لم يَعُدِ السؤالُ في الحروب الحديثة: ماذا تُخفي؟ بل: ما الذي تتركه خلفك من دون أن تُدرك؟ في زمنٍ تتقدّم فيه الخوارزميّات على الحدس البشري، لم تعد السرّيةُ مسألةَ إخفاءٍ مُحكَم، بل إدارةَ آثارٍ لا يمكن محوُها بالكامل المنشآتُ العسكريّةُ تحت الأرض، التي مثّلت لعقودٍ ذروةَ التحصينِ الاستراتيجي، بدأت تفقد ميزتَها الأساسيّة: القدرةَ على الاختفاء. ليس لأنّ العيونَ في السماء أصبحت ترى أعمق، بل لأنّ العقولَ الاصطناعيّةَ تعلّمت كيف تُفكّك المشهد، وكيف تربط بين تفاصيلَ صغيرةٍ لتبنيَ منها صورةً كاملة. العمق الذي يتحوّل عبئًا قامت فلسفةُ التحصينِ العميق على فكرةٍ بسيطة: كلّما ابتعدتَ عن السطح، اقتربتَ من الأمان. داخل الجبال، حيث الصمتُ والكتلةُ الصخريّةُ الهائلة، وُلدت منظوماتٌ كاملةٌ من الأنفاقِ والمنشآتِ المصمَّمة لتنجوَ من أيّ ضربة. لكنّ العمق، على قسوته، لا يمحو الأثر. فكلُّ نشاطٍ بشري، مهما كان معزولًا، يترك بصمتَه. ومع تطوّر أدواتِ التحليل، لم يَعُدِ العمقُ يحجب الحقيقة، بل يؤخّر ظهورَها فقط. في قلبِ أيِّ منشأةٍ نشطةٍ تحت الأرض، هناك طاقةٌ تُستهلك، وهواءٌ يُضخّ، وآلاتٌ تعمل بلا توقّف. هذه الدورةُ المستمرّةُ تولّد حرارة، والحرارةُ بطبيعتها لا تُحبّ الأسر. تتسلّل عبر طبقاتِ الصخور، ببطءٍ ولكن بثبات، حتى تصل إلى السطح كإشارةٍ ضعيفة، لكنّها عنيدة. ما تغيّر ليس وجودَ هذه الإشارة، بل القدرةَ على قراءتها. الخوارزميّاتُ الحديثة لا تكتفي بلقطةٍ حراريّةٍ عابرة، بل تبني تاريخًا زمنيًّا كاملًا، تُقارن، وتُحلّل، وتبحث عن الاستثناء داخل النمط. وعندما تظهر بقعةٌ دافئةٌ في منطقةٍ يُفترض أن تكون باردةً تمامًا، فإنّ الصمتَ الحراريّ يتحوّل إلى اعترافٍ غير مباشرٍ بوجودِ ما تحت السطح. لم يَعُدِ التحدّي في الاختباء، بل في تقليل البصمات أو إعادة تشكيلها؛ فالأرض نفسها لم تعد حائطًا صامتًا، بل أرشيفًا مفتوحًا يمكن قراءته اتصالاتٌ تهمس في الفراغ إذا كانت الحرارةُ تكشف الأثرَ الفيزيائي، فإنّ الاتصالاتَ تكشف الإيقاعَ الداخليّ للحياة. لا يمكن لأيّ منشأة، مهما بلغت درجةُ عزلها، أن تعمل في فراغٍ تام. هناك دائمًا بياناتٌ تتحرّك، وأوامرُ تُنقل، وإشاراتٌ تعبر الفضاء. في الأماكنِ النائية، حيث يغيب الضجيجُ البشري، تصبح أبسطُ إشارةٍ حدثًا غير عادي. الخوارزميّاتُ لا تحتاج إلى فهمِ مضمون الاتصال، بل تُراقب سلوكَه: تكرارَه، وتوقيتَه، وتمركزَه. وحين يتكرّر النمطُ في نقطةٍ معزولة، يصبح الصمتُ نفسه دليلًا، ويغدو الفراغُ مسرحًا لإشاراتٍ لا يمكن تجاهلُها. الجيولوجيا… الذاكرةُ التي لا تنسى لكنّ أكثرَ ما يغيّر قواعدَ اللعبة هو أنّ الأرضَ نفسها أصبحت جزءًا من التحقيق. فاختيارُ موقعٍ تحت الأرض ليس قرارًا عشوائيًّا؛ إنّه رهينٌ بطبيعةِ الصخور، وبمرونتِها، وبقدرتِها على التحمّل. غير أنّ الحفر، مهما كان دقيقًا، يعيد تشكيلَ ما حوله. تتحرّك الكتلةُ الصخريّة، وتتغيّر أنماطُ تصريفِ المياه، وتظهر فروقاتٌ دقيقةٌ في سطح الأرض، وربّما يتبدّل الغطاءُ النباتيّ بشكلٍ خافت. هذه التغيّراتُ لا تُرى بالعين، لكنّها تُلتقط عبر الزمن. الخوارزميّاتُ تقرأ هذه التحوّلات كما تُقرأ المخطوطاتُ القديمة، حرفًا حرفًا، وطبقةً فوق طبقة. وفي بعض الحالات، تصبح الأرضُ نفسها جهازَ استشعار، حيث تُفسَّر الاهتزازاتُ الدقيقةُ على أنّها أثرٌ لنشاطٍ داخليٍّ لا يُرى. الخوارزميات التي تسمع همس الأرض عالمٌ بلا أعماقٍ آمنة كلُّ إشارةٍ بمفردها قد تبدو قابلةً للتأويل: حرارةٌ هنا، وإشارةٌ هناك، وتغيّرٌ طفيفٌ في التضاريس. لكن حين تتقاطع هذه الخيوط، تختفي المساحةُ الرماديّة. ما كان احتمالًا يصبح نمطًا، وما كان نمطًا يتحوّل إلى استنتاج. القوّةُ الحقيقيّةُ تكمن في هذا الدمج، في تحويلِ التفاصيلِ الصغيرة إلى قصّةٍ كاملة. لم يَعُدِ الكشفُ يعتمد على دليلٍ واحدٍ حاسم، بل على تراكمِ قرائنَ لا يمكن تجاهلُها مجتمعةً. ما يتكشّف اليوم يتجاوز مسألةَ منشآتٍ بعينها. نحن أمام تحوّلٍ في جوهرِ التفكيرِ العسكري. لم يَعُدِ التحدّي في الاختباء، بل في تقليلِ البصمات أو إعادةِ تشكيلها. لم تَعُدِ الجبالُ حائطًا صامتًا، بل أرشيفًا مفتوحًا يمكن قراءتُه. في هذا العالم، تصبح الأرضُ شفّافةً لمن يعرف كيف يسألُها. وتتحوّل الحربُ إلى معركةِ تفسير: من يقرأ الإشاراتِ أوّلًا، ومن ينجح في تضليلِ قراءتِها. لم تَعُدِ المواجهةُ بين من يرى ومن يختبئ، بل بين من يفهم ومن يترك أثرًا. التحدّي لم يَعُد بناءَ منشأةٍ لا تُرى، بل بناءَ واقعٍ لا يمكن تفكيكُه. وفي زمنٍ تتقدّم فيه الخوارزميّاتُ على الحدس، قد لا يكون السؤال: أين تُخفي قوّتَك؟ بل: هل تستطيع إقناعَ من يقرأ الأرض… أنّك لم تترك شيئًا خلفك؟
لا يملك وزير المال ياسين جابر ترف التلكؤ، ولا رفاهية الدوران في حلقة البيروقراطية القاتلة، ولا احتمال الانتظار أمام إدارات رسمية مثقلة بالمحسوبيات والمحاصصة والعجز المزمن. المسألة هنا لم تعد تحتمل العلك السياسي الممجوج، لأنّ ما هو مطروح ليس ملفًا عاديًا، بل خطر داهم يهدد صيدا بأن تختنق بالنفايات في أي لحظة… وعلمت صحيفة “البوست” أنّه من المفترض، خلال اليومين المقبلين، أن يعقد جابر في مكتبه بوسط بيروت لقاءً مع رئيس بلدية صيدا ووفدٍ مرافق، لبحث سبل تطويق أزمة معمل النفايات في المدينة، بعدما كان المعمل يتجه إلى التوقف عن استقبال أطنان النفايات الواردة من صيدا والجوار فور انتهاء عطلة عيد الفطر، بسبب عدم دفع المستحقات المتوجبة له على الدولة اللبنانية عن العام 2024. على أن يواصل بحسب الكتاب الموجّه إلى اتحاد بلديات صيدا الزهراني بتاريخ 26/2/2026، معالجة النفايات المتراكمة في باحته وخارجها، بانتظار ما ستسفر عنه الاتصالات الجارية. حين تُترك صيدا تحت رحمة النفايات، لا يعود الكلام عن خلاف إداري، بل عن جريمة بحق المدينة وأهلها وفي هذا السياق، تشير المعلومات إلى أنّ أصحاب المعمل، ولا سيما السعوديين منهم، بلغوا مرحلة متقدمة من الضيق والاستياء من طريقة إدارة هذا الملف والحملة ضد المعمل، ومن التأخير المزمن في تسديد المستحقات، رغم ما أنفقوه من مبالغ مالية كبيرة على استحداث آليات جديدة وتطوير العمل في المعمل. إلا أنّ وساطات دخلت على الخط وأقنعتهم بمنح فرصة أخيرة، انتظارًا لما سيصدر عن لقاء جابر، وعلى أساس نتائجه سيُبنى القرار النهائي. صحيح أنّ كثيرًا من علامات الاستفهام تُطرح حول أداء معمل النفايات في صيدا، وصحيح أيضًا أنّ هناك أسئلة مشروعة تحتاج إلى أجوبة شفافة ومسؤولة، لكنّ السؤال الأخطر، والأكثر إلحاحًا، يبقى ذاك الذي يتهرّب منه كثير من المعترضين ومقدّمي الإخبارات القضائية: ما هو البديل الفعلي؟ في السياسة الجدية، لا يكفي أن تعترض. لا يكفي أن ترفع الصوت. ولا يكفي أن تفتح معركة بلا أفق. الاعتراض الذي لا يقدّم بديلًا عمليًا وعلميًا ومدروسًا، يتحوّل تلقائيًا إلى شراكة في صناعة الكارثة. لأنّ تعطيل الحل القائم، من دون توفير حل بديل، لا يعني سوى شيء واحد: دفع المدينة نحو الاختناق. وحين تتكدّس النفايات في شوارع صيدا، لن تبقى المسألة بيئية أو خدماتية فحسب، بل ستتحوّل سريعًا إلى أزمة اجتماعية وأمنية ونفسية خانقة، في مدينة تعيش أصلًا تحت ضغط نزوح ثقيل، وتوترات مكتومة، واحتقان قابل للاشتعال. وعندها، سيكون من السهل على كثيرين أن يحمّلوا الوافدين مسؤولية ارتفاع إنتاج النفايات، فتُفتح أبواب فتنة قذرة من تحت ركام الزبالة، وتنفجر أزمة كان يمكن تفاديها لو تحلّى الجميع بحدّ أدنى من المسؤولية. المطلوب اليوم ليس مزيدًا من الصراخ، بل قرار سريع وواضح يمنع سقوط صيدا تحت اجتياح النفايات. أما الذين يكتفون بالتعطيل، ويُجيدون الهدم أكثر من البناء، فعليهم أن يدركوا أنّ المدينة التي ستغرق بالزبالة ستعرف جيدًا من خنقها، ومن أشعل تحتها الفتيل
في وجداننا، حتى في ذاكرتنا الفردية والجماعية، يرتبط نيلسون مانديلا بفكرة الرجل “الطيب”. لا يمكنك أن تفكر فيه دون أن تغيب عنك ابتسامته الهادئة، وعيونه الرزينة، وتجاعيد وجهٍ أتعبته سنين النضال والسجن، وشعرٌ أجعد أبيض يُؤنسِن الأيقونة. تكرّس مانديلا في أذهاننا كفكرة شمولية “جيدة”، لا نهتم كثيرًا بتفاصيلها الأخرى. جلّ ما نفكر فيه أنه رمز للخير والعدل. حكمًا تبدو المسافة شاسعة بين بشرّي وأومتاتا بجوار كيب تاون، لكن الرجلين يتقاطعان في روايتين خُتمت إحداهما، وأخرى لم تكتمل فصولها الحقيقية بعد. سيتفاجأ كثيرون من مجرد المقارنة بين سمير جعجع ونيلسون مانديلا. قد يكثر الكلام والضوضاء والهجوم والانتقاد للفكرة بذاتها، ولصوابية طرحها، أو حتى لمجرد الاقتراب منها. ولأننا شعوب لا تعرف إنتاج أساطيرها، ولا حتى سردها، يبدو كسر المحرّم شرطًا إلزاميًا أحيانًا لبلوغ الحق والحقيقة. عند كثير من اللبنانيين، وحتى غيرهم، يرتبط اسم جعجع بكونه قائدًا لميليشيا تلطخت ممارساتها بالدماء في حرب شهدت كثيرًا من الفظائع. وكأن جعجع كان يقاتل وحده حينها. وكأنه لم يكن هناك من “آخر” في الجهة المقابلة. انتهت “الحرب الأهلية”، لكن الصورة بقيت، واستُثمرت، ونمت، وتكرّست لأغراض عدة، تختلف باختلاف راويها وحساباته والمناسبة. ما لا يعرفه كثيرون منا، وقد يعرفه آخرون، أن مانديلا، الذي