في الشرق الأوسط، كثيرًا ما تُحسَم التحوّلات الكبرى ليس عبر الحروب المباشرة بين الدول، بل عبر مسارات أكثر تعقيدًا، تتداخل فيها الجغرافيا مع الحسابات الإقليمية ومع إدارة فائض القوّة لدى الفاعلين غير الدولتيين في هذا السياق، تبرز فرضية سياسية وأمنية مثيرة للجدل تتعلّق بمستقبل حزب الله في لبنان، وتقوم على تصوّرٍ مفاده أن نهاية الدور العسكري للحزب قد لا تأتي عبر مواجهة تقليدية مع إسرائيل، بل عبر مسار استنزاف طويل ينطلق من الحدود السورية – اللبنانية، ويُعيد تشكيل التوازنات تدريجيًا. لفهم هذه الفرضية، لا بدّ أولًا من العودة إلى الطبيعة الخاصة التي اكتسبها حزب الله داخل النظام اللبناني. فالحزب يُعَدّ قانونيًا جزءًا من الحياة السياسية اللبنانية، إذ يشارك في الانتخابات والبرلمان والحكومات المتعاقبة، ولم يُحظَر نشاطه في الداخل. إلا أن هذا الوضع اكتسب طابعًا استثنائيًا منذ نهاية الحرب الأهلية، حين نصّ اتفاق الطائف على حلّ جميع الميليشيات وتسليم أسلحتها إلى الدولة، لكنه ترك مساحة تفسيرية تتعلّق بسلاح المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، الذي كان قائمًا آنذاك في جنوب لبنان. وفي ظل هذا التفسير، بقي سلاح الحزب خارج إطار الحلّ الذي طال بقية الميليشيات، وتحول تدريجيًا إلى عنصر مركزي في معادلة القوّة داخل البلاد. من تحرير الجنوب إلى إشكالية السلاح عندما وقع الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، بدا أن هذه المعادلة ستدخل مرحلة جديدة. فالسؤال الذي طرحه كثير من اللبنانيين آنذاك كان بسيطًا في ظاهره، لكنه بالغ التعقيد في نتائجه: هل انتهت وظيفة المقاومة، أم أن الصراع ما زال مفتوحًا؟ منذ تلك اللحظة، انقسم المشهد السياسي اللبناني بين من يرى أن السلاح يجب أن ينتقل إلى الدولة، ومن يعتبره عنصر ردع في مواجهة إسرائيل. ومع مرور السنوات، تعمّق هذا الانقسام، خصوصًا بعد صدور قرارات دولية عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، مثل القرار 1559 ثم القرار 1701، دعت إلى حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية. غير أن هذه القرارات بقيت أسيرة التوازنات الداخلية والإقليمية، إذ أصبح حزب الله جزءًا من شبكة إقليمية واسعة ترتبط بمحور تقوده إيران، كما راكم خبرة عسكرية كبيرة خلال سنوات الحرب في سوريا. هذه الخبرة لم تعزّز فقط قدراته القتالية، بل عمّقت حضوره العسكري في المناطق الحدودية الجبلية الممتدة بين البلدين، وهي مناطق وعرة تشكّل، منذ عقود، ممرًا استراتيجيًا لحركة المقاتلين والسلاح. قد لا تأتي نهاية الدور العسكري لحزب الله عبر حربٍ تقليدية مع إسرائيل، بل عبر استنزاف طويل يبدأ من الحدود السورية – اللبنانية ويُعيد رسم التوازنات ببطء معضلة دمشق الجديدة في هذه البيئة الجغرافية والسياسية المعقدة، تظهر فرضية مختلفة تتعلّق بمستقبل الحزب. فبعد سنوات الحرب السورية، برزت معضلة جديدة أمام القيادة السورية الجديدة. فالدولة