يُخالِجُكَ “مفهومُ القوّة” دون استئذان. يفرضُ حضورَه على فكرك ووجدانك رغماً عنك.أنتَ المُسمَّر أمام الشاشات، تُتابع ما يُقال أنه يحدث في ذلك المكان البعيد… فنزويلا، لا بوصفه خبرًا عاجلًا، بل بوصفه مشهدًا كاشفًا.تُدرِك أن المسألة لم تعد تتعلّق برئيس دولة أو بشرعية نظام، بل بسؤالٍ أعمقَ وأخطر:من يملك حقّ التصنيف والحُكم على العالم؟ ليست القوّة فكرةً بريئة، ولا مفهومًا محايدًا. منذ القِدم، لم يكن الإنسان في صراعٍ مع القوّة بقدر ما كان أسيرَها.يسعى إليها، يخافها، يحاول فهمَها وتطويعَها، يبرّرها حين يمتلكها، يتمرّد عليها حين تُمارَس ضده، أو يتجاهلها حين يعجز عن مواجهتها.وربما كان السؤال الأقدم الذي لم يُحسَم بعد: هل القوّة وسيلةٌ لحماية الإنسان، أم ذريعةٌ لافتراسه؟ ليست القوّة مجرّد عضلاتٍ مشدودة، ولا خزائنَ ممتلئة، ولا جيوشًا مصطفّةً على الحدود.القوّة، في جوهرها الأعمق، هي القدرة على التأثير؛ أن تُغيّر مجرى الأشياء، أن تفرضَ اتجاهاً، أو أن تمنعَ انحرافًا.هي تلك الطاقة الخفيّة التي تجعل الإنسان فاعلًا لا مجرّد متلقٍّ، صانعًا لا شاهدًا فحسب.القوّة ليست عضلات، ولا جيوشًا، ولا عقوباتٍ تُوقَّع على الورق. في جوهرها المُجرَّد، هي القدرة على فرض المعنى. #### في أصلها، القوّة غريزةُ بقاء، لكن هذه الغريزة سرعان ما قد تنفلت من عقالها.فحين يكتشف الإنسان أن القوّة تمنحه امتيازًا، يتحوّل من الدفاع إلى السيطرة، ومن الحماية إلى الإخضاع.عند هذه النقطة، تبدأ القوّة بتغيير وجهها، وتتحوّل من أداةٍ للحياة إلى امتحانٍ قاسٍ، امتحان ما قبل التغيير وما بعده. حين تدّعي قوّةٌ عظمى حقَّ ملاحقة أو اعتقال رأسِ دولةٍ أخرى، فهي لا تستهدف شخصًا بقدر ما تستهدف فكرة.فكرة أن هناك دولًا مستقلّة، وأن السيادة ليست امتيازًا يُمنَح ويُسحَب، وأن القانون ليس سلاحًا بيد الأقوى.هنا يصبح الصراع بين قوّتَين غير متكافئتَين:قوّةٌ تدّعي امتلاك الحقّ المطلق، وأخرى تُترك للدفاع عن نفسها داخل حدودها المُحاصَرة. في هذا الصدام، لا ينتصر العدل، بل ينتصر الأقوى.هنا تتجلّى القوّة في أكثر أشكالها تجريدًا؛ قوّةٌ تقول للعالم إن ميزان العدالة لا يُمسَك من المنتصف، بل من الأعلى.وهنا لا تعود المسألة فنزويلا بحدّ ذاتها، بل الرسالة التي تتجاوزها.من يملك القوّة، يملك حقَّ تعريف الجريمة، حتى لو كان الخصم رئيسَ دولة، وحتى لو كان الشعب قد اختاره أو رفضه بآليّاته الخاصّة. #### في السياسة، القوّة لا تنتظر الإجماع. لا تسأل: هل هذا عادل؟ بل تسأل: هل هذا ممكن؟ هنا تحديدًا، تنهار الفكرة الرومانسية عن “النظام الدولي”. فالقوّة، حين تبلغ ذروتها، لا تحمي النظام، بل تستبدله بنفسها.الدولة القويّة لا تحتاج إلى احتلال، ولا إلى دباباتٍ على الحدود.