تحميل

إبحث

في الصميم

القوّة… ذلك الاسم القديم لامتحان الإنسان

power 2

يُخالِجُكَ “مفهومُ القوّة” دون استئذان. يفرضُ حضورَه على فكرك ووجدانك رغماً عنك.
أنتَ المُسمَّر أمام الشاشات، تُتابع ما يُقال أنه يحدث في ذلك المكان البعيد… فنزويلا، لا بوصفه خبرًا عاجلًا، بل بوصفه مشهدًا كاشفًا.
تُدرِك أن المسألة لم تعد تتعلّق برئيس دولة أو بشرعية نظام، بل بسؤالٍ أعمقَ وأخطر:
من يملك حقّ التصنيف والحُكم على العالم؟

ليست القوّة فكرةً بريئة، ولا مفهومًا محايدًا. 

منذ القِدم، لم يكن الإنسان في صراعٍ مع القوّة بقدر ما كان أسيرَها.
يسعى إليها، يخافها، يحاول فهمَها وتطويعَها، يبرّرها حين يمتلكها، يتمرّد عليها حين تُمارَس ضده، أو يتجاهلها حين يعجز عن مواجهتها.
وربما كان السؤال الأقدم الذي لم يُحسَم بعد: هل القوّة وسيلةٌ لحماية الإنسان، أم ذريعةٌ لافتراسه؟

ليست القوّة مجرّد عضلاتٍ مشدودة، ولا خزائنَ ممتلئة، ولا جيوشًا مصطفّةً على الحدود.
القوّة، في جوهرها الأعمق، هي القدرة على التأثير؛ أن تُغيّر مجرى الأشياء، أن تفرضَ اتجاهاً، أو أن تمنعَ انحرافًا.
هي تلك الطاقة الخفيّة التي تجعل الإنسان فاعلًا لا مجرّد متلقٍّ، صانعًا لا شاهدًا فحسب.
القوّة ليست عضلات، ولا جيوشًا، ولا عقوباتٍ تُوقَّع على الورق. في جوهرها المُجرَّد، هي القدرة على فرض المعنى.

####

في أصلها، القوّة غريزةُ بقاء، لكن هذه الغريزة سرعان ما قد تنفلت من عقالها.
فحين يكتشف الإنسان أن القوّة تمنحه امتيازًا، يتحوّل من الدفاع إلى السيطرة، ومن الحماية إلى الإخضاع.
عند هذه النقطة، تبدأ القوّة بتغيير وجهها، وتتحوّل من أداةٍ للحياة إلى امتحانٍ قاسٍ، امتحان ما قبل التغيير وما بعده.

حين تدّعي قوّةٌ عظمى حقَّ ملاحقة أو اعتقال رأسِ دولةٍ أخرى، فهي لا تستهدف شخصًا بقدر ما تستهدف فكرة.
فكرة أن هناك دولًا مستقلّة، وأن السيادة ليست امتيازًا يُمنَح ويُسحَب، وأن القانون ليس سلاحًا بيد الأقوى.
هنا يصبح الصراع بين قوّتَين غير متكافئتَين:
قوّةٌ تدّعي امتلاك الحقّ المطلق، وأخرى تُترك للدفاع عن نفسها داخل حدودها المُحاصَرة.

في هذا الصدام، لا ينتصر العدل، بل ينتصر الأقوى.
هنا تتجلّى القوّة في أكثر أشكالها تجريدًا؛ قوّةٌ تقول للعالم إن ميزان العدالة لا يُمسَك من المنتصف، بل من الأعلى.
وهنا لا تعود المسألة فنزويلا بحدّ ذاتها، بل الرسالة التي تتجاوزها.
من يملك القوّة، يملك حقَّ تعريف الجريمة، حتى لو كان الخصم رئيسَ دولة، وحتى لو كان الشعب قد اختاره أو رفضه بآليّاته الخاصّة.

####

في السياسة، القوّة لا تنتظر الإجماع. لا تسأل: هل هذا عادل؟ بل تسأل: هل هذا ممكن؟

هنا تحديدًا، تنهار الفكرة الرومانسية عن “النظام الدولي”. فالقوّة، حين تبلغ ذروتها، لا تحمي النظام، بل تستبدله بنفسها.
الدولة القويّة لا تحتاج إلى احتلال، ولا إلى دباباتٍ على الحدود.
يكفيها أن تقول: “نحن نعتبرك غير شرعي”، فتبدأ الدولة المُستهدَفة بالانهيار من الداخل،
وتتحوّل شرعيتها إلى سؤال، وسيادتها إلى رأي، ووجودها إلى ملف. هكذا تصبح القوّة السياسيّة لعبةَ سرديّات.

في الاقتصاد، تتجرّد القوّة من ضجيج الشعارات.
تعمل بصمت. المال لا يصرخ، لكنه يأمر. لا يُهدّد، لكنه يُحدّد مصائرَ كاملة: من يعمل، من يجوع، ومن يُهمَّش خارج اللعبة.
القوّة الاقتصاديّة هي الأكثر خفاءً، والأشدّ تأثيرًا، لأنها تُمارَس يوميًا دون إعلان حرب.
شركةٌ واحدة قد تُغيّر نمط حياة مدنٍ كاملة، وسوقٌ واحدة قد تُسقِط حكومات… دون طلقة رصاص.
وحين تتركّز القوّة الاقتصاديّة في أيدٍ قليلة، لا يعود الفقر قدرًا، بل نتيجةً سياسيّةً وأخلاقيّة.

وهنا يعود السؤال الجوهري: هل الاقتصاد في خدمة الإنسان؟ أم الإنسان مجرّد وقودٍ للاقتصاد؟

####

السؤال الفعلي اليوم ليس: أكان النظام الفنزويلي عادلًا أم مُستبدًّا؟ بل: من يملك حقَّ تصنيفه، ومحاكمته، ومعاقبته؟
حين تحتكر القوّة حقَّ الإدانة، تتحوّل العدالة إلى امتياز، وتُختزَل حقوق الإنسان في أداةٍ انتقائيّة، تُستخدَم حين تخدم المصالح، وتُنسى حين تُعيقها.
لهذا، غالبًا ما تكون القوّة الأخلاقيّة هي الأندر، لأنها لا تمنح مكاسبَ سريعة، ولا تصنع تصفيقًا فوريًا.
التاريخ مليءٌ بأقوياء سقطوا لأنهم أساؤوا استخدام قوّتهم، وقليلٌ جدًّا بأقوياء خُلِّدوا لأنهم عرفوا متى يتوقّفون.

القوّة ليست شرًّا مطلقًا، لكنها أخطرُ ما يملكه الإنسان حين لا تُقيَّد.
هي أداةٌ تكشف الجوهر: إن كان صاحبها عادلًا، صارت حماية؛ وإن كان جشعًا، تحوّلت إلى وحش.
ما تكشفه فنزويلا، وغيرها، أن القوّة قادرة على الإخضاع، لكنها عاجزة عن الإقناع.
قادرةٌ على الفرض، لكنها تفشل في صناعة معنى دائم.

فنزويلا ليست سوى مرآة، تعكس سؤالًا أقدم من أميركا نفسها، وأوسع من أي رئيسٍ مهما بلغ جبروته…
هل القوّة قادرة على حكم العالم؟ نعم
هل هي قادرة على منحه معنى؟ لا

power
العلامات

يعجبك ايضاً

أترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

تفعيل التنبيهات نعم كلا