لم تَعُد جنازة المرشد الأعلى الإيراني حدثًا جنائزيًا بالمعنى التقليدي، بل تحوّلت إلى اختبار شامل لقدرة النظام الإيراني على إعادة إنتاج نفسه بعد غياب الشخصية التي احتكرت، طوال أكثر من ثلاثة عقود، المرجعية الدينية والسياسية والعسكرية للدولة. تشييع مرحلة حتى الخامس من تموز/يوليو 2026، تبدو طهران وكأنها لا تُشيّع رجلًا بقدر ما تُشيّع مرحلة كاملة من تاريخ «الجمهورية الإسلامية»، في الوقت الذي تعمل فيه مؤسسات الدولة على إنتاج سردية جديدة قوامها أن استمرارية النظام لا تتوقف على الفرد، مهما بلغت مكانته، وإنما تستند إلى صلابة المؤسسة الحاكمة وشبكة القوة التي تشكّلت حولها منذ عقود. من هذه الزاوية، لا يمكن قراءة مشاهد الحشود المليونية التي رافقت مراسم التشييع باعتبارها تعبيرًا عفويًا عن الحزن الشعبي فحسب، وإنما باعتبارها جزءًا من عرض سياسي مدروس بعناية، يهدف إلى تثبيت صورة الدولة بوصفها الكيان الأعلى من الأشخاص، وإلى تكريس انتقال الشرعية من المرجعية الفقهية التي جسّدها علي خامنئي إلى شرعية القوة المؤسسية التي يمثلها الحرس الثوري. فالجنازة، في مضمونها السياسي، ليست احتفاءً بالماضي بقدر ما هي إعلان عن شكل النظام في مرحلة ما بعد خامنئي، حيث تتراجع المكانة الشخصية للولي الفقيه لمصلحة مركزية المؤسسة الأمنية والعسكرية. حضور عربي وفي المقابل، عكست المشاركة العربية في مراسم التشييع طبيعة العلاقة الراهنة بين العواصم العربية وطهران، وهي علاقة يمكن وصفها بأنها تقوم على «التعايش المحوّط» أو «التحوّط الاستراتيجي»، أكثر مما تعكس تقاربًا سياسيًا حقيقيًا.فقد جاء الحضور العربي محسوبًا بدقة، بحيث غاب ملوك ورؤساء دول الخليج عن المشهد، بينما اقتصر التمثيل على مستويات بروتوكولية متفاوتة حملت رسائل دبلوماسية أكثر منها رسائل سياسية. skip render: ucaddon_material_block_quote رسائل محسوبة فالعراق، بحكم خصوصية علاقته بإيران وتشابكاته المذهبية والجغرافية، حضر على أعلى مستوى رئاسي، وهو أمر يتصل أيضًا بالبعد الرمزي لمرور موكب التشييع عبر النجف وكربلاء. أما قطر ومصر فاكتفيتا برؤساء المجالس البرلمانية، في حين اقتصر الحضور السعودي والعُماني على المستوى الوزاري، وسط تضارب في التقارير بشأن طبيعة الوفد السعودي. وفي المقابل، برز حضور لبنان عبر وفد رفيع من حزب الله، إلى جانب مشاركة حركة حماس، بينما غابت القيادات العليا لكل من الإمارات والبحرين، في إشارة يصعب فصلها عن حسابات الردع الإقليمي وعلاقات البلدين الأمنية مع الولايات المتحدة. مظلّة أميركية وتتضح دلالة هذا السلوك بصورة أكبر عند وضعه في سياق التطورات الإقليمية المتزامنة؛ إذ بينما كانت الوفود العربية تقدم واجب العزاء في طهران، كانت القيادة المركزية الأميركية تعقد اجتماعًا أمنيًا إقليميًا في البحرين بمشاركة معظم الدول العربية نفسها، بما فيها السعودية والإمارات وقطر والأردن ومصر والكويت وسلطنة عُمان ولبنان وسوريا واليمن، وهو الاجتماع الذي انتقده وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي علنًا. ويكشف