سكن ذاكرتنا بطيبته كرمزٍ للخير، عاش ردحًا واسعًا من مسيرته النضالية بالكفاح المسلح. بعد “مجزرة شاربفيل” عام 1960، انتقل مانديلا من قناعة النضال السلمي وحده إلى المساهمة في تأسيس الجناح العسكري للمؤتمر الوطني الأفريقي، “أومخونتو وي سيزوي”، في سياق مقاومة نظام أغلق بوجهه ووجه أمثاله كل أبواب التغيير الطبيعي. انطلق جعجع من الفكرة ذاتها في حساباته الماضية. كغيره من “المحاربين القدامى” في تلك الفترة، كلٌّ حمل البندقية لتحقيق هدف آمن به واقتنع بصوابيته، صحّ ذلك أم كان خطأ. لكنه في حينها كان تصالحًا مع الذات قبل أن يكون خدمةً للمجموعة التي انتمى إليها، وكان معبرًا للوصول إلى المأمول. لكليهما صار السلاح جزءًا من معركة تحرير شعب ووطن من منظومة فاسدة. رجلان دخلا الحياة العامة من بوابة الصراع الحاد. خبرا العمل المرتبط بالعنف السياسي في بلدين مأزومين، ثم حملا السجن كجزء تأسيسي من صورتهما العامة، قبل أن يعودا إلى السياسة من موقع أكثر رمزيةً وتأثيرًا. أمضى مانديلا 27 عامًا في المعتقل، وخرج مثالًا عالميًا للصمود والانضباط والقدرة على تحويل المعاناة إلى شرعية تاريخية. خرج مانديلا من “رود آيلاند” ليرفع بلاده فوق منطق الانتقام، ويقود مصالحة صنعت دولة جديدة. لكن لبنان بلد لا يشبه إلا نفسه، ولا يُنصف أبناءه. بعد نحو 11 عامًا، يخرج جعجع من سجنه أكبر سياسيًا مما دخله. لكنه يعود إلى نظام لم يحسم أسئلته الكبرى بعد، ولم يُنجز عدالة انتقالية، ولم يكتب رواية وطنية واحدة لا للحرب ولا للسلم. لذا بقي لاعبًا أساسيًا ومؤثرًا، لكنه لم يتحول إلى رمز جامع فوق الانقسام، رغم ما يطرح وطنيًا ويطالب بتحقيقه، ويتفق معه أغلب اللبنانيين، والسبب أن لبنان نفسه لم يتحول إلى وطن متصالح مع ماضيه ومستقبله. صعودًا إلى معراب، للقاء عنوانه “إنقاذ لبنان”، تستذكر أننا جميعًا نعيش اليوم على أرض هذا الوطن حربًا وجودية. أحداث جمّة لم تحرك في كثيرين “الهمّة” للمبادرة إلى لقاء جامع شامل للجميع، على اختلافهم واختلافاتهم، للقول إن القادم من الأيام سيكون ببساطة: نكون أو لا نكون. في ذلك المنزل المرتفع، تسمع كلامًا وأفكارًا كثيرة. تشعر أن الجميع يتحرق للتغيير نحو الأفضل، كلٌّ بحسب ما يرى. لا ضير في ذلك. في طريق العودة، تستحضرك المقارنة الغريبة بين الرجلين. كم هو غريب أن تغيّر أحداث الحياة مسارات الرجال وخياراتهم. تشعر أن السجن كان لهذا الرجل فرصةً للترقي، لا سببًا للتشفي. تسمع من المتهم بحروب الإبادة والقتل على الهوية كلامًا لا لبس فيه عن: قيام الدولة، والعدالة، والجيش الحامي، والنظام، وعمل المؤسسات، ونبذ الاقتتال الداخلي، وعودة المغتربين، وتثبيت الشباب، والحفاظ على الهوية… تتعاطف معه لأنه لم يأخذ حقه حتى الآن. مانديلا صار رمزًا كونيًا لأن تجربته تجاوزت جماعته، أما جعجع فبقي، مهما اتسع حضوره، ابن ساحة لبنانية منقسمة، يعلو فيها الرمز داخل بيئته، لكنه لا يتحول بالضرورة إلى مرجعية جامعة خارجها. أما السبب، ففي تكوين هذا الكيان العجيب نفسه، لا في “الحكيم”.