السورية الخارجة من حرب طويلة تجد نفسها أمام شبكة من الجماعات المسلحة ذات الخلفيات الأيديولوجية المتشددة. هذه الجماعات تمثل عبئًا أمنيًا داخليًا وإحراجًا سياسيًا في علاقات دمشق الدولية، لأنها تُصنّف، في كثير من العواصم، ضمن التنظيمات المتطرفة. وفي الوقت نفسه، فإن العلاقة المعقّدة بين هذه الجماعات والسلطة السورية الجديدة تجعل تفكيكها المباشر عملية محفوفة بالمخاطر، إذ إن بعضها شارك في مراحل مختلفة من الصراع الذي أدّى إلى التحولات السياسية في البلاد. في مثل هذه الحالات، تلجأ بعض الدول إلى إعادة توجيه فائض القوة المسلحة بدل تفكيكه فورًا. ومن هنا تنشأ الفرضية القائلة إن الحدود اللبنانية – السورية قد تتحول إلى مسرح لمواجهة غير تقليدية بين هذه الجماعات وبين حزب الله. فالقيادة السورية قد تجد في دفع هذه الفصائل نحو الجبهة الحدودية مخرجًا مزدوجًا: من جهة، تتخلص من عبء الجماعات التي تضعها في مواجهة المجتمع الدولي، ومن جهة أخرى، تعيد تثبيت سيطرة الدولة على المناطق الحدودية عبر استنزاف هذه الفصائل في معارك طويلة. الجغرافيا التي تصنع الحرب الجغرافيا هنا ليست تفصيلًا ثانويًا. فجبال القلمون والجرود الممتدة بين لبنان وسوريا تشكّل بيئة قتال مختلفة تمامًا عن الحروب التقليدية. إنها مناطق شديدة الوعورة، مليئة بالممرات القديمة التي يعرفها أهلها والمقاتلون الذين تحركوا فيها خلال سنوات الحرب السورية. هذه التضاريس تجعل العمليات العسكرية النظامية صعبة، لكنها، في المقابل، توفر ظروفًا مناسبة لحروب الاستنزاف الطويلة التي تعتمد على الكمائن والتسلل والضربات المفاجئة. ومن هذا المنظور، يصبح السيناريو المفترض أكثر وضوحًا، إذ يمكن أن تبدأ المواجهة باشتباكات متفرقة، تتحول تدريجيًا إلى صراع منخفض الوتيرة، لكنه طويل الأمد. الجانب الأكثر حساسية في هذه الفرضية يرتبط بالدور الإسرائيلي. فإسرائيل، رغم عدائها الواضح لحزب الله، تواجه قيودًا كبيرة على أي تدخل بري واسع في المناطق الجبلية الحدودية. وتوفر العمليات الجوية قدرة على إلحاق الضرر، لكنها لا تكفي لتفكيك شبكة عسكرية منتشرة في القرى والجبال. لهذا، يرى بعض المحللين أن استنزاف الحزب عبر قوى أخرى قد يحقق هدف إضعافه من دون التورط في حرب برية مباشرة، خصوصًا إذا جرى ذلك في مناطق حدودية معقدة يصعب على الجيوش التقليدية العمل فيها بفاعلية. الاستنزاف كأداة لإعادة تشكيل الدور إذا استمر هذا النوع من المواجهات لسنوات، فإن النتيجة المحتملة قد تكون إعادة تشكيل تدريجية لدور حزب الله داخل لبنان. فاستنزاف قدراته العسكرية وكوادره القتالية قد يدفعه، في النهاية، إلى التحول أكثر نحو دوره السياسي داخل النظام اللبناني، ليصبح حزبًا ذا وزن سياسي كبير، لكن بقدرات عسكرية أقل بكثير مما يمتلكه اليوم. غير أن هذا السيناريو يبقى محفوفًا بالمخاطر، لأن الحزب يمتلك خبرة قتالية واسعة اكتسبها في الحرب السورية، كما يتمتع ببنية تنظيمية وأمنية متماسكة في