هذا التزامن عن معادلة إقليمية مستقرة نسبيًا، تقوم على الفصل بين إدارة العلاقات مع إيران وبين الحفاظ على المظلّة الأمنية الأميركية، بما يجعل التقارب السعودي ـ الإيراني، الذي رعته الصين عام 2023، أقرب إلى آلية لإدارة المخاطر وتخفيض التصعيد منه إلى مصالحة استراتيجية مكتملة. طهران بعد خامنئي… حين يصنع الحرس جنازة النظام تعقيد لبناني وفي الوقت الذي تبدو فيه الدبلوماسية الإقليمية حريصة على احتواء التوتر، فإن ساحات الاشتباك الميداني لا تزال تشير إلى أن الاستقرار يبقى هشًا وقابلًا للانهيار. ويبرز جنوب لبنان باعتباره المختبر الأكثر حساسية لهذه المعادلة، في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي لمساحات من الجنوب، وارتفاع الخسائر البشرية منذ آذار/مارس إلى آلاف القتلى، بالتوازي مع المساعي الأميركية لإعادة صياغة ترتيبات أمنية جديدة تربط الانسحاب الإسرائيلي التدريجي بتنفيذ عملية متدرجة لنزع سلاح حزب الله في مناطق تقع جنوب نهر الليطاني. غير أن رفض الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، لهذه الصيغة واعتبارها إطارًا «ملغيًا ومذلًا»، مع دعوته إلى استبدالها بمذكرة تفاهم أميركية ـ إيرانية تمنح الحزب غطاءً سياسيًا إيرانيًا، يعكس عمق التعقيد الذي يحيط بالمشهد اللبناني. ويزداد هذا التعقيد مع اقتراب انتهاء ولاية قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان، واستمرار إسرائيل في استهداف البنية التحتية، إضافة إلى التحولات التي شهدتها سوريا منذ أواخر عام 2024، حيث أدى إغلاق ممرات الإمداد التقليدية نحو حزب الله وتشديد الرقابة على عمليات تهريب السلاح إلى تقليص هامش إعادة بناء القدرات العسكرية للحزب، في ظل تراجع التمويل وفقدان العمق اللوجستي السوري الذي شكّل لعقود أحد أهم عناصر قوته. هرمز متوتر وفي الخليج، لا تبدو الصورة أقل هشاشة. فعلى الرغم من الهدنة غير المعلنة التي تزامنت مع مراسم التشييع واحتفالات الرابع من تموز/يوليو في الولايات المتحدة، ظل مضيق هرمز يعيش حالة من التوتر المدروس. فإيران، التي حذرت عبر مقر خاتم الأنبياء من أن أي تدخل أميركي سيُواجَه برد حاسم، حافظت في الوقت ذاته على مستوى محسوب من التصعيد من خلال استهداف سفينتين خلال الأسبوع السابق، في رسالة مفادها أن ورقة تهديد الملاحة الدولية ما زالت جزءًا من أدوات الردع الإيرانية، حتى في لحظات الانفتاح الدبلوماسي المؤقت. جمود نووي أما الملف النووي، فقد دخل بدوره مرحلة من الجمود المؤقت، بعدما جرى تعليق المباحثات التي أعقبت تفاهمات منتصف حزيران/يونيو احترامًا لفترة الحداد، دون أن يطرأ أي تقدم ملموس بشأن القضايا الجوهرية، وفي مقدمتها مستقبل برنامج التخصيب النووي وآليات الرقابة التابعة للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهو ما يبقي أحد أخطر ملفات الصراع الإقليمي مفتوحًا على جميع الاحتمالات. انتقال القوة وفي الداخل الإيراني، تبدو التحولات أكثر عمقًا من مجرد انتقال دستوري للسلطة. فإعلان مجلس الخبراء تنصيب مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى لم يؤدِ إلى إنهاء حالة الغموض، بل فتح الباب أمام مرحلة تتراجع فيها شرعية المرجعية الدينية التقليدية لمصلحة شرعية القوة. فمجتبى لا يستند إلى المكانة الفقهية التي امتلكها والده، بقدر ما يستند إلى شبكة النفوذ التي بناها الحرس الثوري داخل مؤسسات الدولة، وهو ما يجعل انتقال السلطة يعبّر عن انتقال مركز الثقل من المؤسسة الدينية إلى المؤسسة الأمنية. غياب مجتبى ويزيد من هذا المشهد تعقيدًا استمرار غياب مجتبى عن الظهور العلني نتيجة إصابته، الأمر الذي جعل إدارة المرحلة الانتقالية تقع عمليًا على عاتق شخصيات نافذة، في مقدمتها محمد باقر قاليباف، الذي يسعى إلى توظيف خطاب التعبئة والثأر لتعزيز تماسك النظام. غير أن هذا التماسك لا يخفي حقيقة الانقسام المجتمعي العميق، الذي تجلّى في احتفال بعض الإيرانيين بخبر وفاة المرشد، بما يعكس اتساع الفجوة بين السلطة والمجتمع. ومن ثم، فإن قدرة النظام على تجاوز هذه المرحلة ستظل رهنًا بمدى محافظة الحرس الثوري على وحدته الداخلية، إذ إن الخطر الحقيقي لا يكمن في يوم التشييع، وإنما في اليوم التالي لانتهاء المشهد الاحتفالي. مصالح الكبار وعلى المستوى الدولي، تعاملت كل من روسيا والصين مع مرحلة ما بعد خامنئي بمنطق المصالح لا بمنطق التحالفات الأيديولوجية. فقد اكتفت موسكو بإرسال مبعوث رفيع يحمل رسالة دعم سياسية محدودة الكلفة، مع استمرار حرصها على الحفاظ على التعاون
قال أحد العارفين: «عندما تتّسع الرؤيا تضيق العبارة». لعلّ هذه المقولة تنطبق على المشاريع الوطنية الكبرى أكثر من أي شيء آخر. فالمشاريع التي تتجاوز حدود الاستحقاقات والظروف لا يمكن اختصارها بشعار، ولا حصرها في خطاب سياسي عابر، لأنها تتحول إلى فكرة راسخة، وإلى نهج يمتد في الزمن قبل أن تكون مجرد تنظيم أو حالة سياسية. وهكذا كان «تيار المستقبل» منذ انطلاقته. لم يكن يومًا مشروعًا انتخابيًا يرتفع مع استحقاق ويتراجع مع آخر، ولم يكن ظاهرة مرتبطة بظرف سياسي أو بشخصية قيادية، بل حمل مشروعًا واضحًا عنوانه الدولة، والاعتدال، والانفتاح، والشراكة الوطنية، والإيمان بأن لبنان لا يحيا إلا بمؤسساته، ولا ينهض إلا عندما يكون قرار الدولة فوق أي قرار آخر. قدرة الفكرة لهذا السبب، كلما أثبت التيار أن حضوره يتجاوز البنية التنظيمية إلى وجدان شريحة واسعة من اللبنانيين، ضاقت مساحة الرهان على غيابه. سمعنا كثيرًا عن نهايته، وكُتبت تحليلات لا تُحصى عن أفوله، وبُنيت رهانات على غياب دوره، لكن الوقائع بقيت أقوى من الأمنيات، لأن المشاريع التي تنبع من حاجة وطنية لا تنتهي بمجرد حملة سياسية أو ظرف عابر. فالحضور الحقيقي لا يُقاس بضجيج الخطاب، بل بعمق الامتداد في المجتمع، ولا بعدد المكاتب أو الشعارات، بل بقدرة الفكرة على البقاء رغم تبدّل الظروف. والتاريخ اللبناني مليء بتجارب امتلك أصحابها السلطة والنفوذ ثم تراجعوا، فيما بقيت المشاريع التي خاطبت وجدان الناس أكثر رسوخًا من أصحابها. إن من يراهن على غياب تيار المستقبل يتجاهل حقيقة أساسية، وهي أن التيار لم يكن ترفًا