نادرًا ما تمنح السياسة اللاعبين فرصة إعادة النظر في خياراتهم الكبرى من دون أن يبدو ذلك تراجعًا. لكن ثمة لحظات تفرض فيها التحولات نفسها على الجميع، فيصبح السؤال عن المراجعة سؤالًا واقعيًّا لا أخلاقيًّا. حزب الله يمر اليوم بواحدة من هذه اللحظات، والملف المطروح على طاولته، شاء أم أبى، هو الملف السوري. المعطيات التي تفرض السؤال معروفة. الحزب خارج من مواجهة استنزافية طويلة مع إسرائيل تركت آثارها العميقة في بنيته وبيئته، ويتلقى في الوقت نفسه ارتدادات التصعيد الإيراني الأميركي على الساحة اللبنانية. وإلى ذلك، تبدّلت طبيعة التحدي الأمني: تفوق استخباري وتكنولوجي إسرائيلي جعل كلفة العمل العسكري التقليدي أعلى من أي وقت مضى، وضغط دولي وعربي يتجاوز المراقبة إلى السعي لإعادة تعريف دور الحزب وموقعه في المعادلة اللبنانية. في ظل هذه المتغيرات مجتمعة، يطرح مراقبون كثر سؤالًا واحدًا بصيغ مختلفة: من أين يمكن أن يبدأ تخفيف الضغط؟ والجغرافيا، قبل أي اعتبار آخر، تشير إلى سوريا. تجربة برأيين دخل الحزب الحرب السورية قبل أكثر من عقد بمبررات أعلنها بوضوح: حماية خطوط الإمداد، والدفاع عن عمق المقاومة، ومنع تمدد الجماعات المتطرفة نحو لبنان. ولا يزال جمهوره الأوسع يرى في تلك المشاركة جزءًا من معركة بقاء، دُفعت فيها دماء غالية. في المقابل، ترسّخت لدى شرائح واسعة من السوريين واللبنانيين والعرب قراءة معاكسة: أن المشاركة كانت انخراطًا في حرب أهلية خارج الحدود، وأنها كلّفت الحزب رصيده لدى محيطه العربي، وحوّلت العلاقة مع قسم كبير من السوريين إلى قطيعة عميقة. بين القراءتين مسافة يصعب ردمها، لكن ثمة معطى لا خلاف عليه بين الطرفين: النتائج على الأرض تجاوزت الحسابات الأولى. فالنظام الذي قاتل الحزب إلى جانبه لم يعد قائمًا، والممرات التي سعى إلى تأمينها لم تعد بيده، والكلفة البشرية والسياسية كانت باهظة على الجميع. skip render: ucaddon_material_block_quote المشهد السوري الجديد سوريا اليوم غير سوريا التي عرفها الحزب. دمشق بقيادة أحمد الشرع منصرفة إلى الخروج من العزلة وإعادة بناء علاقاتها الدولية والعربية، وزيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إليها حملت دلالة تتجاوز البروتوكول: الغرب بدأ يتعامل مع سوريا كساحة إعادة تموضع إقليمي، وثمة مؤشرات متزايدة إلى أن الملف اللبناني نفسه قد يمر مستقبلًا عبر البوابة السورية.في هذا السياق، تُقرأ زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت ولقاؤه رئيس مجلس النواب نبيه بري وكبار المسؤولين. الموقف السوري المعلن يحمل رسالة ذات وجهين: لا رغبة في التدخل العسكري في لبنان، وباب مفتوح للحوار مع جميع الأطراف إذا خدم ذلك مصلحة البلدين، لكن أيضًا لا عودة إلى معادلة سوريا الساحة الخلفية لأي طرف. رسالة يمكن للحزب أن يقرأها تهديدًا مبطنًا، ويمكن أن يقرأها فرصة لفتح قناة، والقراءتان مطروحتان فعلًا داخل الأوساط المتابعة.حسابات المراجعة وموانعهاالمراجعة المطروحة في النقاش اللبناني ليست اعتذارًا علنيًّا ولا تنصلًا من الماضي؛ هي في جوهرها قرار سياسي بالتعامل مع سوريا الجديدة على أساس الوقائع الراهنة، لا ذاكرة الحرب. ولها في ميزان الحزب حسابات متعارضة يصعب اختزالها.في كفة الموانع: خشية حقيقية داخل الحزب وبيئته من أن تتحول أي مراجعة إلى مادة ضغط داخلي، أو إلى بند أول في مسار متدحرج يطال السلاح والدور. وهناك أيضًا اعتبار الذاكرة: تضحيات يصعب على أي قيادة أن تظهر أمام جمهورها وكأنها تعيد النظر في جدواها.وفي الكفة المقابلة: كلفة الجمود. فاستمرار القطيعة مع دمشق يعني بقاء الحدود الشرقية ملفًّا مفتوحًا، وبقاء البيئة الحاضنة معزولة عن محيط عربي لا طريق إليه عمليًّا إلا عبر سوريا، ولا يكتمل من دون حد أدنى من التفاهم العربي، السعودي خصوصًا، لأن دمشق الجديدة نفسها تتحاشى الولادة داخل محور مغلق. والأهم في حسابات السياسة: من يتأخر عن طاولة الترتيبات الإقليمية يخاطر بأن تُصاغ من دونه. التجارب المقارنة، من فيتنام إلى أيرلندا الشمالية، تُظهر أن التسويات التي تأتي مبكرًا تُتفاوَض، والتي تأتي متأخرًا تُفرَض. هل يطرح حزب الله السؤال قبل أن يطرحه الواقع عليه؟ البيئة الحاضنة في المعادلة أي نقاش في هذا الملف يبقى ناقصًا من دون التوقف عند البيئة الشيعية نفسها، وهي الطرف الذي تحمّل القسط الأكبر من كلفة العقد الأخير: حروب ونزوح وعقوبات وانهيار اقتصادي. هذه البيئة، بمعزل عن موقفها من الخيارات الاستراتيجية لقيادتها، باتت بحاجة موضوعية إلى متنفس اقتصادي واجتماعي، وإلى إعادة وصل ما انقطع مع المحيط العربي. وهي حاجة تتقاطع، من حيث لا تخطط، مع مسار أي تطبيع محتمل بين بيروت ودمشق. بهذا المعنى، لم يعد السؤال السوري سؤال قيادة الحزب وحدها، بل سؤال قاعدة اجتماعية كاملة تبحث عن أفق. المسار الممكن إن قُرِّر إذا اتجه القرار يومًا نحو المراجعة، فالمسار المتاح واضح المعالم في قراءة المتابعين: خفض متبادل للغة العدائية بين الحزب ودمشق الجديدة، وقنوات تواصل هادئة ترعاها الدولة اللبنانية بصفتها الرسمية، وصولًا إلى تفاهم يوازن بين هاجسين معلنين: هاجس دمشق من وجود سلاح غير سوري على أرضها أو عبر حدودها، وهاجس الحزب من تحوّل سوريا إلى منصة ضغط عليه. بين الهاجسين مساحة تفاوض ضيقة، لكنها قائمة، وكلفتها، في كل التقديرات، أدنى من كلفة قطيعة مفتوحة. يبقى الاعتراض المتوقع: أن التوقيت غير مناسب، وأن أولوية المواجهة مع إسرائيل تتقدم على أي ملف آخر. وهو اعتراض وجيه في منطق الحزب، لكنه يصطدم بحقيقة أن الملفات في المنطقة لا تنتظر أصحابها، وأن نافذة الحوار المتاحة اليوم مع دمشق قد لا تبقى مفتوحة بالشروط نفسها غدًا. skip render: ucaddon_box_testimonial
في الشرق الأوسط، لا تُكتب الكتب دائماً لتوثيق الماضي، ولا تصدر جميعها بدافع البحث الأكاديمي الخالص. فكثير منها يُكتب لاستشراف المستقبل، والتأثير في دوائر القرار، وتهيئة الرأي العام لتحولات لم تتبلور بعد. لذلك، فإن صدور كتاب إسرائيلي جديد بعنوان «الثورة في سوريا.. الحرب الأهلية وسقوط عائلة الأسد» لا يمكن التعامل معه بوصفه إصداراً فكرياً عابراً، بل باعتباره وثيقة سياسية تستحق أن تُقرأ بين السطور، خصوصاً أنه يأتي في لحظة إقليمية تُعاد فيها صياغة خرائط النفوذ، وتُطرح أسئلة جديدة حول موقع سوريا في الشرق الأوسط بعد انتهاء حقبة حكم عائلة الأسد. وتتضاعف أهمية الكتاب عندما تقع العين على غلافه قبل صفحاته. فصورة الرئيس أحمد الشرع تتصدر المشهد، فيما تبدو صورة بشار الأسد ممزقة في الخلفية، في مشهد بصري لا يبدو بريئاً أو اعتباطياً. ففي الأدبيات السياسية الإسرائيلية، لا يُعدّ الغلاف مجرد عنصر فني، بل جزءاً من الرسالة ذاتها. وكأن الناشر والمؤلفين يريدان القول إن إسرائيل لم تعد تنظر إلى