مكيافيلي في بيروت…لا تُنشد الشعر لمن يحمل السيف
حلم لم يبصر الضوء (العدسة الذكية)

ليست المسألة دعوة إلى العنف بقدر ما هي تحذير من السذاجة السياسية؛ فحين يفرض طرفٌ قواعد القوة، يصبح التعامل معه بلغة الأمنيات ضربًا من الانتحار السياسي.
ولعل لبنان هو المكان الأكثر احتياجًا إلى فهم هذه الجملة، بعدما تحوّلت السياسة فيه، طوال عقود، إلى فنّ تأجيل الحقيقة. نختلف على البيانات، ونتجادل حول الصياغات، ونُنتج تسويات مؤقتة، بينما السؤال الحقيقي يقف في منتصف الغرفة: من يملك القدرة على فرض ما يريد عندما تنهار الكلمات؟
المشكلة ليست في غياب الكلام
لبنان لا يعاني نقصًا في الخطب، ولا في المبادرات، ولا في طاولات الحوار. لديه فائض من الكلام يقابله عجز مزمن عن تحويل الدولة إلى قوة سياسية وأمنية واقتصادية قادرة على حماية قرارها.
المشكلة أن بعض القوى السياسية ما زالت تتصرف وكأن جميع اللاعبين يجلسون حول الطاولة نفسها، وبالقواعد نفسها، بينما الواقع أكثر قسوة. هناك من يدخل السياسة حاملًا مشروعًا، وهناك من يدخلها حاملًا شبكة مصالح، وهناك من يدخلها حاملًا السلاح. ومن الخطأ أن تتوقع من هؤلاء جميعًا أن يتعاملوا مع الدولة باعتبارها المرجعية ذاتها.
الدولة التي لا تستطيع فرض قانونها بالتساوي على الجميع تتحوّل تدريجيًا من دولة إلى مساحة تفاوض بين مراكز القوة.
في لبنان، كثيرًا ما جرى التعامل مع الأزمات الكبرى بمنطق «النوايا الحسنة»، وكأن حُسن النية يستطيع أن يحلّ محلّ ميزان القوة.
لكن السياسة، كما يعرفها مكيافيلي وكما تثبتها التجارب، لا تُدار بالنوايا وحدها، بل بالقدرة على تحويل الإرادة إلى واقع.
وهنا لا يعني «إشهار السيف» أن يحمل اللبنانيون السلاح في وجه بعضهم بعضًا، بل أن تمتلك الدولة سيفها الشرعي: جيشًا قويًا، ومؤسسات قادرة، وقضاءً مستقلًا، واقتصادًا منتجًا، وقرارًا سياديًا لا يحتاج إلى ترجمة من عواصم الخارج.
فمن يطلب من الدولة أن تكون قوية من دون أن يمنحها أدوات القوة، يشبه من يطلب من الطبيب إجراء عملية جراحية بيدين مقيّدتين.
دولة لا هدنة
أخطر ما يمكن أن يحدث للبنان هو أن يعتاد اللبنانيون فكرة أن الاستقرار يعني فقط غياب الانفجار. الاستقرار الحقيقي ليس هدنة بين الأقوياء، بل وجود دولة تجعل اللجوء إلى القوة خارج مؤسساتها أمرًا غير ممكن سياسيًا وقانونيًا وعمليًا.
أما استمرار إدارة لبنان بمنطق «لا غالب ولا مغلوب»، فقد يكون مفيدًا في لحظة لتجنّب الحرب، لكنه لا يصلح عقيدة دائمة لبناء دولة. فالبلد الذي يعيش إلى الأبد في منطقة رمادية بين الدولة والدويلات، وبين السيادة والتسويات، سيكتشف عاجلًا أم آجلًا أن الرمادي ليس لونًا سياسيًا، بل لون الانهيار.
ربما تكون الرسالة الأهم في مقولة مكيافيلي أن السلام لا يحميه الضعف، وأن الحوار لا ينجح إذا كان أحد أطرافه يعتقد أن بإمكانه فرض شروطه بالقوة.
لبنان لا يحتاج إلى مزيد من الشعر السياسي، ولا إلى خطب جديدة عن السيادة والاستقلال. يحتاج إلى دولة تمتلك من القوة والشرعية ما يجعل الجميع مضطرين إلى أن يكونوا شعراء حين يجلسون إلى طاولة الحوار، لا حَمَلَةَ سيوف. فحين يصبح سيف الدولة أقوى من سيوف الجميع، عندها فقط يمكن للبنان أن يبدأ بكتابة قصيدته الوطنية الحقيقية.