المناطق الحدودية. إضافة إلى ذلك، فإن أي تصعيد طويل قد يفتح الباب أمام تدخلات إقليمية أوسع، ما قد يحوّل الصراع من حرب استنزاف محدودة إلى مواجهة إقليمية أكثر اتساعًا. الشرق الأوسط وإعادة رسم الأدوار في النهاية، تبدو هذه الفرضية جزءًا من نقاش أوسع حول مستقبل الفاعلين المسلحين غير الدولتيين في الشرق الأوسط بعد عقد من الحروب. فالسؤال لم يعد يتعلق فقط بمن ينتصر في المعركة، بل بكيفية إعادة تشكيل أدوار القوى العسكرية والسياسية داخل الدول التي أنهكتها الصراعات. في منطقة اعتادت أن تتغير موازينها عبر مسارات غير متوقعة، يبقى احتمال تحوّل الحدود السورية - اللبنانية إلى مسرح لإعادة صياغة دور حزب الله احتمالًا يستحق التأمل، حتى لو بقي، حتى الآن، في إطار السيناريوهات التحليلية أكثر منه في إطار الوقائع القائمة.
لم تكن الدراما السورية يومًا مجرد صناعة ترفيهية. كانت، على امتداد عقود، أحد أهم أدوات تشكيل الوعي العام في الداخل والخارج، ومرآة مدروسة تعكس ما يُسمح بعكسه. وبينما عرف السوريون شاشاتهم عبر الحارات الدمشقية، والأبطال التاريخيين، والحكايات الاجتماعية المشغولة بعناية، كانت هناك سردية أخرى تُدار في الخلفية: سردية السلطة اليوم، بعد الثورة وما أعقبها من تحولات انتهت بسقوط النظام في ديسمبر 2024، تقف الدراما السورية أمام منعطف وجودي. لم يعد السؤال: ماذا ننتج؟ بل: أي حكاية نروي؟ ولمن؟ زمن الدراما المسموح بها خلال عقود حكم حافظ الأسد ثم بشار الأسد، ازدهرت الدراما السورية إقليميًا. نجحت في اقتحام الشاشات العربية، وتفوّقت في الأداء التمثيلي والنصوص الاجتماعية، وخلقت هوية بصرية مميزة. غير أن هذا الازدهار لم يكن حرًا بالكامل. لم تكن الرقابة دائمًا مباشرة أو معلنة، لكنها كانت حاضرة في الوعي المهني لكل كاتب ومنتج. الاقتراب من الفساد الإداري ممكن، لكن المساس بالبنية السياسية للنظام خط أحمر. كان يُسمح بالنقد، شرط ألا يتحول إلى مساءلة. مسلسلات مثل يوميات مدير عام قدّمت صورة ساخرة عن البيروقراطية، لكنها أبقت المسؤولية في إطار “خلل مجتمعي” أو فساد فردي، لا في سياق نظام سياسي مركزي. الحارة بوصفها ملاذًا في المقابل، شهدت الدراما الشامية طفرة إنتاجية. أعمال مثل باب الحارة لم تكن مجرد حنين إلى الماضي، بل إعادة إنتاج نموذج مجتمع تقليدي منضبط، تُدار توازناته عبر سلطة ذكورية وأخلاقية واضحة. يرى نقاد أن هذه الأعمال أدّت وظيفة مزدوجة: توفير مادة جماهيرية جذابة، وفي الوقت نفسه تكريس خيال جمعي محافظ ومنزوع السياسة. الحارة هنا ليست فقط مكانًا، بل استعارة لوطن مضبوط الإيقاع. التاريخ كقناع الدراما التاريخية أيضًا شكّلت مساحة آمنة. عبر العودة إلى عصور بعيدة، طُرحت أسئلة السلطة والخيانة والعدالة ضمن سياق قبلي أو إمبراطوري، ما أتاح إسقاطات رمزية دون مواجهة مباشرة مع الواقع. بهذه المعادلة، أنتجت سوريا دراما قوية تقنيًا، لكنها محكومة بسقف سياسي منخفض. من قبضة الرقابة إلى فوضى