يكفيها أن تقول: “نحن نعتبرك غير شرعي”، فتبدأ الدولة المُستهدَفة بالانهيار من الداخل،وتتحوّل شرعيتها إلى سؤال، وسيادتها إلى رأي، ووجودها إلى ملف. هكذا تصبح القوّة السياسيّة لعبةَ سرديّات. في الاقتصاد، تتجرّد القوّة من ضجيج الشعارات.تعمل بصمت. المال لا يصرخ، لكنه يأمر. لا يُهدّد، لكنه يُحدّد مصائرَ كاملة: من يعمل، من يجوع، ومن يُهمَّش خارج اللعبة.القوّة الاقتصاديّة هي الأكثر خفاءً، والأشدّ تأثيرًا، لأنها تُمارَس يوميًا دون إعلان حرب.شركةٌ واحدة قد تُغيّر نمط حياة مدنٍ كاملة، وسوقٌ واحدة قد تُسقِط حكومات… دون طلقة رصاص.وحين تتركّز القوّة الاقتصاديّة في أيدٍ قليلة، لا يعود الفقر قدرًا، بل نتيجةً سياسيّةً وأخلاقيّة. وهنا يعود السؤال الجوهري: هل الاقتصاد في خدمة الإنسان؟ أم الإنسان مجرّد وقودٍ للاقتصاد؟ #### السؤال الفعلي اليوم ليس: أكان النظام الفنزويلي عادلًا أم مُستبدًّا؟ بل: من يملك حقَّ تصنيفه، ومحاكمته، ومعاقبته؟حين تحتكر القوّة حقَّ الإدانة، تتحوّل العدالة إلى امتياز، وتُختزَل حقوق الإنسان في أداةٍ انتقائيّة، تُستخدَم حين تخدم المصالح، وتُنسى حين تُعيقها.لهذا، غالبًا ما تكون القوّة الأخلاقيّة هي الأندر، لأنها لا تمنح مكاسبَ سريعة، ولا تصنع تصفيقًا فوريًا.التاريخ مليءٌ بأقوياء سقطوا لأنهم أساؤوا استخدام قوّتهم، وقليلٌ جدًّا بأقوياء خُلِّدوا لأنهم عرفوا متى يتوقّفون. القوّة ليست شرًّا مطلقًا، لكنها أخطرُ ما يملكه الإنسان حين لا تُقيَّد.هي أداةٌ تكشف الجوهر: إن كان صاحبها عادلًا، صارت حماية؛ وإن كان جشعًا، تحوّلت إلى وحش.ما تكشفه فنزويلا، وغيرها، أن القوّة قادرة على الإخضاع، لكنها عاجزة عن الإقناع.قادرةٌ على الفرض، لكنها تفشل في صناعة معنى دائم. فنزويلا ليست سوى مرآة، تعكس سؤالًا أقدم من أميركا نفسها، وأوسع من أي رئيسٍ مهما بلغ جبروته…هل القوّة قادرة على حكم العالم؟ نعمهل هي قادرة على منحه معنى؟ لا
حين يُطرَح اسمُ رئيسِ دولةٍ في سياقِ الاعتقال أو الملاحقة خارجَ حدودِ بلاده، لا يعودُ السؤالُ محصورًا في مصيرِ شخص، بل يتّسعُ ليطالَ جوهرَ النظامِ برمّتِه: هل يتوقّفُ الحُكم إذا غابَ الحاكم؟ وهل تنهارُ الدولةُ إذا أُزيحَ رأسُها، أم تستمرّ كما لو أنّ شيئًا لم يحدث؟ ما يُثارُ اليوم حولَ فنزويلا ورئيسِها نيكولاس مادورو، بعيدًا عن تفاصيلِه القانونيّة والسياسيّة، يعيدُ إلى الواجهة سؤالًا فلسفيًا قديمًا بقِدمِ السّلطة نفسها: مَن هو المهمُّ حقًّا في الحُكم؟الشخصُ الذي يتجسّدُ فيه القرارُ والشرعيّةُ والهيبة؟ أم المؤسّسةُ التي يُفترضُ أن تحكمَ باسمِ الشّعب، وتبقى بعدَ ذهابِ الأفراد؟ هذا السؤالُ ليس ترفًا نظريًا، بل امتحانٌ قاسٍ للدّول، يظهرُ بوضوحٍ عند الأزماتِ الكبرى، وعند اهتزازِ القادة أو غيابِهم القسريّ. فالدولةُ التي تُختَزلُ في شخصٍ واحد، تُصابُ بالشّلل حين يُمسّ هذا الشّخص، أمّا الدولةُ التي تحكمُها مؤسّساتٌ راسخة، فتتعاملُ مع الحدثِ كاختبارٍ صعب… لا كنهايةِ الطّريق.من هنا، لا تبدو قضيّةُ مادورو مسألةً فنزويليّةً خالصة، بل مرآةً تعكسُ إشكاليّةً أعمق في أنظمةِ الحُكم الإنسانيّ. منذ أن نظّم البشرُ أنفسَهم في مجتمعات، دارَ جدلٌ فلسفيٌّ عميق حول حجرِ الزّاوية الذي يجبُ أن يرتكزَ عليه الحُكمُ الرّشيد: هل هو القائدُ الفذّ، الشّخصيّةُ المُلهِمة ذاتُ الحكمةِ والكاريزما؟ أم هي المؤسّسةُ القويّة، النظامُ المُحكَم الذي يعملُ بقوانينَ وإجراءاتٍ ثابتةٍ لا تتأثّرُ بالأفراد؟هذا السؤالُ ليس مجرّد ترفٍ فكريّ، بل هو جوهرُ الصّراع بين نماذجِ الحُكم المختلفة عبرَ التّاريخ، وهو الذي يحدّدُ مصيرَ الدّول واستقرارَ حياةِ البشر. رهانٌ على الاستثناء يزخرُ التّاريخ بقصصِ القادةِ العظام الذين غيّروا مجرى التّاريخ بفضلِ صفاتِهم الشّخصيّة. من “الملكِ الفيلسوف” في جمهوريّةِ أفلاطون، الذي رأى أنّ الحُكم يجبُ أن يكونَ في يدِ مَن يمتلكُ المعرفةَ والحكمةَ المطلقة، إلى القادةِ المُلهِمين في العصرِ الحديث الذين بنَوا أُممًا أو قادوا ثورات.تعتمدُ هذه النّظرةُ على فكرةِ أنّ الفردَ الاستثنائيّ، بعبقريّتِه ورؤيتِه الأخلاقيّة، هو القادرُ على تجاوزِ جمودِ القوانين واتّخاذِ القراراتِ الصّائبة التي تعجزُ عنها الأنظمةُ البيروقراطيّة. هذا النّموذجُ يرى في المؤسّسة مجرّد أداةٍ في يدِ القائد. فالمؤسّسةُ بلا قائدٍ حكيم تصبحُ آلةً صمّاء، وقد تتحوّلُ إلى عقبةٍ أمامَ التّقدّم. ويرى أنصارُ هذا الفكر أنّ الأزماتِ الكبرى واللّحظاتِ التّاريخيّة الحاسمة لا تتطلّبُ تطبيقَ القواعد، بل تتطلّبُ شجاعةَ فردٍ ورؤيةً استثنائيّة.إلّا أنّ هذا الرّهانَ على الفرد محفوفٌ بالمخاطر. فماذا يحدثُ عند غيابِ هذا القائد أو موتِه؟ وماذا لو تحوّلت عبقريّتُه إلى طغيان، وقوّتُه إلى أداةٍ للقمع؟التّاريخُ أيضًا مليءٌ بقصصِ القادةِ الذين بدأوا كمُنقذين وانتهوا كطغاة، مستغلّين غيابَ المؤسّساتِ القويّة التي يمكنُ أن تكبحَ جماحَهم. إنّ الثّنائيّةَ بين الفردِ والمؤسّسة هي في حقيقتِها ثنائيّةٌ زائفة. فالحُكمُ الرّشيد لا يمكنُ أن يقومَ على أحدِهما دون الآخر. إنّها علاقةٌ تكامليّة تُشبهُ علاقةَ الرّوح بالجسد قوّةُ المؤسّسة على النّقيضِ من ذلك تمامًا، تقفُ فلسفةُ الحُكم القائمِ على المؤسّسات. يرى هذا التّيّار، الذي تعودُ جذورُه إلى الفيلسوفِ اليونانيّ أرسطو، ومن بعدِه مفكّرو العقدِ الاجتماعيّ مثل جون لوك ومونتسكيو، أنّ الخلاصَ لا يكمنُ في انتظارِ “البطلِ المُنقذ”، بل في بناءِ نظامِ حُكمٍ قويٍّ ومستقرّ.