حين تمشي في شوارع صيدا اليوم، يستوقفك تناقض صارخ يمزّق روح المدينة بصمت. من جهة، ترى الواجهات المتجددة واللافتات والمؤتمرات والمناسبات البروتوكولية التي تزدحم فيها الكلمات الرنانة والوعود المعسولة، ومن جهة أخرى، يقف الشباب الصيداوي أمام واقع معيشي سُدّت في وجهه سبل النجاة، وضاقت معه فرص العمل والحياة الكريمة. هنا، في قلب عاصمة الجنوب، تتسع الهوّة بين ما تلتقطه عدسات الكاميرات وما يعيشه أهل المدينة في يومياتهم القاسية. إنها مدينة تُرسم على واجهاتها مظاهر البهجة الزائفة، فيما يكافح أبناؤها لتأمين أبسط مقومات العيش. مدينة الاستعراض لم تعد صيدا، بالنسبة إلى كثير من زعمائها ومسؤوليها، سوى مسرح كبير للعروض الزائفة والمظاهر الخادعة. تراهم يتسابقون إلى افتتاح مشروع صغير، أو رعاية نشاط احتفالي، أو الظهور في المناسبات الدينية والاجتماعية، محاطين بالحراس والمحبّين والمصفّقين، وكأن هذه المشهديات قادرة على إشباع بطن جائع، أو كسوة جسد عارٍ، أو توفير فرصة عمل لشاب أنهكته البطالة. تتوالى اللقاءات الصباحية والمسائية، وتُعقد الندوات تحت عناوين براقة عن التنمية المستدامة، ونهضة المدينة، ودعم الشباب وتمكينهم، فيما تبقى الشعارات معلّقة في الهواء، والوعود خاوية من أي مضمون تنفيذي ملموس. وما إن تغادر الكاميرات وتنطفئ الأضواء، حتى تعود الأمور إلى سابق عهدها، وتتبخر الفقاعات الإعلامية، وكأن شيئًا لم يكن. ثمة عقيدة سياسية غير مكتوبة باتت تحكم أداء بعض المسؤولين، قوامها أن الأهم ليس «ماذا يقدّم المسؤول؟»، بل «كيف يظهر أمام الناس؟». فالصورة أصبحت السلعة الأكثر رواجًا، والبريق الإعلامي تحوّل إلى درع يحتمي خلفه المسؤول من المساءلة والمحاسبة. skip render: ucaddon_material_block_quote شهادات بلا مستقبل في المقابل، يعيش الشباب الصيداويون متاهة يومية بحثًا عن لقمة العيش، ويجد كثيرون منهم أنفسهم مضطرين للعمل في مجالات لا تمتّ إلى شهاداتهم واختصاصاتهم بصلة. خذ مثلًا الشاب خالد، المهندس المدني الذي حاز شهادته من جامعة بيروت العربية، بعدما تابع دراسته بمنحة دراسية وتخرّج متفوقًا. هذا الشاب، الذي أمضى سنوات من عمره يحلم باليوم الذي يحمل فيه شهادته لينطلق إلى سوق العمل ويؤمّن لنفسه مستقبلًا يحفظ كرامته، يجد نفسه اليوم جالسًا خلف صندوق المحاسبة في أحد المطاعم، أمام أفق مهني مسدود. يتقاضى خالد راتبًا لا يتجاوز نحو 400 دولار أميركي شهريًا، لقاء عمل لا يتناسب مع مؤهلاته وطموحاته. مبلغ بالكاد يكفي لتأمين أبسط متطلبات الحياة، فكيف بتكاليف النقل الباهظة، وفواتير اشتراكات المولدات التي قد تبتلع نصف دخله؟ وحين يطرق أبواب المؤسسات الرسمية والبلدية بحثًا عن حل أو فرصة أو حتى بصيص أمل، لا يجد، وفق ما يرويه، سوى الوعود الفارغة، والبيروقراطية القاتلة، والعجز الإداري الذي يبدّد ما تبقى لديه من أمل. إن مأساة خالد ليست حالة فردية معزولة، بل تختصر واقع شريحة واسعة من الشباب الصيداوي الذي أمضى سنوات في التحصيل العلمي، ليكتشف أن شهادته لا تكفي لفتح باب واحد نحو مستقبل كريم. طاقات مهدورة تفتقر صيدا إلى خطط تنموية حقيقية قادرة على استيعاب طاقات شبابها، كما تفتقر إلى مراكز فاعلة تحتضن أفكارهم ومشاريعهم، وتساعد على تحويلها إلى مبادرات إنتاجية واستثمارات ناجحة. كذلك، تغيب الاستثمارات الجدية القادرة على تحريك عجلة الاقتصاد المحلي وخلق فرص عمل مستدامة. انزل إلى شوارع المدينة ومقاهيها، واجلس مع شبابها، وستسمع ما يثير الدهشة من أفكار خلاقة، ومشاريع تنموية، ومبادرات يمكن تنفيذ بعضها بتكاليف متواضعة، لكنها قادرة على إحداث فرق حقيقي في اقتصاد صيدا، وربما أبعد من حدودها. المشكلة ليست في غياب الكفاءات، ولا في افتقار المدينة إلى العقول والطموحات، بل في غياب البيئة التي تحتضن هذه الطاقات، والإرادة التي تحوّل الأفكار إلى فرص، والأجهزة الإدارية القادرة على الانتقال من التنظير إلى التنفيذ. لكن المؤسف أن اهتمام بعض المسؤولين بالشباب يبدو محصورًا في مواسم الانتخابات، حين تتحول طاقاتهم إلى أدوات تعبئة وحشد، وأصواتهم إلى أرقام في صناديق الاقتراع، قبل أن يعودوا، بعد انتهاء الاستحقاق، إلى دائرة النسيان والتهميش. وكأن المطلوب من الشاب الصيداوي أن يكون حاضرًا عندما تحتاج إليه السياسة، وغائبًا عندما يحتاج هو إلى الدولة ومؤسساتها. حين تتحول السياسة إلى استعراض دائم، يصبح المواطن مجرد كومبارس في مسرحية لا تنتهي فصولها أزمات بلا حلول ولا تتوقف مأساة صيدا عند حدود البطالة والغلاء وانسداد الآفاق، بل تمتد إلى أزمات بيئية وخدماتية مزمنة تكشف هشاشة الإدارة المحلية وعجزها عن معالجة ملفات أساسية، كان آخر فصولها حريق جبل العار، جبل النفايات الذي لا يزال شاهدًا على سنوات طويلة من التخبط والإهمال. فالمدينة التي تعاقبت على إدارة شؤونها مجالس بلدية وهيئات ومؤسسات مختلفة، لا تزال ترزح تحت وطأة ملفات عالقة، يبدو أن حلّها أبعد ما يكون عن متناول الإدارة القائمة، في ظل النهج نفسه والأدوات ذاتها. من البنى التحتية المتداعية إلى انقطاع المياه، ومن أزمة الكهرباء التي بات الحصول عليها أشبه برفاهية باهظة الثمن، وصولًا إلى النفايات والتلوث وسوء إدارة المرافق العامة، تتراكم الأزمات فيما تغيب المعالجات الجذرية. وحين ترتفع صرخات الأهالي مطالبة بحلول فعلية، تأتي الردود غالبًا على هيئة لجان تحقيق لا تظهر نتائجها، أو تصريحات نارية عبر وسائل الإعلام، أو مشاريع ترقيعية مؤقتة تُنفّذ على عجل، وتُلتقط أمامها الصور التذكارية، قبل أن تنكشف