ليس أكثر سخريةً من عالم يستطيع أن يفهم إشارة صغيرة على جدار مطار في أقصى الأرض، فيعرف منها أين يذهب، وأين يصل، ومتى يُمنع من التدخين، لكنه يحتاج إلى عقود كي يفهم أن الفلسطيني، قبل أن يكون قضية سياسية أو عنوانًا في نشرات الأخبار، هو إنسان يحمل ذاكرة وبيتًا وأرضًا وحكاية. من بين أولئك الذين ساهموا في جعل العالم يتفاهم من دون كلمات، كان رجل فلسطيني يُدعى راجي كوك، المعروف في الولايات المتحدة باسم روجر كوك، وهو مصمم وفنان فلسطيني-أميركي وُلد عام 1930، وساهم مع زملائه في تصميم مجموعة من الرموز التي أصبحت جزءًا من الحياة اليومية الحديثة، من رموز دورات المياه ومنع التدخين والهاتف إلى علامات الوصول والمغادرة وغيرها من الإشارات التي يستطيع الناس فهمها مهما اختلفت لغاتهم. ساعد كوك في صناعة لغة بصرية عالمية لا تحتاج إلى مترجم، لكنه حين عاد إلى فلسطين واكتشف أن المأساة التي يحملها اسمه أكبر من أن تختصرها الكلمات، انتقل من تصميم الإشارات التي تقول للناس: «إلى أين تذهبون؟» إلى صناعة أعمال فنية تسأل العالم سؤالًا أكثر قسوة: لماذا لا تريدون أن تروا أين ذهبت فلسطين؟ الصورة لغة كان كوك واحدًا من المصممين الذين ساهموا في تطوير مجموعة من الرموز البصرية التي أصبحت جزءًا من المشهد العالمي الحديث. كانت الفكرة أن العالم، بكل اختلافاته، يستطيع أن يتحدث بلغة واحدة، وأن تتجاوز الصورة الحدود التي تضعها الكلمات بين البشر. لكن هنا تبدأ المفارقة الفلسطينية، إذ إن الرجل الذي ساعد البشرية على تجاوز الحواجز اللغوية وجد نفسه أمام قضية لم تستطع اللغة نفسها أن تنقذها من التجاهل، وكأن المشكلة لم تعد في قدرة الإنسان على فهم الرسالة، وإنما في رغبته في الإصغاء إليها. skip render: ucaddon_material_block_quote من هندسة الإشارة إلى هندسة الذاكرة حين ذهب راجي كوك إلى الشرق الأوسط ضمن مجموعة كنسية، لم يعد فلسطينيًا يعيش في أميركا ويحمل حكاية عائلية عن أرض بعيدة، بل رأى فلسطين بعينيه، وشاهد ما كان بالنسبة إليه، حتى ذلك الوقت، جزءًا من ذاكرة وهوية يتحول أمامه إلى واقع حي ومؤلم. وكان لهذه الرحلة أثر عميق في حياته، إذ عاد وفي داخله سؤال لا علاقة له بالتصميم: ماذا يستطيع الإنسان أن يفعل عندما يرى الظلم ولا يستطيع أن يتجاهله؟ كان جوابه الفن. بدأ يجمع الأشياء من الأسواق الشعبية وأسواق المستعمل، ثم يعيد تركيبها في أعمال فنية تحمل ذاكرة الهدم والاقتلاع والعقاب الجماعي وتدمير البيوت، مستعينًا بأشياء قد تبدو في ظاهرها عادية أو مهملة، لكنه كان يمنحها داخل أعماله معنى جديدًا يجعلها شاهدة على حياة وأمكنة وأناس مهددين بالنسيان. لم يكن يرسم فلسطين كما تُرسم في الكتيبات السياحية، وإنما كما عاشها الإنسان الفلسطيني: بيتًا يمكن أن يُهدم، وعائلة يمكن أن تُقتلع، وذاكرة يمكن أن يحاول التاريخ الرسمي محوها. «صنع في فلسطين»… الاسم الذي أخاف القاعات ثم جاء معرض «صنع في فلسطين»، وهو مشروع فني حمل عنوانًا يبدو بسيطًا في عالم المعارض، لكنه تحوّل في بعض الأماكن إلى اختبار