المؤسّسةُ هنا هي مجموعةُ القوانينِ والدّساتيرِ والإجراءات التي تُنظّمُ السّلطةَ وتُوزّعُها، وتضمنُ عدمَ تمركزِها في يدِ شخصٍ واحد. المؤسّسةُ لا تشيخُ ولا تموت، ولا تقعُ فريسةً للأهواءِ الشّخصيّة أو النّزوات. إنّها توفّرُ إطارًا ثابتًا يمكنُ للجميع العملُ من خلالِه، وتضمنُ استمراريّةَ الدّولة واستقرارَها بغضّ النّظر عن هويّةِ الحاكم.في هذا النّموذج، “حُكمُ القانون” هو المبدأُ الأسمى، وليس “حُكمُ الرّجال”. فالقائد، مهما بلغت حكمتُه، هو نفسُه خاضعٌ للمؤسّسة والقانون، وليس فوقَهما.هذا النّظامُ يهدفُ إلى حمايةِ المجتمع من أسوأِ ما في الطّبيعةِ البشريّة: الميلِ إلى السّلطةِ المطلقة والفساد. لكنّ الاعتمادَ الكلّيَّ على المؤسّسات له عيوبُه أيضًا. فقد تتحوّلُ المؤسّساتُ إلى بيروقراطيّةٍ مُعقّدةٍ وجامدة، تفقدُ مرونتَها وقدرتَها على الاستجابةِ للتّحدّياتِ الجديدة.يمكنُ أن تصبحَ القوانينُ غايةً في حدّ ذاتِها، لا وسيلةً لتحقيقِ العدل، ممّا يخلقُ حالةً من الشّلل والعجز عن اتّخاذِ قراراتٍ حاسمةٍ في أوقاتِ الأزمات. لا فردَ بلا مؤسّسة، ولا مؤسّسةَ بلا روح إنّ الثّنائيّةَ بين الفردِ والمؤسّسة هي في حقيقتِها ثنائيّةٌ زائفة. فالحُكمُ الرّشيد لا يمكنُ أن يقومَ على أحدِهما دون الآخر. إنّها علاقةٌ تكامليّة تُشبهُ علاقةَ الرّوح بالجسد. المؤسّسةُ هي الهيكلُ العظميّ للدّولة؛ فهي توفّرُ الإطارَ الصّلب الذي يمنحُ الدّولةَ شكلَها واستقرارَها، ويحميها من الانهيار. وبدونِ مؤسّساتٍ قويّة (قضاءٍ مستقلّ، برلمانٍ فاعل، جيشٍ وطنيّ، إدارةٍ شفّافة)، يصبحُ الحُكمُ مجرّدَ ممارسةٍ عشوائيّة للسّلطة، عُرضةً للانهيار مع أوّلِ أزمة. أمّا الفردُ، فهو الرّوحُ التي تبثُّ الحياةَ في هذا الهيكل. إنّ القادةَ ذوي الرّؤية والأخلاق هم مَن يمنحون المؤسّسات غايتَها ومعناها. هم الذين يُجدّدونها ويُطوّرونها لتواكبَ العصر، ويستخدمون الإطارَ القانونيّ لتحقيقِ العدالة والازدهار، لا لتقييدِ المجتمع.القائدُ الحكيم لا يعملُ خارجَ المؤسّسة، بل من خلالها، مستخدمًا صلاحياتِه لتقويتِها وتفعيلِها. في نهايةِ المطاف، الدّولةُ الأكثرُ نجاحًا واستقرارًا هي تلك التي تنجحُ في تحقيقِ هذا التّوازنِ الدّقيق. هي الدّولةُ التي تبني مؤسّساتٍ قويّة بما يكفي لترويضِ طموحِ أقوى الأفراد، وفي الوقتِ نفسِه تكونُ مرنةً بما يكفي للسّماح للأفراد الموهوبين وذوي الرّؤية بقيادتِها نحو مستقبلٍ أفضل. إنّ التّحدّيَ الأبديَّ للحضارةِ الإنسانيّة يكمنُ في بناءِ نظامٍ لا يعتمدُ على فضيلةِ الحاكم وحدَها، بل يُشجّعُ على ظهورِ هذه الفضيلة، ويحمي المجتمعَ من غيابِها.