توقّف مصدرٌ صيداويٌّ مطّلعٌ عند ظاهرةٍ “مستجدّة” برزت داخل بلديّة صيدا منذ اندلاع أزمة النزوح، وتمثّلت، بحسب تعبيره، بانكفاء أحد الوجوه التقليديّة الناشطة في العمل الاجتماعي الميداني، في مقابل الدفع بمنافسٍ له من خارج المجلس إلى الواجهة ومنحه حضورًا مصطنعًا ودورًا مبالغًا في حجمه، من دون أن ينعكس ذلك، حتى الآن، بأي أثرٍ جدّيّ أو ملموس على الأرض. بحسب المصدر، فإنّ ما يجري لا يمكن قراءته في إطارٍ إداريٍّ عاديّ أو ضمن توزيعٍ طبيعيٍّ للأدوار، بقدر ما يوحي بوجود حساباتٍ خاصّة تتحكّم بجزءٍ من المشهد، وتدفع باتجاه إعادة ترتيب الواجهات والأسماء وفق اعتباراتٍ لا تبدو بعيدة عن المصالح والتنافسات المكتومة. المفارقة، أنّ “المتنافسَين” يندرجان أصلًا في خانة تجّار العقارات في المدينة، ما يضفي على المشهد بُعدًا إضافيًّا من الالتباس، ويعكس شكلًا من أشكال التنمّر المكتوم على أحدهما، على خلفيّة حساباتٍ قديمة يبدو أنّها لا تزال حيّة تحت الرماد، ولم تُطوَ صفحتها بعد، رغم كل ما يُقال في العلن عن تجاوزها.
في زمنٍ تتكسّر فيه المعاني على أرصفة المدن المتعبة، يرحل أحمد قعبور بهدوءٍ لا يشبه إلا صوته: صادقًا، دافئًا، ومشحونًا بذاكرةٍ لا تنطفئ. ليس رحيله مجرّد غياب فنّان، بل انطفاء مصباحٍ كان يدلّنا، ببساطةٍ آسرة، إلى الطريق بين الأغنية والوطن، بين الكلمة والكرامة، بين اللحن والناس. سيرةٌ تُشبه بيروت… وتخالفها وُلد أحمد قعبور في بيروت عام 1955، في مدينةٍ كانت تتعلّم كيف تُغنّي وهي تنزف. نشأ في بيئةٍ شعبية، ودرس المسرح في الجامعة اللبنانية، كأنّه كان يهيّئ نفسه مبكرًا لفهم الخشبة والحياة معًا، وللاقتراب من ذلك الكائن العربي المثقل بالهزائم والآمال. لم يكن صعوده إلى الغناء صاخبًا، بل أشبه بتسلّل الضوء إلى غرفةٍ معتمة: بطيئًا، لكن حاسمًا. منذ بداياته في سبعينيات القرن الماضي، اختار أن يقف في المسافة الأصعب: لا هو ابنُ السوق، ولا هو نزيلُ الأبراج العاجية. كان ابن الشارع، لكن بلغته؛ وابن القضية، لكن بأدوات الفن. حمل عوده، وذهب إلى الناس، لا ليُطربهم فحسب، بل ليُذكّرهم بأنّ في الصوت معنى، وفي المعنى موقفًا. أغنياتٌ تُقيم في الذاكرة غنّى قعبور للإنسان قبل أن يغنّي لأيّ شيءٍ آخر. من “أناديكم”، التي التصقت باسمه وصارت نشيدًا يتردّد في الحناجر قبل المسارح، إلى أعمالٍ أخرى حفرت مكانها في الوجدان العربي واللبناني، ظلّ صوته مُحمّلًا بقلقٍ نبيل على العدالة والحرية وفلسطين والناس. لم تكن أغانيه مجرّد ألحان، بل وثائق شعورية لزمنٍ عربيٍّ مضطرب، تُكتب بالنبرة قبل الحبر. في تجربته، التقى التراث بالحداثة بلا صخب: مقامٌ شرقيّ، وكلمةٌ بسيطة، وحسٌّ دراميّ يضع المستمع في قلب الحكاية. لم يحتج إلى بهرجةٍ أو إنتاجٍ ضخم؛ كان يكفيه صدقُ الأداء، ونُبلُ الفكرة، وذاكرةٌ تعرف كيف تحفظ الألم من دون أن تستسلم له. موقفٌ لا يُساوَم لم يكن أحمد قعبور فنّانًا “محايدًا”. اختار منذ البداية أن يكون مع الناس: مع فلسطين بوصفها جرحًا مفتوحًا ووصيّةً أخلاقية، ومع لبنان بوصفه بيتًا يحتاج إلى ترميمٍ دائم، لا إلى خطاباتٍ عابرة. في الحروب والانتكاسات، ظلّ صوته حاضرًا كنوعٍ من الشهادة على أنّ الفنّ يمكن أن يكون مقاومة، وأنّ الكلمة، إذا صدقت، صارت فعلًا. وهذا بالضبط ما جعل رحيله اليوم يتجاوز الوسط الفنّي إلى وجدان جمهورٍ أوسع رأى فيه صوتًا ملتزمًا لا مجرّد مؤدٍّ ناجح. لم يسعَ إلى السلطة ولا إلى الجوائز بقدر ما سعى إلى المعنى. لذلك، حين كان يغنّي، كان يبدو كمن يضع قلبه على الطاولة ويقول: هذا أنا، خذوه كما هو. وتلك الجرأة هي ما جعلته قريبًا من الناس، بعيدًا عن الضجيج. بين الفنّ والتربية إلى جانب الغناء، انشغل قعبور بالفعل الثقافي والتربوي، مؤمنًا بأنّ الفنّ ليس ترفًا، بل ضرورة في تكوين الوعي. كان يدرك أنّ المعركة الحقيقية تبدأ من هناك: من اللغة الأولى، من الحكاية الأولى، من النغمة التي تُعلّم الطفل كيف يحبّ العالم من دون أن يخافه. لذلك بدا مشروعه أوسع من أغنية، وأعمق من سيرة فنّان؛ بدا كأنّه محاولة دائمة للدفاع عن الإنسان من التبلّد والقبح. وداعٌ يليق بصوتٍ لا يموت اليوم، ونحن نكتب نعيه، لا نودّع رجلًا بقدر ما نُسلّم راية. لأنّ أمثال أحمد قعبور لا يغادرون تمامًا؛ إنّهم يتركون لنا ما هو أثقل من الغياب: الأثر. في زمنٍ يزداد فيه الضجيج وتقلّ فيه المعاني، سيبقى صوته معيارًا بسيطًا وصعبًا في آن: هل نقول ما نؤمن به؟ هل نغنّي للناس لا عنهم؟ هل نجرؤ على أن نكون صادقين؟ نمْ مطمئنًا، أيّها العابر بين الأوتار. لقد فعلت ما يجب أن يُفعل: جعلتَ من الأغنية بيتًا، ومن البيت وطنًا صغيرًا يسعنا حين تضيق البلاد. وفي هذا، كلّ الخلود.
مناصرون لإيران في بيروت المشاركة النسائية في التظاهرة كلمات وتأييد خامنئي حاضرا الشارع الداعم حاملو الراية حزب الله الحاضر الأكبر من أمام مبنى السفارة الإيرانية في بيروت