سياسي وثقافي قبل أن يكون اختبارًا فنيًا. فقد واجه المعرض رفضًا من مؤسسات عديدة، حتى بدا أحيانًا أن المشكلة لم تكن في الأعمال الفنية بقدر ما كانت في الاسم المكتوب على الباب: فلسطين. هنا يظهر الوجه الأكثر غرابة في الحكاية؛ فالعالم الذي قبل رموز كوك عندما كانت منفصلة عن هويته السياسية، وجد صعوبة في استقبال أعماله عندما أصبحت تحمل اسم وطنه وذاكرته، وكأن المشكلة لم تكن في أن الفلسطيني يتحدث، وإنما في أن يسمعه أحد. لم يكن كوك يطلب من الفن أن يحسم نزاعًا سياسيًا بقدر ما كان يريد أن يفتح مساحة يمكن فيها للصورة الفلسطينية أن تُرى وأن تتحدث بلغتها الخاصة، إلا أن مجرد حضور كلمة «فلسطين» كان كافيًا، في بعض الحالات، لتحويل معرض فني إلى موضوع شديد الحساسية. الفلسطيني الذي علّم العالم الصمت راجي كوك لم يكن مجرد مصمم أو فنان فلسطيني في أميركا، بل كان رجلًا عاش بين عالمين: عالم التصميم الذي منحه فرصة لصناعة لغة بصرية يفهمها الملايين، وعالم الذاكرة الفلسطينية الذي أعاده إلى أسئلة الهوية والأرض والاقتلاع. وربما لهذا تبدو حياته تجسيدًا لمفارقة فلسطينية كبرى؛ ففي المرحلة الأولى ساعد العالم على اختراع لغة يفهمها الجميع، وفي المرحلة الثانية حاول أن يستخدم الصورة كي يقول ما عجزت السياسة عن قوله. من تصميم الإشارة إلى هندسة الذاكرة… كانت فلسطين مشروعه الأكثر إيلامًا الصمت فضيحة ربما لهذا تبدو قصة راجي كوك أكبر من قصة مصمم فلسطيني نجح في أميركا، فهي قصة رجل جعل العالم يتحدث بلغة واحدة، ثم اكتشف أن المشكلة ليست في اختلاف اللغات، وإنما في اختلاف الرغبة في الاستماع. فلسطين لم تكن تفتقر إلى الكلمات، فمنذ عقود وهي تتحدث عبر الكتاب والصورة والشهادة والتوثيق والفن، وعبر أجيال كاملة تحمل ذاكرة آبائها وأجدادها، لكن المشكلة أن عليها في كل مرة أن تعيد شرح ما حدث، وكأن المأساة مطالبة باستمرار بتقديم دليل جديد على وجودها. هنا يصبح الصمت أكثر من مجرد غياب للكلام، لأنه يتحول إلى موقف حين يكون الإنسان قادرًا على رؤية الألم ثم يختار أن يمر أمامه كما لو أنه لم يره. فالعالم الذي استطاع أن يفهم رمزًا صغيرًا لسيجارة مشطوبة يستطيع أحيانًا أن يرى بيتًا مهدّمًا ولا يفهم ماذا يعني ذلك، والعالم الذي يعرف فورًا أن رمزًا معينًا يعني «ممنوع الدخول» يستطيع أن يقف طويلًا أمام شعب بأكمله وهو يُمنع من الدخول إلى ذاكرته وتاريخه، ثم يتساءل ببرود عن سبب استمرار المشكلة. الأيقونات تتكلم ربما كانت أعظم مفارقات راجي كوك أنه صنع للعالم لغة لا تحتاج إلى ترجمة، ثم ترك وراءه فنًا يحتاج العالم إلى شجاعة كي يقرأه. لقد كان قادرًا على جعل الإنسان يعرف أين يذهب بمجرد النظر إلى علامة، لكنه أراد، في نهاية المطاف، أن يجعل الإنسان ينظر إلى فلسطين بالطريقة نفسها التي ينظر بها إلى أي إشارة واضحة، وأن يرى في البيت المهدّم أكثر من صورة، وفي الطفل الغائب أكثر من رقم، وفي العائلة المقتَلعة أكثر من خبر عابر، وفي الذاكرة التي تقاوم أكثر من مجرد مادة في معرض فني. لقد صمّم الفلسطيني أيقونات يفهمها العالم كله، لكن أكثر أيقوناته إيلامًا لم تكن رجلًا أو امرأة أو هاتفًا أو سيجارة مشطوبة، وإنما كانت فلسطين نفسها؛ تلك العلامة التي يعرف الجميع اسمها، لكن العالم ظل يتصرف، في كثير من الأحيان، كأنه لا يعرف معناها. skip render: ucaddon_box_testimonial