الذاكرة… هذه هي معركة الدراما اليوم 2011: لحظة الانقسام مع اندلاع الثورة السورية، دخلت الصناعة مرحلة ارتباك عميق. انقسم الوسط الفني بين مؤيد ومعارض، وهاجر كثير من الممثلين والمخرجين. توقّف بعض الإنتاج، وتحول بعضه الآخر إلى أدوات تعبئة. لم يعد بالإمكان الفصل بين الموقف السياسي والهوية المهنية. الفنان نفسه أصبح موضوعًا للجدل. لكن التحول الأعمق لم يكن آنذاك في الشكل، بل في التراكم. مع استمرار الحرب، تراكمت قصص لم يكن بالإمكان تجاهلها: المعتقلات، القصف، المنفى، النزوح، الاختفاء القسري. ما بعد 2024: كسر المحظور سقوط النظام لم يُعد فقط تشكيل المشهد السياسي، بل أعاد ترتيب وظيفة الدراما نفسها. بدأت مشاريع درامية تتناول مباشرة حقبة حكم آل الأسد، بما فيها ملفات الاعتقال والتعذيب والفساد البنيوي. لم يعد السجن رمزًا، بل واقعًا موثقًا. ولم يعد الفساد ظاهرة هامشية، بل منظومة. أعمال قيد التحضير تتناول مجزرة حماة، وسنوات الثورة، وحكايات المعتقلين، اعتمادًا على شهادات حية وذاكرة شعبية. هنا، تتحول الدراما إلى مساحة استعادة سردية وطنية حاول النظام طمسها. تحوّل البطل اختفى “القبضاي” الذي يحل النزاعات بالعصا، ليحلّ مكانه إنسان ممزق بين فقدان البيت والبحث عن معنى. لم تعد البطولة أخلاقية تقليدية، بل وجودية. لم تعد دمشق وحدها مركز الإنتاج. انتقلت الصناعة جزئيًا إلى بيروت وإسطنبول وأوروبا، وتعددت مصادر التمويل. هذا التشتت يعكس واقع سوريا نفسها: لا مركز واحد، بل روايات متعددة. في سياق المجتمعات الخارجة من النزاعات، تلعب الثقافة دورًا مكملًا لمسارات العدالة الانتقالية. الدراما، بما تمتلكه من قوة سردية وانتشار جماهيري، يمكن أن تصبح وسيلة كشف وتوثيق. إعادة تمثيل الألم ليست مجرد فعل فني، بل مساهمة في بناء ذاكرة جماعية. غير أن هذا الدور يحمل مخاطر أيضًا: خطر التسييس الجديد، أو تحويل المعاناة إلى مادة استهلاكية. سوريا على الشاشة… من سردية الدولة إلى صوت الضحايا تحديات المرحلة الجديدة رغم اتساع هامش الحرية، تواجه الدراما السورية تحديات واضحة، ضعف البنية الإنتاجية بعد سنوات الحرب. اعتماد متزايد على تمويل خارجي قد يفرض أجندات. سوق إقليمي متردد في تبنّي سرديات سياسية حادة. الحرية متاحة أكثر من السابق، لكنها ليست بلا شروط. إذا كانت دراما ما قبل 2011 تعكس استقرارًا مُدارًا بعناية، فإن دراما ما بعد الثورة تعبّر عن قلق مفتوح. تعدد الأصوات حلّ محل الرواية الواحدة. التحول هنا ليس في الموضوعات فقط، بل في الفلسفة: من صناعة وطن متخيّل مستقر، إلى تفكيك وطن جريح يبحث عن تعريف جديد لنفسه. الشاشة كساحة صراع في الحالة السورية، لا يمكن النظر إلى الدراما بوصفها ترفًا. إنها إحدى ساحات الصراع على المعنى. من يروي القصة؟ ومن يُعرّف الضحية والجلاد؟ ومن يملك الذاكرة؟ بين “حارة” مُسيّجة بخطاب أخلاقي، و”معتقل” مفتوح على شهادات الألم، تختصر المسافة الدرامية مسار بلد بأكمله. التحول الذي تشهده الدراما السورية اليوم ليس مجرد تطور فني، بل إعادة تموضع ثقافي. من صناعة تحت سقف السلطة، إلى معركة على الذاكرة والهوية. والسؤال المفتوح: هل ستنجح الدراما في لعب دورها كمساحة نقد ومصالحة، أم ستدخل في دورة سردية جديدة محكومة بتوازنات أخرى؟ الإجابة لم تُكتب بعد. لكن المؤكد أن الشاشة السورية لم تعد كما كانت.