هشاشتها عند أول اختبار جدي. لقد تحولت هموم الناس ومشكلاتهم الحياتية إلى مادة دسمة للاستهلاك الإعلامي والمزايدات السياسية، فيما تستمر الأوساخ بالتراكم في الأحياء الشعبية، ويبقى المواطن رهينة الحلول المؤقتة التي لا تُغني ولا تُسمن من جوع. المشكلة في صيدا لم تعد أزمة خدمات فحسب، بل أزمة إدارة ومحاسبة ورؤية، وأزمة مسؤولين يتقنون الإعلان عن الحلول أكثر مما يتقنون تنفيذها. الهجرة الصامتة إن هذا الانفصال المتزايد بين قمة الهرم السياسي في صيدا وقاعدتها الشعبية المأزومة يطرح أسئلة مصيرية حول جدوى الطبقة السياسية التقليدية، ومدى قدرتها على الاستمرار في إدارة شؤون مدينة تستنزفها الأزمات. فالشباب الذين يغادرون أفواجًا عبر مطار بيروت، أو يخاطر بعضهم بحياته عبر قوارب الموت بحثًا عن فرصة للعيش في أصقاع الأرض، لم يغادروا مدينتهم كرهًا بها، بل هربًا من واقع خنق أحلامهم، ومن شعور عميق بالإحباط تجاه قيادات لم ترَ في كثير منهم سوى أوراق انتخابية تُستخدم عند الاستحقاقات وتُهمل عند الشدائد. لم يهاجر هؤلاء لأنهم فقدوا حبّهم لصيدا، بل لأنهم فقدوا ثقتهم بقدرة القائمين على شؤونها على تأمين الحد الأدنى من مقومات البقاء فيها. وبات كثيرون منهم على يقين بأن المظاهر البراقة والاحتفالات الصاخبة ليست سوى قناع مخملي يخفي خلفه واقعًا إداريًا واقتصاديًا مهترئًا، لا يمكن إصلاحه بمزيد من الصور والخطابات والمهرجانات. فأخطر ما يمكن أن يصيب مدينة ليس أن يهاجر أبناؤها فحسب، بل أن يفقد من بقي منهم الأمل بمستقبلها. إلى متى؟ تقف صيدا اليوم عند مفترق طرق حاسم. فهي لا تحتاج إلى مزيد من الاستعراضات السياسية، ولا إلى خطابات إنشائية عن التنمية والنهضة والازدهار، بل إلى رؤية واضحة، وخطط قابلة للتنفيذ، ومشاريع إنتاجية، وفرص
يُقال في المثل الشعبي إنّه «لا دخان بلا نار». لكن في صيدا، يبدو أنّ القاعدة انقلبت، بات لدينا دخان بلا نار، أو بالأحرى، نار بلا فاعل! وكأنّ الحرائق تشتعل من تلقاء نفسها، ثم تنطفئ وتُطوى صفحاتها من دون أن يعرف أحد كيف بدأت، أو من أشعلها، أو من المستفيد منها. يصعب على المنطق أن يتقبّل، ببساطة، أن يكون اندلاع حريق في جبل النفايات الجاثم على تخوم المدينة، بعد أقلّ من يومين على صدور قرار قضائي بحفظ الأوراق في الملف المتعلّق بمعمل معالجة النفايات، مجرّد مصادفة عابرة. ليس في التساؤل عن توقيت الحريق اتهامٌ لأحد، بل دعوة إلى البحث عن حقيقة لا يجوز أن تبقى أسيرة الدخان والتكهّنات. كاميرات المراقبة، التي يُفترض أنّها تنتشر في محيط المنطقة، تطرح السؤال البديهي: كيف اندلع الحريق؟ وماذا وثّقت تلك الكاميرات؟ وهل جرى تفريغ تسجيلاتها وتحليلها؟ ومن أين بدأت النار أصلًا؟ لا إجابات واضحة حتى الآن، فيما الحقيقة الوحيدة التي لا تحتاج إلى تحقيق هي أنّ أبناء صيدا يدفعون الثمن من صحتهم وبيئتهم وسلامة هوائهم، ويتعرّضون لدخان ملوّث يحمل مخاطر صحية جسيمة، بينما يبقى الفاعل مجهولًا، وكأنّ أشباحًا خفية باتت تتحكّم بمصير المدينة وأهلها. سنوات تمرّ، وحرائق تتكرّر، وشبهات تتراكم، من دون أن ينجح أحد، أيّ أحد، في وضع حدّ لهذا المسلسل، أو كشف المسؤول عن إشعال الحرائق، إن ثبت تعمّد افتعالها. وهذا عجز لم يعد مقبولًا، ولا يجوز السكوت عنه أو التعامل معه باعتباره تفصيلًا عابرًا في يوميات مدينة أنهكتها الأزمات. skip render: ucaddon_material_block_quote فتّش عن المستفيد في علم الجريمة والتحقيقات، ثمة قاعدة معروفة تقوم على البحث عن المستفيد المحتمل من وقوع الجريمة. وهي، وإن لم تكن دليلًا كافيًا للإدانة، تبقى مدخلًا أساسيًا لفهم الدوافع وتضييق دائرة الاشتباه، إلى جانب الأدلة المادية والفنية والشهادات. فالسؤال عن المستفيد ليس ترفًا تحليليًا، بل أحد الأسئلة التي ينبغي ألّا يغفل عنها أيّ تحقيق جدّي، لأنّ تجاهله قد يحجب دوافع محتملة، أو يدفع التحقيق في اتجاه واحد، بعيدًا عن مسارات أخرى قد تقود إلى الحقيقة. لكنّ الأخطر من إغفال هذا المبدأ هو القفز فوقه، والانطلاق من نتيجة جاهزة قبل بدء التحقيق، ثم البحث عمّا يدعمها، بدلًا من البحث عمّا يكشف حقيقة ما جرى.وهذا، ما يثير الاستغراب في بعض المقاربات التي أعقبت الحريق الأخير قرب معمل النفايات في صيدا، حيث بدا أنّ البعض قد حسم هوية المسؤول قبل أن تتضح أسباب الحريق، أو تصدر نتائج تحقيق فنّي وقضائي يحدّد طبيعته وملابساته.الإدانة الجاهزة يبدو أنّ خيبة الأمل التي أصابت البعض بعد صدور القرار القضائي المتعلّق بمعمل النفايات وجدت في دخان الحريق متنفسًا جديدًا، فتحوّلت، سريعًا، إلى اتهامات طاولت شركة IBC المشغّلة للمعمل، وكأنّ المطلوب تعويض خسارة معركة الاتهامات السابقة بفتح معركة جديدة، ولو على حساب المنطق والموضوعية. فبدلًا من طرح السؤال الجوهري، مَن أشعل النار، وكيف، ولماذا؟ انصبّ جانب من الخطاب الاتهامي على تحميل الشركة المسؤولية المباشرة، انطلاقًا من أنّ تراكم النفايات هو الذي أتاح اندلاع الحريق، وصولًا إلى التلميح بأنّ الحرق قد يكون بديلًا متعمّدًا من المعالجة. لكنّ هنا تحديدًا تكمن المغالطة التي تستوجب التوقّف عندها. فوجود تراكمات من النفايات، مهما كانت أسبابها وحجم المسؤولية عنها، مسألة تستوجب المعالجة والمحاسبة وفق الوقائع والالتزامات القانونية والتعاقدية. أمّا اتهام جهة بعينها بإشعال النار عمدًا، فهو مسألة مختلفة تمامًا، لا يجوز إثباتها بالاستنتاج أو بالخصومة السياسية، بل بالأدلة والتحقيق. ثمّ، أين تكمن مصلحة الشركة في إشعال حريق يضعها مجددًا في دائرة الشبهات والاتهامات، بعد صدور قرار قضائي لمصلحتها في الملف السابق؟ سؤال مشروع يستحقّ البحث والتمحيص، من دون أن يشكّل، في المقابل، دليلًا على براءة أحد أو إدانته. فالتحقيق الجدّي لا يبدأ من اسم المتّهم، بل ينتهي إليه، إذا قادت الأدلة إلى ذلك. ثمة مَن يريد إطفاء الحريق، وثمة مَن لا يريد للدخان أن يتبدّد، لأنّ حضوره السياسي معلّق به بطولات من دخان المؤسف أنّ بعض ردود الفعل على الحريق لم تبدُ بعيدة عن مناخ المزايدات الذي اعتادت عليه المدينة، حيث تتحوّل الأزمات إلى مناسبات لاستعراض البطولات الشخصية، واقتناص فرص الظهور الإعلامي، وتسجيل النقاط في سجالات لا تنتهي. وكأنّ المطلوب ليس إطفاء النار بقدر ما هو ضمان الحضور أمام الكاميرا، وليس كشف الفاعل بقدر ما هو اختيار الخصم المناسب وإلصاق التهمة به. إنّه إفلاس في مقاربة الشأن العام حين تصبح النفايات وقودًا لتصفية الحسابات، ويتحوّل الدخان إلى ستار يحجب الإخفاقات، بما فيها تلك «الزحطات» السياسية التي وصلت، في مراحل سابقة، إلى التلويح بالاستقالة من دون أن تقترن بمواقف حاسمة أو خطوات واضحة. والمفارقة أنّ بعض الذين يسارعون إلى توزيع المسؤوليات والاتهامات يتناسون أنّ المسؤولية العامة لا تُقاس بحدّة التصريحات، ولا بعدد الصور والمواقف، بل بالقدرة على اتخاذ القرار وتحقيق النتائج. التراكمات أولًا لا يعني ذلك، بأيّ حال، تجاهل المشهد القاتم لتراكمات النفايات داخل المعمل وخارجه. فهذه حقيقة قائمة لا يمكن تجميلها أو القفز فوقها، مهما كانت المبرّرات والأسباب، ومهما تعدّدت الجهات التي تتحمّل مسؤولية الوصول إليها. فالناس لا يعنيهم كثيرًا تبادل البيانات والاتهامات، ولا السجال حول مَن انتصر قضائيًا ومَن خسر سياسيًا، بقدر ما يعنيهم أن تختفي أكوام النفايات من محيط مدينتهم، وأن يتوقّف تهديد صحتهم وبيئتهم، وأن تعود المعالجة إلى مسارها الطبيعي والمنتظم.وإلى أن تتسارع وتيرة إزالة التراكمات، وتظهر النتائج الملموسة أمام أعين المواطنين، ستبقى هذه المشاهد مادة خصبة للاستهداف السياسي والإعلامي، وستظلّ المساحة الرمادية مفتوحة أمام التأويلات والاتهامات المتبادلة. لكنّ معالجة هذه المعضلة لا تكون بالنفخ المستمر في نار الاحتقان، ولا بتحويل كلّ أزمة إلى مواجهة شخصية جديدة، بل بشيء من الرَّوِيّة والحكمة والترفع عن الحسابات الضيّقة، وتقديم المصلحة العامة على المصالح السياسية والشخصية. لقد سئمت صيدا مسلسل الخيبات المتكرّرة الذي يرافق أداء كثيرين ممّن يتصدّرون العمل العام فيها. وسئم أهلها الوعود التي لا تتحقّق، والبطولات التي لا تترك أثرًا، والمواقف التي ترتفع أصوات أصحابها كلّما ارتفعت سحب الدخان. skip render: ucaddon_box_testimonial