skip render: ucaddon_box_testimonial هنا لا تعود المسألة مجرد إعلان تجاري، بل تصبح معركة على الذاكرة: من يحق له أن يظهر كضحية، ومن يُدفع إلى خارج الكادر؟ بطل الإعلان اختارت شركة «أديداس» الرياضية العالمية شاليف بيتون، الجندي الإسرائيلي السابق الذي فقد ساقه، للترويج لحملتها الجديدة لحذاء فردي مخصص لمن فقد أحد أطرافه. الصورة مثالية بكل المقاييس التسويقية: رياضي مبتور، وإرادة تتحدى الإصابة، وحذاء واحد يتحول إلى رمز للاستقلال والقدرة على مواصلة الحياة. لكن الصورة النظيفة تخفي وراءها تاريخًا لا يبدو أن الإعلان يريد للمشاهد أن يسأل عنه. في مايو/أيار 2021، أُصيب بيتون بجروح بالغة بعدما استهدف صاروخ فلسطيني موجّه الآلية العسكرية التي كان يستقلها. وتربط روايات فلسطينية سيرته بالخدمة قناصًا في الكتيبة 931 خلال «مسيرات العودة الكبرى» في قطاع غزة. الجسد الغائب هنا تبدأ المفارقة التي لا يستطيع أي حذاء أن يغطيها. «مسيرات العودة» لم تكن قصة رياضي يتحدى الإعاقة، بل كانت واحدة من أكثر مراحل المواجهة الفلسطينية ـ الإسرائيلية دموية، خلّفت أكثر من مئتي قتيل فلسطيني وعشرات آلاف الجرحى، بينهم آلاف الأطفال، إضافة إلى إصابات أدت إلى بتر أطراف وإعاقات دائمة. كان هناك جنود إسرائيليون في الجهة المقابلة، وكان هناك فلسطينيون يحملون أجسادهم المنهكة من آثار المواجهة. لكن عندما وصلت القصة إلى الإعلان، بقي جسد الجندي، واختفى السياق. لا أحد يقول إن الإنسان يفقد حقه في التعاطف لأنه كان جنديًا، ولا ينبغي أن تتحول الإعاقة نفسها إلى تهمة. لكن هناك فرقًا هائلًا بين التعاطف مع إنسان فقد ساقه، وبين تحويل هذه الإصابة إلى قصة إنسانية مكتملة بعد اقتطاع الظروف التي أنتجتها من الرواية. أيُّ ألم يُرى؟ السؤال إذن ليس: لماذا اختارت «أديداس» رجلًا مبتور الساق؟ السؤال هو: لماذا اختارت أن تحكي قصة بتر واحدة، وكأن آلاف عمليات البتر الفلسطينية لا وجود لها؟ لماذا يصبح الجسد الإسرائيلي قصة إلهام عالمية، بينما يتحول الجسد الفلسطيني إلى رقم في تقرير حقوقي؟ لماذا يُطلب من العالم أن يرى الألم الإسرائيلي باعتباره مأساة إنسانية، فيما يُختزل الألم الفلسطيني في أرقام القتلى والجرحى؟ منذ اندلاع الحرب على غزة، تجاوز عدد القتلى الفلسطينيين عشرات الآلاف، واستمر سقوط الضحايا في القطاع والضفة الغربية المحتلة. وخلف هذه الأرقام أطفال فقدوا أطرافهم، وعائلات فقدت أبناءها، وأجساد ستعيش بقية حياتها محمّلة بآثار الحرب. نصف الحقيقة ومع ذلك، لا تصل هذه الأجساد إلى الإعلانات بالطريقة نفسها. إنها ليست مصادفة بصرية، بل مشكلة في الرواية نفسها. فالدعاية الحديثة لا تحتاج دائمًا إلى الكذب الصريح؛ يكفيها أن تختار نصف الحقيقة، وأن