بعد جولاتٍ من اللقاءات والمفاوضات، والأخذِ والردّ، والتخبّطِ السياسيّ، والحقدِ المذهبيّ، والاستخفافِ الإنسانيّ، وافق لبنان على إطلاق سراح الموقوفين والمحكومين السوريّين في سجونه، الذين قضوا أكثر من عشر سنواتٍ من عقوبتهم، ما يسمح بتسليم الغالبيّة منهم، بما في ذلك من أدانتهم المحاكم اللبنانيّة بجرائم قتلِ مدنيّين وعسكريّين لبنانيّين. هكذا سقط مبدأ «المتاجرة» بدمِ الجيش اللبنانيّ وقتلةِ العسكريّين، لكنّه بقي، وبوقاحةٍ عنصريّةٍ فجّة، مسلّطًا على شريحةٍ محدّدةٍ من اللبنانيّين، ممّن تنظر إليهم دولتهم باعتبارهم فائضًا بشريًّا، مواطنين من درجاتٍ دنيا، لا ظهرَ لهم ولا دولَ خلفهم، لا قوى كبرى ولا منظّماتٍ حقوقيّة أو مدنيّة ترى فيهم قضيّةً تستحقّ العناء. لبنانيّون يُعاملون كأنّهم كائناتٌ وافدة، لا يستحقّون لا حقّ المواطنة ولا أبسطَ معايير العدالة والإنسانية. اليوم، بين جدران سجن روميّة العفِنة، هناك لبنانيّون مظلومون يتمنّون لو كانوا سوريّين، لا حبًّا بسوريا، بل كرهًا بدولةٍ لبنانيّة لا ترى في أبناءها إلّا أرقامًا قابلةً للشطب و”التجارة” حين تقتضي الحاجات. يتمنّون أن يكون لهم من يفاوض باسمهم، من يرفع صوتهم، لا من يدفنهم أحياءً ويطمس أسماءهم. بحساباتكم الضيّقة، هو مجرّد ملفٍّ سياسيّ–أمنيّ، ورقةُ تفاوض، تفصيلٌ قابلٌ للإقفال السريع، تمهيدًا لما تسمّونه «تصحيح» العلاقات مع سوريا الجديدة، ولو كان الثمن ما تبقّى من كرامة هذا البلد. أمّا في حسابات المؤمنين بالله وعدالته، فالأمر مختلفٌ تمامًا. إنّه ظلمٌ ثقيل، متراكم، يتجوّل بلا رادع، ويتمدد بلا خوف، ويطاول أناسًا تقتلهم دولتهم بدمٍ بارد، ببطءٍ محسوب، ومن دون أن ترتجف لها يدٌ أو يرفّ لها جفن. باستعلاء. تلك حساباتكم، لكن لنا حساباتنا. حساباتٌ لا تُقاس بالأسماء ولا بالمناصب، ولا تتوقّف عند جوزيف عون ولا أحمد الشرع ولا محمد بن سلمان، ولا حتى دونالد ترامب. حساباتٌ تعرف أنّ الظلم لا يُقفل ببيان، ولا يُمحى بتسوية، ولا يُدفن بقرار. حساباتٌ ترى في صمتِ البحر إنذارًا، وفي هيجانه وعدًا، وفي عمقه كائنًا قد لا يظهر كثيرًا، لكنّه حين يخرج، لا يفاوض ولا يشرح ولا يطلب الإذن. حوتًا، كحوتِ يونس، لا ليبتلع فردًا، بل ليقضم معادلاتٍ كاملة، ويقلب طاولات، ويغير نظام الكون ويعيد كتابة المشهد دفعةً واحدة. وعندها، لن تنفع السجون، ولا الصفقات، ولا الأختام الرسميّة. الظلم لا يموت، بل يتعلّم كيف يعود لينتصر، ولو بعد حين… غدا الجمعة، عند الساعة ١٢:٣٠، دعوة عامة للجميع للاعتصام أما السراى الحكومي في وسط بيروت، نصرة للمظلومين والإنسانية…