سوريا بوصفها دولة يحكمها الأسد، بل بوصفها دولة جديدة ينبغي فهمها والتعامل مع قيادتها الجديدة. إنها ليست محاولة لتوثيق نهاية رجل، بقدر ما هي إعلان عن بداية مرحلة، وإعادة تعريف لسوريا في الوعي الاستراتيجي الإسرائيلي. من داخل التجربة ولا يقل اسم المؤلفين أهمية عن مضمون الكتاب. فالبروفيسور إيتمار رابينوفيتش ليس مجرد مؤرخ أو أستاذ جامعي، بل أحد أبرز مهندسي السياسة الإسرائيلية تجاه سوريا، ورئيس الوفد الإسرائيلي الذي خاض مفاوضات السلام مع دمشق خلال تسعينيات القرن الماضي. وهو رجل لا يكتب من خارج التجربة، بل من قلبها، بعدما كان شاهداً ومشاركاً في واحدة من أكثر مراحل الصراع العربي الإسرائيلي حساسية. أما كرميت فالنسي، فهي من أبرز الباحثين في معهد دراسات الأمن القومي (INSS)، أحد أهم مراكز التفكير الاستراتيجي في إسرائيل، والذي يُنظر إليه باعتباره خزاناً للأفكار التي تجد طريقها لاحقاً إلى المؤسسة الأمنية والسياسية. ومن هنا، فإن الكتاب لا يمثّل مجرد اجتهاد فكري، بل يعكس بدرجة كبيرة اتجاهاً داخل النخبة الإسرائيلية يسعى إلى إعادة تعريف سوريا بعد التحول الكبير الذي شهدته. skip render: ucaddon_material_block_quote وإذا كان عنوان الكتاب يربط بين الحرب الأهلية وسقوط عائلة الأسد، فإن الرسالة الأعمق تكمن في أن المؤلفين يعتبران أن الحدث التاريخي الحقيقي لم يكن سنوات الحرب نفسها، بل انتهاء النظام الذي حكم سوريا لأكثر من نصف قرن. فالحرب، وفق هذه القراءة، ليست سوى مقدمة، أما الفصل الأهم فيبدأ بعد سقوط النظام، حين تصبح الأسئلة مرتبطة بطبيعة الدولة الجديدة، وهوية قيادتها، واتجاهاتها الإقليمية، وحدود براغماتيتها، وكيف ينبغي لإسرائيل أن تتعامل معها. أسئلة استراتيجية ومن هنا، يبدو واضحاً أن النقاش داخل النخبة الإسرائيلية انتقل من سؤال هيمن على سنوات الصراع: هل يسقط النظام؟ إلى سؤال أكثر عمقاً: كيف ستكون سوريا بعد الأسد؟ وهذا التحول في طبيعة الأسئلة يعكس انتقالاً في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي من إدارة الفوضى إلى التفكير في الدولة التي قد تنهض من تحت أنقاض الحرب، بعدما كانت الأولوية طوال سنوات الصراع منع انتصار أي طرف بصورة حاسمة، وإبقاء سوريا في حالة إنهاك استراتيجي. ويمنح تاريخ رابينوفيتش هذا الكتاب بُعداً إضافياً. فقد سبق له أن أثار جدلاً واسعاً عندما اعتبر أن الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد فوّت فرصة تاريخية لاستعادة الجولان، عندما رفض، بحسب روايته، التجاوب مع المبادرة التي طُرحت خلال قمة جنيف السورية الإسرائيلية عام 2000، بحضور الرئيس الأميركي بيل كلينتون، وبمشاركة رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك إيهود باراك. ورغم أن هذه الرواية بقيت موضع خلاف بين الباحثين والمؤرخين، الذين يشيرون إلى أن الخلافات حول حدود الانسحاب والترتيبات الأمنية كانت سبباً رئيسياً في انهيار المفاوضات، فإن استعادتها اليوم تحمل دلالة سياسية؛ إذ توحي بأن المؤلف يرى في القيادة السورية الجديدة نهجاً مختلفاً عن المدرسة التي حكمت دمشق لعقود، وربما أكثر استعداداً لاعتماد مقاربات سياسية أقل أيديولوجية وأكثر ارتباطاً بحسابات الدولة. كتاب لا يؤرّخ الماضي بل يمهّد للمستقبل أما كرميت فالنسي، فقد كرّست خلال السنوات الأخيرة معظم أبحاثها لمتابعة التحولات السورية واللبنانية، وكانت من