تضعه تحت إضاءة جيدة، ثم تترك النصف الآخر في الظلام. هكذا يصبح الجندي «رياضيًا ملهمًا»، وتصبح الإصابة «قصة انتصار»، فيما تختفي خلف الصورة أسئلة الاحتلال والحرب والضحايا والمسؤولية. يمكن للحذاء أن يساعد إنسانًا على استعادة قدرته على الحركة، وهذه غاية إنسانية لا خلاف عليها. لكن لا يمكن لحذاء واحد أن يعيد ساقًا إلى طفل فلسطيني، أو يعيد الحياة إلى قتيل، أو يمحو ذاكرة شعب عاش عقودًا تحت الاحتلال. المشكلة ليست في الحذاء، بل في ما أُريد للحذاء أن يمحوه. فحين يظهر الجرح الإسرائيلي في واجهة الإعلان بوصفه بطولة، بينما يُدفن الجرح الفلسطيني في خلفية المشهد، لا تعود صناعة الإعلان مجرد تسويق لمنتج؛ إنها صناعة لرواية تختار من يستحق أن يكون إنسانًا كاملًا أمام الكاميرا، ومن يبقى مجرد رقم خارجها. لم يكن المطلوب من «أديداس» أن تروي تاريخ الصراع كله في إعلان تجاري، لكن كان يمكنها، على الأقل، ألا تجعل الجرح منفصلًا عن السياق الذي أنتجه. لأن الاحتلال قد يملك السلاح والجدار والقوة، لكنه يحتاج أيضًا إلى شيء آخر كي يستمر: أن يصبح الألم الفلسطيني قابلًا للنسيان. والحذاء، مهما كان لامعًا، لا يستطيع أن يمحو الجريمة من الذاكرة. skip render: ucaddon_material_block_quote
تُمثّل هوليوود، منذ نشأتها، ذراعًا أيديولوجية بالغة الأثر في صياغة الوعي الجمعي العالمي، وإعادة رسم التاريخ وفقًا لمصالح القوى المهيمنة على صناعة الإنتاج السينمائي والسياسي في الولايات المتحدة. في قلب هذه المنظومة المعقّدة، برز جيل من صنّاع السينما الذين أتقنوا لعبة «الأجندة الليبرالية» والدفاع الصاخب عن قضايا حقوق الإنسان حول العالم، مقدّمين أنفسهم كأوصياء أخلاقيين على الضمير الإنساني، وعلى رأس هذا الجيل يتربّع النجم والمخرج والمنتج الأميركي جورج كلوني. بطل من ورق لفترة طويلة، احتفت المنصات والمجتمعات العربية والنامية بكلوني كبطل إنساني، نتيجةً لمواقفه في بعض الصراعات الإفريقية، أو لزواجه من المحامية الحقوقية ذات الأصول العربية أمل علم الدين. إلا أن القراءة التفكيكية العميقة لمسيرته السينمائية، ومواقفه الجيوسياسية، وتصريحاته الأخيرة في مهرجان البندقية السينمائي، تكشف عن حقيقة مغايرة تمامًا؛ فنحن لسنا أمام ناشط حقوقي مستقل، بل أمام «صهيوني ناعم» يرتدي قناع الليبرالية لخدمة منظومة هوليوود الاستعمارية، وتوظيف قضايا المظلومية التاريخية لشرعنة سياسات الاحتلال وتقسيم الدول العربية. تاريخيًا، هناك نقاش نقدي مستمر قاده مفكرون كبار مثل إدوارد سعيد في تفكيكه للمركزية الغربية، والمؤرخ نورمان فينكلشتاين في كتابه الأيقوني «صناعة الهولوكوست»، حيث يوضح هذا الفكر النقدي كيف تم تحويل الإبادة الجماعية لليهود على يد النازية من مأساة إنسانية تاريخية إلى «صناعة» تهدف إلى حظر نقد الصهيونية وإسرائيل، وتوفير حصانة أخلاقية دائمة للاحتلال الإسرائيلي، عبر تذكير الغرب والشرق بـ«الذنب الجماعي» تجاه اليهود. skip render: ucaddon_material_block_quote لائحة الصناعة الهولوكوستية ولم يكن