفايات التي راكمت الفساد والتناحر فوق المدينة. لا يكفي أن نرشّ ماء الورد فوق الركام، لأن الرائحة لا تزول بالمعطرات، بل بتجفيف المستنقعات. بالأرقام وفق آخر إحصاءات البنك الدولي، يعيش أكثر من 36% من سكان صيدا وضواحيها تحت خط الفقر، مع بطالة تتجاوز 25% بين الشباب. التعليم الرسمي يتآكل، والاستشفاء يُباع، والمرافق تتآكل في ظل غياب التخطيط. وبينما يتناحر المرشّحون على من يرفع شعارًا أجمل، تنخفض نسبة المشاركة السياسية الفعلية؛ إذ لم تتجاوز نسبة التصويت في الانتخابات البلدية الأخيرة 30%، ما يعكس انعدام الثقة الجماعية في جدوى التغيير عبر صناديق تتنازعها العائلات والصفقات. رجال صيدا؟ أين أنت يا معروف سعد، الذي سقط على رصيف الميناء دفاعًا عن العمال والفقراء؟أين أنت يا رفيق الحريري، الذي حلم بأن يجعل صيدا بوابة الجنوب إلى العالم؟أين أنت يا شيخ محرم العارفي، الذي علّم الأجيال أن الدين ليس سلطة بل قضية؟ لو كان هؤلاء أحياء، لما سُمح بأن تُذلّ المدينة بهذه الطريقة، وأن تُختصر في شعار انتخابي، أو تُخنق في فوضى لوائح مشرذمة، كل منها تدّعي الوصاية على حاضرها، بينما مستقبلها على جهاز الإنعاش. صيدا أحرقت نفسها عبر التاريخ، لا حبًا بالنار، بل حفاظًا على الكرامة والكبرياء.من زمن الشهداء الذين فضّلوا الموت حرقًا على أن ترفع راية الغزاة فوق مدينتهم، إلى معاركها في وجه الاحتلال الإسرائيلي، إلى صمودها في وجه الاجتياحات السياسية والطائفية. الخطر مختلف ليس عدوًا خارجيًا، ولا دبابة على التلال، بل “ماء” تمرّ من تحت القلعة — قلعة المدينة التي صمدت في وجه الطوفان، لكنها قد تسقط إذا تُركت للمؤامرات تنخرها من الداخل.مؤامرات ناعمة، تمرير بطيء لأفكار لا علاقة لها بالمصلحة العامة، بل بتحقيق غايات خبيثة، على حساب المدينة وأهلها. صيدا لا تحتاج إلى مكرمة من أحد. صيدا تعطي، ولا تستجدي.هي التي احتضنت الفلسطيني والنازح، الفقير والجريح، الثائر والمهمّش. هي التي قاومت بالخبز كما بالسلاح، وبالكتاب كما بالبيان، وبالصوت كما بالسكوت. السكوت خيانة إذا كان “جبل الزبالة” هو المشكلة في عيون المرشحين، فالمشكلة الأكبر تكمن في العقول التي راكمت هذا الجبل، وأقنعت الناس أن الخلاص لا يأتي إلا على أيديهم. نسبة السكان تحت خط الفقر (مدينة صيدا وضواحيها) نسبة البطالة بين الشباب (مدينة صيدا وضواحيها) نسبة التصويت في الانتخابات البلدية الأخيرة (محافظة الجنوب – قضاء صيدا) صيدا ليست قاصرة حتى تنتظر من يعطف عليها، ولا مشوّهة حتى تُرمّم. صيدا، كما هي قلعتها، قائمة. لكنها اليوم بحاجة إلى من يحميها من التسوّل السياسي، لا من ينحرها بشعارات ركيكة. فاحذروا…إذا انهارت صيدا، لا تُفتّشوا عن السبب فوق سطح الأرض، بل انظروا تحت القلعة، حيث تمرّ المياه العكرة وتصمت المدينة. لكنها، حتمًا، لن تصمت طويلًا…