سياسيًا يمكن الاستغناء عنه، بل استجابةً لحاجة فرضها الواقع اللبناني. ففي بلد يقوم على التعددية، يصبح الاعتدال ضرورة وطنية، والدفاع عن الدولة خيارًا لا يحتمل المساومة، والشراكة بين اللبنانيين أساسًا لأي استقرار دائم. skip render: ucaddon_material_block_quote ركيزة توازن ومن هنا، فإن تيار المستقبل ليس مجرد مكوّن في الحياة السياسية، بل أحد ركائز التوازن الوطني. فلسفته لم تقم على منطق الغلبة، بل على أن الدولة لا تستقيم إلا بالشراكة، وأن التنوع اللبناني مصدر قوة عندما يجتمع تحت سقف الدستور والمؤسسات، وأن الاحتكام إلى القانون هو الضمانة الوحيدة لجميع اللبنانيين. ولعل أدق توصيف لدوره أنه ليس مجرد حاجة سياسية، بل أحد العناصر التي تعيد إنتاج الأمل بالدولة كلما اشتدت الأزمات. فهو يجدد حضور الاعتدال كلما ارتفعت أصوات التطرف، ويؤكد أن مستقبل لبنان لا يُبنى بالمحاور، بل بالمؤسسات، ولا بالإقصاء، بل بالشراكة، ولا بفرض موازين القوة، بل بسيادة القانون. لذلك، فإن الاحتفاء بأي حديث عن تراجع التيار يشبه الاحتفال بإطفاء منارة على شاطئ مضطرب. فالمنارة ليست غاية بحد ذاتها، لكنها تبقى دليلًا للسفن عندما تشتد العواصف. وكذلك هو تيار المستقبل في الحياة الوطنية؛ قد يختلف معه البعض سياسيًا، وهذا حق طبيعي، لكن يصعب إنكار أن حضوره شكّل، ولا يزال، عنصر توازن واعتدال في المشهد اللبناني. skip render: ucaddon_box_testimonial
منذ أكثر من عشرين يومًا، تعيش عائلات لبنانية، بينها عائلات صيداوية معروفة، حالة من القلق الشديد بعد توقيف أربعة شبان لبنانيين في المملكة العربية السعودية، من دون اتضاح الأسباب أو الإعلان عن أي تهمة بحقهم حتى الآن. وبحسب معلومات حصلت عليها صحيفة «البوست» من مصادر متابعة، فإن جهاز أمن الدولة في السعودية أقدم على توقيف الشبان الأربعة، وهم ممن يعيشون ويعملون في المملكة منذ سنوات طويلة، حتى إن بعضهم من مواليد الرياض، قبل أن يتم اقتيادهم إلى جهة غير معلومة، وسط انقطاع شبه كامل في التواصل مع ذويهم. وتشير المعلومات إلى أن أحد الموقوفين سُمح له بإجراء اتصال وحيد بعائلته، قبل أن تنقطع أخباره مجددًا، ما زاد منسوب القلق لدى الأهالي، وفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول ظروف التوقيف، ومكان الاحتجاز، وطبيعة الملف الذي يجري التحقيق فيه. وفي ظل غياب أي معطيات رسمية واضحة، تتكاثر الروايات والتسريبات حول خلفيات ما جرى، بما في ذلك الحديث عن أسماء وارتباطات سياسية محتملة، إلا أن أيًا من هذه المعطيات لم يثبت حتى الآن، ولم يصدر ما يؤكدها أو ينفيها بصورة قاطعة. وتؤكد مصادر متابعة أن “جهات نافذة” بدأت السعي للدخول على خط القضية، في محاولة لجلاء حقيقة ما حصل، ومعرفة مصير الموقوفين، وضمان حقهم في التواصل مع عائلاتهم والحصول على المسار القانوني العادل، بعيدًا عن الشائعات والتوظيف السياسي. ويبقى السؤال الأهم: لماذا أوقف هؤلاء الشبان؟ وأين هم اليوم؟ ومن يتحمل مسؤولية كشف الحقيقة لعائلات لا تطلب سوى الاطمئنان إلى أبنائها ومعرفة مصيرهم؟