جورج كلوني غائبًا عن هذه الصناعة، بل كان مساهمًا بارزًا فيها من خلف الكاميرا وأمامها، مكمّلًا مسيرة أفلام كلاسيكية ترويجية مثل Exodus (1960) وSchindler’s List (1993). ويتجلّى هذا التوظيف الأيديولوجي في فيلمه «رجال الآثار» (The Monuments Men – 2014)، الذي قام بكتابته وإخراجه وإنتاجه وبطولته، متناولًا قصة فرقة من الحلفاء تسعى لإنقاذ التحف الفنية والمقتنيات الثمينة التي نهبها النازيون، حيث يركّز العمل بشكل مكثّف وغير متناسب على إعادة الممتلكات إلى الضحايا اليهود، ليساهم في ترسيخ مفهوم «فرادة المعاناة اليهودية»، وتوجيه الوعي الجمعي الغربي نحو استمرار التعاطف المالي والأخلاقي مع الحركة الصهيونية. هذا البعد الفكري يتقاطع تمامًا مع بطولته لفيلم «الألماني الصالح» (The Good German – 2006)، الذي أعاد صياغة مشهد الدمار وجرائم النازية في بيئة سوداوية تعزّز السردية التقليدية التي تؤكد الذنب الأوروبي/الألماني الجماعي، وهو ذاته الذنب التاريخي الذي استغلّته الحركة الصهيونية ولوبياتها لعقود طويلة لانتزاع الدعم السياسي والمالي غير المشروط لإسرائيل، وتحويل التعويضات الألمانية إلى ميزانيات تسليح لجيش الاحتلال لقمع الشعب الفلسطيني. ملف السودان ولا تقتصر صهيونية كلوني المقنّعة بالليبرالية على الشاشة الفضية، بل امتدت لتصبح أداة تنفيذية في السياسة الخارجية الأميركية الموجّهة ضد العالم العربي. ويبرز ملف السودان كشاهد ملك على كيفية استخدام كلوني لـ«العمل الإنساني» كغطاء لتنفيذ مخططات جغرافية تخدم أمن إسرائيل المطلق. فمن الناحية الاستراتيجية، تقع خطة تقسيم السودان وفصله عن عمقه العربي والإسلامي في قلب الاستراتيجية الصهيونية القديمة، والمعروفة بـ«مشروع برنارد لويس» لتفتيت الدول العربية الكبرى، و«وثيقة يينون» التي رأت في إضعاف وتفتيت مصر والعراق والسودان ضرورة حتمية لضمان الهيمنة الإسرائيلية. وقد أسهم كلوني في هذا المشروع عبر هندسة إعلامية شرسة ركّزت على تصوير النزاع في السودان على أنه صراع ديني وعرقي حتمي بين «شمال عربي مسلم ظالم ومضطهد» و«جنوب مسيحي وإفريقي مظلوم»، وهي قراءة سطحية موجّهة نزعت عن الصراع أبعاده الاقتصادية والقبلية المعقّدة، وشرعنت فكرة الانفصال دوليًا كحل وحيد وأخلاقي للأزمة. ولم يتوقف الأمر عند الخطاب الإعلامي، بل أسّس كلوني عام 2010 مشروع القمر الصناعي الحارس (Satellite Sentinel Project)، بالتعاون مع الناشط الأميركي جون بريندرغاست، مستخدمًا الأقمار الصناعية التجارية لمراقبة الحدود بين شمال السودان وجنوبه، وهو مشروع لم يكن عملًا إنسانيًا بريئًا لحماية المدنيين، بل كان أداة استخباراتية غربية مكشوفة تحت غطاء مدني، هدفت إلى تأمين عملية الاستفتاء، ورسم الحدود الجديدة لدولة جنوب السودان، والضغط على حكومة الخرطوم لضمان انتزاع الآبار النفطية لصالح الشركات الغربية، وحرمان الدولة السودانية من مواردها الأساسية. هذه الحملة الصاخبة حول السودان جمعت تحالفًا نادرًا يكشف طبيعة الأجندة المشتركة، حيث التقت النخبة الليبرالية في