أكثر الأصوات الإسرائيلية انتقاداً لسياسة حكومة بنيامين نتنياهو في سوريا. فهي ترى أن الإفراط في الضربات العسكرية قد يدفع دمشق إلى تجاوز ما تصفه بـ«نقطة اللاعودة»، بما يحول دون الاستفادة من أي توجهات براغماتية لدى القيادة السورية الجديدة. وفي أكثر من دراسة، دعت إلى قراءة سوريا بعقل استراتيجي لا بعقلية أمنية صرفة، معتبرة أن إسرائيل قد تفوّت فرصة تاريخية إذا بقيت أسيرة سياسة إدارة التهديدات بدل إدارة التحولات. تحديات الداخل ولا تعني هذه القراءات بالضرورة أن دمشق تتبنى الرؤية ذاتها. فالقيادة السورية الجديدة تواجه أولويات داخلية هائلة تتمثل في إعادة بناء مؤسسات الدولة، وإنعاش الاقتصاد، وإعادة اللاجئين، وترميم البنية التحتية، واستعادة وحدة الأراضي السورية. كما أن قضية الجولان المحتل تبقى جزءاً من الثوابت الوطنية السورية، بغض النظر عن تغير الأشخاص أو تبدل الخطاب السياسي. ولذلك، فإن الحديث الإسرائيلي عن «براغماتية دمشق» لا ينبغي تفسيره بوصفه استعداداً سورياً لتقديم تنازلات استراتيجية، بقدر ما يعكس قراءة إسرائيلية لترتيب مختلف للأولويات في مرحلة إعادة بناء الدولة. لكن اللافت في هذا الكتاب أنه يقول عن إسرائيل بقدر ما يقول عن سوريا. فهو يكشف أن المؤسسة الفكرية الإسرائيلية بدأت تتعامل مع سوريا باعتبارها مشروع دولة يُعاد بناؤه، لا مجرد ساحة حرب أو مساحة نفوذ إيراني أو روسي. وهذا التحول في الإدراك قد يكون أكثر أهمية من مضمون الكتاب نفسه، لأنه يعكس بداية مراجعة داخلية لطريقة النظر إلى الجار السوري، بعد سنوات من الاكتفاء بإدارة الصراع ومنع تشكّل واقع إقليمي جديد. ولعل الرسالة الأبرز التي يحملها الكتاب أن إسرائيل لم تعد تناقش مستقبل الحرب السورية، بل مستقبل الدولة السورية، وأنها تحاول استباق هذا المستقبل عبر إنتاج سردية جديدة تفسّر التحول وتحدد كيفية التعامل معه. فالكتب، في البيئة الإسرائيلية، كثيراً ما تسبق القرارات السياسية، وتبدأ الأفكار في مراكز الدراسات قبل أن تجد طريقها إلى مكاتب الوزراء وقاعات المجلس الوزاري الأمني المصغر. لهذا، فإن السؤال الحقيقي الذي يفرضه هذا الإصدار لا يتعلق فقط بمحتواه، بل بما إذا كان يمثّل مقدمة لتحول أوسع داخل العقل الاستراتيجي الإسرائيلي. فهل بدأت تل أبيب تقتنع بأن سوريا الجديدة تستدعي أدوات سياسية مختلفة عن تلك التي حكمت العلاقة مع نظام الأسد؟ وهل تمهّد النخبة الأكاديمية والأمنية لنقاشات قد تفضي، في مرحلة لاحقة، إلى مقاربة جديدة تجاه دمشق؟ skip render: ucaddon_box_testimonial
لم تكن الاشتباكات التي اندلعت في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية في حلب مجرّد حادث أمني عابر، ولا تفلّتًا موضعيًا قابلاً للاحتواء السريع. ما جرى شكّل صدمة سياسية وأمنية أعادت طرح السؤال الأخطر في سوريا اليوم:هل انتهت الحرب فعلًا، أم أنها غيّرت أدواتها فقط؟ في مدينة يفترض أنها خرجت من دائرة الصراع منذ سنوات، عاد الرصاص ليُذكّر بأن التسويات المؤجلة لا تموت، بل تنتظر لحظة الانفجار. لحظة حلب جاءت في توقيت بالغ الحساسية، داخليًا وإقليميًا، لتكشف أن ما بعد الحرب لم يُحسم بعد. اتفاقات هشّة لم تُكتب منذ سيطرة الدولة السورية على حلب، نشأ وضع استثنائي في بعض أحيائها الشمالية، حيث حافظت قوات سوريا الديمقراطية على وجود مسلح وإدارة أمنية شبه مستقلة، بترتيبات غير معلنة، أقرب إلى هدنة طويلة الأمد منها إلى اتفاق سياسي واضح. هذه الترتيبات قامت على مبدأ بسيط، تجنّب الصدام… وتأجيل الحسم. لكن التأجيل، في السياسة، غالبًا ما يكون قنبلة موقوتة. لم تُحسم مسألة، من يدير الأمن؟ من يفرض القانون؟ ومن يملك قرار السلم والحرب داخل مدينة مركزية؟ ومع تراكم الاحتكاكات، وتبدّل موازين القوى، كان التصعيد مسألة وقت لا أكثر. جوهر الصراع لا يكمن في حادث ميداني أو حاجز أمني، بل في تناقض بنيوي بين مشروعين: الدولة السورية التي تسعى إلى استعادة سيادتها الكاملة وتوحيد السلاح تحت مؤسسة واحدة. قسد التي ترى في سلاحها ورقة وجود وضمانة سياسية في أي تسوية مستقبلية. هذا التناقض لم يُعالَج سياسيًا، بل جرى الالتفاف عليه بتفاهمات أمنية مؤقتة. ومع تغيّر السياق الإقليمي والدولي، بدأ هذا الالتفاف يتآكل، لتعود لغة القوة كبديل عن لغة التفاوض. لماذا الآن؟ اندلاع الاشتباكات في هذا التوقيت ليس تفصيلًا عابرًا. هناك ثلاثة عوامل تفسّر لحظة الانفجار: أولًا: مرحلة ما بعد المعارك الكبرى. الدولة السورية تنتقل تدريجيًا من منطق إدارة الحرب إلى منطق تثبيت الدولة، وهذا يفرض إعادة النظر في كل الجيوب الخارجة عن السيطرة المباشرة. ثانيًا: تراجع منسوب الضمانات الدولية. التحولات في أولويات القوى الدولية قلّصت هامش المناورة أمام القوى المحلية، ودفعت باتجاه اختبارات قوة على الأرض بدل الاتكال على الحماية السياسية. ثالثًا: صراع الرسائل. الاشتباك في حلب لم يكن موجّهًا للطرف المقابل فقط، بل حمل رسائل أبعد، رسائل إقليمية، ورسائل تفاوضية، ورسائل داخلية حول من يفرض الإيقاع كالعادة، لم يكن المدنيون طرفًا في القرار، لكنهم كانوا الضحية الأولى. الاشتباكات داخل أحياء مكتظة بالسكان حوّلت البيوت إلى خطوط تماس، وأعادت مشاهد النزوح، الخوف، وتعطّل الحياة اليومية. هل أخطأت قسد الحساب؟ سياسيًا، وجدت «قسد» نفسها أمام معادلة صعبة. التمسك بالوجود المسلح داخل مدينة كبرى، أو القبول بتنازلات تدريجية قد تُفقدها أوراق قوة لاحقًا. لكن الاشتباك في حلب قد يكون مجازفة عالية الكلفة. فالدولة تمتلك عامل النفس الطويل، بينما أي خسارة ميدانية أو سياسية داخل مدينة مركزية قد تُستخدم لتقليص هامش الحركة مستقبلًا. في المقابل، ترى قسد أن التراجع دون ضمانات مكتوبة يعني تفكيك نفوذها خطوة خطوة. من جهتها، تعاملت دمشق مع ما جرى باعتباره اختبارًا لهيبة الدولة. السماح ببقاء سلاح خارج السيطرة في مدينة بحجم حلب يعني ترسيخ نموذج قابل للتكرار، وهو ما تعتبره الدولة خطرًا استراتيجيًا على المدى الطويل. بمعنى آخر، الاشتباكات لم تكن فقط ردًّا أمنيًا، بل إعلان نوايا: مرحلة إدارة الاستثناءات تقترب من نهايتها. هل نحن أمام تسوية أم مواجهة مؤجلة؟ التهدئات التي تلت الاشتباكات قد توحي بعودة الهدوء، لكنها في الواقع هدوء مشروط. فمن دون معالجة جذرية لملف، السلاح، الإدارة، والشرعية الأمنية، سيبقى الصدام احتمالًا قائمًا، سواء في حلب أو غيرها. حلب مرآة سوريا القادمة ما جرى في حلب ليس معركة أحياء، بل بروفة سياسية لما هو آتٍ. إما: تسوية شاملة تعيد تعريف العلاقة بين الدولة وكل القوى المسلحة أو استمرار منطق الاشتثناءات، بما يحمله من انفجارات دورية حلب اليوم ليست فقط مدينة تحت النار، بل سؤال مفتوح عن شكل الدولة السورية في المرحلة المقبلة: دولة واحدة بسلاح واحد؟ أم خرائط نفوذ مؤجلة تنفجر كلما تغيّر الميزان؟