لماذا قال الله في كتابه العزيز ﴿كُن فَيَكُونُ﴾، ولم يقل: «كن فكان»؟ أليست «فكان» أقرب إلى الإخبار عن أن الأمر قد انتهى في لمح البصر؟ لو قال جل جلاله «كن فكان»، لكان فعل الماضي يوحي بأن الحدث وقع وانتهى، أما قوله ﴿كُن فَيَكُونُ﴾ فيحمل معنى المضارع الذي يفتح الدلالة على التجدد والاستمرار. ليس المقصود أن الخلق يبدأ من جديد في كل ثانية، وإنما أن التعبير القرآني يرسم صورة بديعة لنفوذ أمر الله وقدرته التي لا تحتاج إلى المماطلة ولا إلى مراحل طويلة حتى يتحقق مرادها. كأن العالم لا يقف عند لحظة أولى ثم يُترك وحيداً، بل يبقى قائماً بأمر الله، متجدداً في سننه، جارياً وفق النظام الذي أودعه فيه. ﴿كُن فَيَكُونُ﴾؛ كاف الأمر ونون الوجود، وبينهما معنى هائل: حين يأتي الأمر الإلهي لا يحتاج الكون إلى اجتماع يبحث في إمكانية التنفيذ، ولا إلى لجنة تدرس جدوى القرار، ولا إلى تأجيل الجلسة إلى موعد لاحق. في «يكون» سر الحركة كل نباتات عالمنا تنمو الآن، وفي هذه اللحظة، وفق السنن التي أودعها الله فيها. قلوبنا، المحمية بين ضلوعنا، تنبض الآن من دون أن تستأذن وعينا في كل نبضة. والرئة لا تؤجل شهيقها حتى تتوافر الظروف المثالية، والشمس تشرق كل صباح في موعدها، والأرض تدور في مسارها، والماء يبحث عن مجراه، والحياة تمضي في شبكة هائلة من الأفعال المتتابعة. كل ذلك يذكرنا بأن الفطرة لا تعرف المماطلة بالطريقة التي يعرفها الإنسان. الفطرة تفعل ما خُلقت له. الشجرة لا تقضي سنوات في التفكير في أن تصبح شجرة، والطفل لا يضع خطة استراتيجية قبل أن يحاول المشي. يسقط، فينهض، ويحاول، ثم يسقط مرة أخرى، حتى يصبح ما كان مستحيلاً بالأمس حركة طبيعية في اليوم التالي. أما الإنسان، فكلما ازداد وعياً وتعقيداً، أصبح قادراً على اختراع ألف سبب لتأجيل خطوة واحدة. skip render: ucaddon_material_block_quote بين «سأفعل» و«فعلت» تضيع أشياء كثيرة كم مشروعاً بقي أسيراً لعبارة «سأبدأ قريباً»؟ وكم كتاباً لم يُكتب لأن صاحبه ظل ينتظر اللحظة المثالية؟ وكم اعتذاراً تأخر حتى فقد قيمته؟ وكم فكرة ماتت لأن صاحبها أمضى وقتاً أطول في التفكير فيها من الوقت الذي كان يحتاجه لتنفيذها؟ المشكلة ليست دائماً في نقص القدرة، بل في فائض التردد. نحن نخلط أحياناً بين التفكير والحركة، وبين التخطيط والمماطلة، وبين الصبر وتأجيل ما يجب فعله. هناك انتظار ناضج تفرضه طبيعة الأشياء، وهناك انتظار آخر لا يفعل شيئاً سوى منح الخوف اسماً أكثر أناقة. فالزرع يحتاج إلى موسمه، والشفاء يحتاج إلى وقته، وبناء الإنسان يحتاج إلى سنوات، لكن ذلك كله لا يعني أن نقف مكاننا ونسمّي الوقوف صبراً. الفطرة لا تفاوض نفسها انظر إلى الطبيعة وستكتشف أن الأشياء التي تعمل وفق فطرتها لا تحتاج إلى كل هذا التعقيد. حين يحين وقت البرعم، يظهر. وحين