هوليوود، المقرّبة من الحزب الديمقراطي واللوبي الإسرائيلي، مع اليمين المسيحي المتطرف «الإنجيليين الصهاينة» في أميركا، والذين ضغطوا معًا بقوة على الإدارات الأميركية المتعاقبة لدعم الحركة الشعبية لتحرير السودان؛ وهو توافق لم يكن ليحدث إلا لأن الهدف النهائي يخدم مصلحة استراتيجية صهيونية عليا، تتمثل في إضعاف الدولة السودانية وتأمين حليف جديد لإسرائيل في منطقة حوض النيل، لإطباق الحصار على الأمن القومي العربي. وفور إعلان استقلال جنوب السودان عام 2011 — والذي احتفل به كلوني كإنجاز شخصي — سقط القناع عن المخطط، إذ كانت إسرائيل من أوائل الدول التي اعترفت بالدولة الجديدة وفتحت فيها سفارة، وقام رئيس جنوب السودان سيلفا كير بزيارة فورية إلى تل أبيب لتقديم الشكر لقادة الاحتلال على دعمهم التاريخي للحركة الانفصالية منذ ستينيات القرن الماضي، ليتحوّل جنوب السودان إلى قاعدة نفوذ أمني وعسكري واستخباراتي لإسرائيل في العمق الإفريقي. أما الفضيحة الأخلاقية لكلوني، فتمثّلت في انسحابه التدريجي التام من المشهد فور إتمام التقسيم؛ حيث غرق جنوب السودان سريعًا في حرب أهلية طاحنة ودموية بين قبيلتي الدينكا والنوير، أدت إلى مجاعات فظيعة وجرائم تطهير عرقي ارتكبها القادة ذاتهم الذين دعمهم كلوني وصوّرهم كأبطال حرية، مما أثبت للنقاد أن دور كلوني الإنساني انتهى بمجرد تحقيق الأجندة السياسية والجغرافية المتمثّلة في تفتيت وحدة السودان. الليبرالية الهوليوودية ترفع صوتها أمام المظالم البعيدة، ثم تخفضه عندما تصبح إسرائيل في قفص الاتهام جامع التبرعات لا يمكن فهم هذه المواقف بمعزل عن شبكة المصالح المالية والسياسية التي تربط جورج كلوني بالمنظومة الحاكمة في هوليوود وواشنطن؛ فيُعتبر كلوني أحد أكبر وأبرز جامعي التبرعات للحزب الديمقراطي الأميركي، وهو الحزب الذي يمثّل الوجه الناعم والشريك الأساسي في حماية وضمان التفوق العسكري والسياسي الإسرائيلي. ويتشارك كلوني في هذه الأنشطة وحفلات جمع التبرعات المليونية مع أقطاب الإنتاج في هوليوود المعروفين بولائهم المطلق للمشروع الصهيوني، مثل المخرج ستيفن سبيلبرغ والمنتج جيفري كاتزنبرغ، وهو تحالف عضوي يضمن أن تظل السينما والسياسة تدوران في الفلك الأيديولوجي نفسه، حيث يُمنع تجاوز الخطوط الحمراء المتعلقة بأمن إسرائيل وشرعيتها الأخلاقية. وتظهر هنا ازدواجية المعايير الصارخة؛ ففي حين يملأ كلوني الدنيا صخبًا دفاعًا عن ضحايا الحروب في إفريقيا، ويطالب بفرض عقوبات دولية وتدخلات عسكرية، يتّسم موقفه تجاه فلسطين بالصمت المطبق والتحييد التام. هذا الصمت ليس عفويًا، بل هو التزام واعٍ بـ«حدود النقد المسموح به» داخل هوليوود؛ ففي هذه البيئة، يُسمح لك بنقد أي نظام، أو رئيس، أو مجزرة في العالم، باستثناء الجرائم التي ترتكبها إسرائيل، لأن ثمن ذلك هو الإقصاء التام من شبكات الإنتاج والتمويل والجوائز. داعم لروفالو؟ وتجلّت هذه الصهيونية الناعمة والذكاء الالتفافي لكلوني مؤخرًا في مهرجان البندقية السينمائي الدولي في سبتمبر/أيلول 2026، حيث سارع