يحين وقت الثمرة، تنضج. وحين يأتي الليل، لا تدخل السماء في نقاش طويل حول ما إذا كانت ستظلم أم لا. وهنا يمكن أن نفهم «كن فيكون» بوصفها، بالنسبة إلينا، درساً تأملياً في معنى الفعل: لا تجعل الطريق إلى الشيء أطول من الشيء نفسه. افعل حين يحين وقت الفعل، وانتظر حين يكون الانتظار جزءاً من طبيعة الفعل، لا حين يكون مجرد غطاء للخوف أو العجز أو الحسابات الصغيرة. لو تعلّم السياسيون من شجر! ربما لا يوجد مكان يحتاج إلى هذا الدرس أكثر من السياسة اللبنانية، حيث يمكن لفكرة بسيطة أن تتحول إلى سنوات من النقاش، ولقرار واضح أن يضيع بين التصريحات واللجان والتوازنات والوعود، حتى يصبح التأجيل نفسه جزءاً من آلية الحكم. ليس العيب في التشاور، ولا في المؤسسات، ولا في اختلاف الآراء، فهذه كلها من ضرورات السياسة. العيب يبدأ عندما تتحول الوسائل إلى بدائل عن الغاية، وعندما يصبح الاجتماع بديلاً عن القرار، واللجنة بديلاً عن التنفيذ، والبيان بديلاً عن الفعل. هناك في لبنان من يستطيع أن يتحدث عن الحل لساعات، لكنه يحتاج إلى أشهر كي يقرر من أين يبدأ. والأكثر سخرية أن الطبيعة المحيطة بنا تنجز في صمت ما تعجز عنه السياسة وسط كل هذا الضجيج. الشجرة التي زرعها ذلك الفتى مع جده لن تحتاج إلى مؤتمر وطني كي تكبر، ولن تنتظر توافقاً سياسياً كي تمد جذورها في الأرض، ولن تؤجل إخراج ورقة جديدة لأنها لم تحصل بعد على توقيع الأطراف المعنية. إنها ببساطة تفعل ما ينبغي لها أن تفعله. الطبيعة تنجز في صمت، والسياسة اللبنانية تفشل في ضجيج «يكون» ليست دعوة إلى الاستعجال لكن درس «كن فيكون» ليس دعوة إلى العجلة أو الفوضى، وليس معناه أن كل شيء في حياة الإنسان يجب أن يحدث فوراً. فالله جعل للكون سنناً ومراحل ومواقيت، وجعل للنضج زمناً وللزرع موسماً وللإنسان رحلة. المعنى الأعمق أن نعرف الفرق بين الانتظار الذي تصنعه الحكمة، والانتظار الذي تصنعه المماطلة. بين الاثنين مسافة أخلاقية وعملية هائلة. قد يكون المطلوب أحياناً أن نصبر، لكن ليس المطلوب أن نتخذ من الصبر حجة كي لا نتحرك. وقد نحتاج إلى التخطيط، لكن التخطيط الذي لا ينتهي إلى فعل يتحول في لحظة ما إلى شكل آخر من أشكال الهروب. ولذلك تبدو ﴿كُن فَيَكُونُ﴾، في تأملها، أكثر من تركيب لغوي بديع؛ إنها تفتح أمام الإنسان سؤالاً عن علاقته بالفعل والزمن والانتظار. فبين «سوف أفعل» و«فعلت» يمكن أن تضيع أعمار كاملة. أما الفطرة، فلا تعرف كل هذا الالتفاف. إنها تنمو، وتتنفس، وتنبض، وتشرق، وتمضي. وربما كان السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نسأله لأنفسنا ليس: لماذا لا يحدث ما نريد بسرعة؟، بل: كم مرة كان يمكن أن يحدث، لو أننا توقفنا عن تأجيله؟ skip render: ucaddon_box_testimonial